xasn d

عندما كان عمر ابني 8 أشهر، أحضرت له مجموعة من القصص للأطفال، ورد في إحداها قصة مفادها أنّه ذات يوم أعلن ملك الطيور (النسر) وملك الحيوانات (الأسد) الحرب بينهما لمعرفة أيّهما أقوى. وفي اليوم الموعود، اجتمع الفريقان للقتال، كانت القرود تقفز على الأغصان لتضرب الطيور، والسنجاب ينقر من يصل إليه من الطيور، والأسد يصفع الطيور الكبيرة مثل النعامة وغيرها، والطيور تنقر بمنقارها الحاد أجساد الحيوانات ثم تحلق عالياً جديداً، ولاحظ الفريقان أن الوطواط يضرب الطيور حين تكون أقرب للهزيمة، ثم يتحول لصفهم ويشارك في ضرب الحيوانات عندما تبدو على وشك الانهيار. وبعد حرب مضنية، أعلن الملكان هدنة بين الحيوانات والطيور، وفي نهاية اليوم تصالحا واتفقا أن كل طرف كان أقوى في مجاله وبما يتناسب مع قدراته. هنا سأل الأسد النسر: ما حكاية الوطواط، كان يضربنا بشدة حيناً، وأحياناً يقاتل في صفوفنا؟
ردّ النسر: لقد لاحظنا الأمر نفسه أيضاً.
( وقرر الملكان معاقبته بأن أصبحت له صفات تجمع بين الطيور والحيوانات)
دعونا نتجاهل ما بين القوسين أعلاه من معنى غير مقبول دينياً، فإن المغزى من الحكاية يتلخص في أنّ الانتهازي لا حلّ له سوى العزل والمقاطعة، فقد كان بإمكانه اختيار فريق بعينه والقتال في صفه، والدّفاع عنه وعقد الصفقات معه، أمّا حالة التذبذب الذي عاناها الوطواط كما في الحكاية فيعكس عدم وضوح الرؤية وضبابيتها.
وهذا بالذات ما كانت عليه الصومال في سياستها الخارجية منذ أيام النظام العسكري وحتى اللحظة، فقادة الصومال لا يرون أن التردد والتذبذب أمر مستهجن، وتنتهي لوضع مزري في آخر النّهار..
هذا التذبذب جعل الصومال تخسر الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية، وها هم الآن يرتكبون الحماقات السابقة وبكل إصرار ظناً منهم أنّ هذا دليل على الذكاء الخارق للعادة، فهم يجسدون في نظر أقلية ممن لا يرون حرجاً من حضور الرئيس حفل تنصيب السّفاح السيسي رئيساً لمصر “الشخصيّة الصومالية العصيّة على الاستسلام لمعسكر واحد”.
فهم ينسون أن مصر ليست سوى دولة في مرحلة انتقالية تعيش حالة حرجة وتسعفها دول مثل الإمارات والسعودية بأنابيب مغذية لتستمر هذه الحالة الشّاذة، وهم يتعامون عن واقع أن الإمارات والسعودية لن يقبلا بأن تقوم للصومال قائمة كما تريد أن تغرق مصر وتونس وليبيا واليمن. ويغضون الطرف عن حقيقة أن تركيا هي أكبر مانح للصومال وتضخ مباشرة لميزانية الدولة، رغم الفساد.
ترى الأقلية المؤيدة للمشاركة في حفل التنصيب أن هذا دهاء، فهم يتعاملون بكل احترام مع داعمي الصومال، وفي نفس الوقت لا يخسرون ممولين متوقعين. هم يدركون أن دولة كالإمارات لن تمول أي مشروع مفيد للشعب الصومالي ولا يغيب عن تصورهم أن مشاركة الصومال بوفد رفيع ضمّ الرئيس ورئيس الحكومة ومسئولين آخرين مجرد ديكور في هذه المسرحية، وليسوا حتى (كومبارس) فيها.. ومع ذلك يفضلون أن يشعروا بالمشاركة في خيانة كبيرة، وتبرير ذلك بعبارات سخيفة كالقول بأن (السياسة لا تبنى على العاطفة) و (الرئيس يعرف أكثر منا) و(لا تملك الصومال اتخاذ موقف كموقف تركيا وقطر)
هذه العبارات السطحية الانهزامية يمكن هدمها ببساطة: سينتصر الشعب المصري حتماً وإن طال المدى، وسيطاح بالمجرمين، لذا وباعتبار أن الصومال جزء من العالم، والعالم يسعى لفرض الانقلاب، والصومال لا يملك أي شيء، وهو عالة على العالم، إذاً فليرسل برقية تهنئة، وليشارك السفير فوق العادة (المزمن) في القاهرة. هذه سياسة، أما أن تأمر الإمارات الرئيس ومن معه بالمشاركة في هذه المهزلة.. فهذه عمالة ووضاعة وخيانة!!
وشتان ما بين الشرفاء الذي أعلنوا برآءتهم من الرئيس ورهطه وبين العميان الذين اشتروا الحرية بالعبودية، والاستقلال بالتبعية، فما أصبرهم على البؤس والذّل!!


???????????????????????????????

إن أكثر ما لفت انتباهي هذا المساء خبر انشقاق محمد سعيد أتم (أمير حركة الشباب في بونتلاند سابقاً)، ليس فقط لأنه انشق، ولكن لأنه سلّم نفسه للحكومة الفيدرالية في مقديشو، وعقد مؤتمراً صحفياً يعلن فيه انشقاقه قائلاً أنه تلقى معاملة حسنة!!
ذكرني الأمر بانشقاق حسن طاهر أويس وتسليم عشيرته إياه للحكومة، وانتهى به المطاف للعيش في بيت فخم.. بدل محاكمته والحكم عليه بنبذ ونقض أفكاره علانية أمام من ضللهم… ويعزل تماماً ولا يسمح له بالكلام.. وهذا قليل عليه.. وعلى سيرته الدموية..
وذكرني برجل الأمن المتعاون مع حركة الشباب بدعوى أن عائلته أرسلت خطاب استرحام للرئيس، وأنه تاب وأنه كبير في السن!!!
ذكرني بأعضاء فرق الموت (الأمنيات) الذي يقبض عليهم ثم يفرج عنهم مقابل حفنة من الدولارات!!

محمد سعيد أتم بالغ في الكذب في خطابه..
قال لم تستجب حكومة بونتلاند للمحادثات التي كانت تجري بينه وبينها.. فبدأ بالحرب.. في الواقع هذا القاتل بادر بالهجوم الفجائي على الجنود البونتلايديين، وغدر بالمحادثات فخسر احتضان ورسنجلي له..
بالغ في التزييف إذ قال أنه ضد الحرب.. ماذا كان يفعل حين زج بشباب ورسنجلي في حرب مع عدي موسي في 2006 أو 2007 لا أذكر بالتحديد، وقتها قاتل لمنع تنقيب النفط في مناطق العشيرة كما زعم، وقتل 11 شاباً في اشتباكات سيتحمل وزرها للأبد..
لأسباب كثيرة يدركها فضل تسليم اللجوء للحكومة، هذه عملية لجوء وليست عملية استسلام بعد انشقاق.. ولقد أحسن المعروف ب (أتم) الاختيار.. فطالما كانت الحكومة الفيدرالية بهذه القيادات الانتهازية الحضن الحنون لكل من يريد تدمير الصومال وإبادة الصوماليين..


DIGITAL CAMERA

بنيت جمهورية صوماليلاند على رفض الاستبداد والقتل الممنهج والإقصاء، فهل تمارس هذه الجمهورية الديمقراطية بحق؟ وهل أسست قواعدها على نظام سياسي يضمن المشاركة العادلة لكل المكونات الاجتماعية؟ وهل تتوفر للمواطنين الحقوق الأساسية والحريات؟
من الواضح أن الديمقراطية في جمهورية صوماليلاند اختزلت في عمليات الانتخاب المباشر للشعب واختياره للقيادات التي تتولى أمور المنطقة، وقلما تعرض وسائل الإعلام الانتهاكات الواضحة ضد المتظاهرين المحتجين على نتائج الانتخابات المحلية كاستهدافهم بالرصاص الحي.
كما أوردت تقارير حقوقية القمع المفروض على الشعب، إذ لا تشهد الجمهورية أي تسامح مع من يعترض على الانفصال وحق تقرير المصير، لدرجة أنّ عبارة : انفصالنا حق مقدس تكاد تكون العبارة الأكثر تداولاً في المناقشات حول الاعتراف بالجمهورية أو مدى منطقية الحجج المسوقة لهذا الانفصال. حتى أنّ السياسين المشاركين في الحكومة الفيدرالية أو مجلس الشعب يكاد يكون متهماً بالخيانة العظمى، وتتطوع وسائل الإعلام المحلية لتخوينه ووصمه بالعمالة.
ماذا عن الحريّات؟
إن التسامح مع حرية التعبير وحرية ممارسة العمل الصحفي لا تكاد تلمس، فقد قامت السلطات بإغلاق وسائل إعلام، واعتقلت صحفيين لممارستهم عملهم كما حصل مع صحفيين في بورما لسؤالهما الجمهور عن نظرتهم للانتخابات في جمهورية الصومال الفيدرالية. إذاً؛ أين هي الحرية المزعومة والديمقراطية التي تفاخر بها الجمهورية وتعتبرها من أقوى الدّوافع التي يفترض أن يعتمدها المجتمع الدولي للاعتراف بوجودها كدولة مستقلة ذات سيادة.
ماذا عن العدالة والمساواة؟
إن من أبرز إدّعاءات جمهورية صوماليلاند أنّ الظلم والإقصاء تسببا لهم بأزمة، وحين ثاروا عوقبوا بكل قسوة، بتهمة الميول الانفصالية، فإذا بالجمهورية تمارس الأمر ذاته مع أبناء محافظتي سول وسناغ، أفلا يقتضي منطقهم هذا السّماح لسول وسناغ بالانفصال عنها، بعد ضمّهما بالإكراه؟ أفلا يعني هذا أنّها الوجه الآخر لنظام سياد بري؟
ماذا نسمي الأحزاب المتعددة التي تمارس الانتخابات وتشارك في الحكم أو تقف في صف المعارضة؟
يكفي أنّ مواطنين من جمهورية صوماليلاند يعترفون في الحوارات الجانبية وفي الجلسات العامة، بأن كل حزب يمثل عشيرة من عشائر أكبر قبيلة في هذه الجمهورية.. فهل هذه ممارسة ديمقراطية أم محاصصة قبلية لتقاسم السلطات؟
من يضمن ألا تتحول جمهورية صوماليلاند لدولة جنوب السودان؟
بمعنى: بما أنّ قضية الاعتراف هي الشغل الشاغل لهم، فهذا يضع هدفا مشتركاً بين الفاعلين السياسين، فماذا لو تحقق الاعتراف، من يضمن عدم انزلاق البلاد نحو حرب أهلية بعد فترة وجيزة من ولادتها؟


18 May

في مثل هذا اليوم من عام 1991م، أعلنت قوى من أبناء قبائل مناطق شمال غرب الصومال ميلاد جمهورية أسموها جمهورية صوماليلاند، وتناضل حكوماتها المتوالية منذ ذلك الحين لنيل الاعتراف بها جمهورية مستقلة ذات سيادة، بل أصبح الوعد الانتخابي المزمن لكل من يرغب في منصب الرئاسة فيها. ويجادل أنصار انفصال صوماليلاند بأنّ جمهوريتهم استوفت معايير الدّولة (statehood) الأرض والشعب والحكومة، كما أنّها شهدت انتقالاً للسلطة بطريقة ديمقراطية قل نظيرها في افريقيا بل والشرق الأوسط كذلك، وتعتمد الجمهورية كذلك نظام تعددّ الأحزاب، أليست جديرة بالاعتراف بعد كلّ هذا؟
طبيعة الاعتراف بالدّول وحالة صوماليلاند
يعتبر الاعتراف بالدّول خطوة ضرورية تثبت الشخصية القانونية القادرة على إجراء الاتفاقيات والمعاهدات وإقامة العلاقات الدبلوماسية والانضمام للمنظمات الدّولية. واعتراف الدّول بأي كيان جديد يعني رغبتها في حضور هذا الكيان على الساحة الدّولية. أمّا الاعتراف بالدول فيستند لنظريتين: نظرية الاعتراف المقرر (declaratory)، فالدولة وفق هذه النظرية لا تستمد كينونتها من الاعتراف، وإنما يأتي الاعتراف بها إقراراً لوجودها، بمعنى أنّ وجود الدّولة سابق للاعتراف. ونظرية الاعتراف المنشئ(constitutive)، بمعنى أن الدّولة لا تحقق لها الشخصية القانونية ما لم تعترف بها الدّول الأخرى.
وجدير بالذكر أنّ القانون الدولي لا يمنع الاعتراف بأي دولة، بل يترك القرار لكل دولة لتقرر موقفها، وغالباً ما يرتبط الاعتراف بمصالح الدّول السياسية والاقتصادية، فقد تتعامل بعض الدّول مع الحكومات القائمة في الدول غير المعترف بها دولياً دون أن يعني ذلك الاعتراف بالدّولة ككيان مستقل موجود على أرض الواقع. كما أن الاعتراف بالدّول لا يأتي دفعة واحدة من كل الدّول في الوقت ذاته، فكوسوفو على سبيل المثال خاضت نضالاً طويلاً، واعترفت بها منظمات دولية كالأمم المتحدة والاتحاد والبرلمان الاوربيين، ودول عديدة، ومع ذلك ما تزال دول كصربيا وسوريا وفنزويلا ولاوس مثلا أعلنت أنّها لن تعترف بها كدولة، واعتبرت روسيا انفصال كوسوفو والاعتراف بها كدولة سابقة خطيرة.
وفي حالة جمهورية صوماليلاند فهي وفق القانون الدولي جزء من دولة الصومال المعترف بها وفق نظرية الاعتراف المقرر، وكونها أعلنت الانفصال والاستقلال حقق لها الوجود المادي، دون أن لم يثبت شخصبتها القانونية، لم يجعل منها جمهورية ذات سيادية وفق النظرية الثانية (الاعتراف المنشئ) حيث أنّها لم تحظ لليوم باعتراف أية دولة.
لماذا تأخر الاعتراف بصوماليلاند حتى الآن؟
يعتبر هذا السؤال في غاية الأهمية، ولعلّ الإجابة عنه تكمن في الدّوافع التاريخية والسياسية التي تقدّمها صوماليلاند لدعم دعواها في حق الحصول على دولة معترف بها. تدّعي القوى الفاعلة في مناطق صوماليلاند أنّ جمهوريتهم كانت دولة مستقلة قبل قرار الانضمام للصومال الإيطالي، وأنّ خيار الوحدة لم يكن صائباً، بل هو خطأ تاريخياً وجب تصحيحه بالعودة للمسار الصحيح، ألا وهو إقامة جمهورية ذات سيادة، حرة ومستقلة، تكون حدودها ضمن حدود ما كان يعرف بالصومال البريطاني (المحمية البريطانية السابقة).
الإدّعاء الآخر هو: أن النظام الديكتاتوري ارتكب مجازر ضدّ أبناء قبائل جمهورية صوماليلاند، ولا حلّ يشفيهم من جراح الماضي سوى التّخلص من الانتماء لدولة الصومال، سياسياً واقتصادياً، ونفي كل ما يرمز إليها من علم وشعارات وهذا لا يتحقق إلا بإقامة دولتهم المستقلة.
ولكن ماذا يقول الواقع؟
تقاسمت الدّول الاستعمارية (فرنسا وإيطاليا وبريطانيا) الأراضي الصومالية، فنسبت كل دولة نصيبها من الصومال إليها، (الصومال الفرنسي)، (الصومال الإيطالي)، (الصومال البريطاني)، وهذا ينسف من الأساس مقولة (كانت صوماليلاند دولة مستقلة) كانت إذاً حزءً من الصومال المقسّم. وفي الخمسينات وضع الصومال البريطاني والصومال الإيطالي تحت الوصاية الإيطالية.. ما يعني أن الإدعاء بحدود المحمية البريطانية يتضعضع، لأن كل ما عرف لاحقاً بجمهورية الصومال كان واحداً تحت الوصاية الإيطالية، قبل أن يحل السادس والعشرون من يونيو 1960م، فمنح الصومال البريطاني استقلاله، ولم يعلن نفسه جمهورية مستقلة، بسبب الاتفاقية المعقودة بينه وبين الصومال الإيطالي بالوحدة بعد استقلال الأخير.. ولهذا لا يمكن القول بأنها كانت دولة مستقلة لأربعة أيام وفق الدّعاية الصوماليلاندية لأنّها لم تصبح دولة بحكم نظرية الاعتراف المقرر الذي يجعل الاعتراف بالدّول تلقائيا بعد استقلالها.
أمّا الإدّعاء الآخر بأن النظام الديكتاتوري ارتكب مجازر ضدّ أبناء المنطقة، فهذا واقع لا ينكره أحد، وهذا طبع كل نظام ديكتاتوري، وقد عانى منه الصوماليون أفراداً وقبائل، فهل الانفصال هو الحلّ الوحيد؟ كان بإمكان القائمين على جمهورية صوماليلاند طلب الاعتذار والتعويض من الحكومة الصومالية بعد استقرار الوضع، ويحق للحكومة تطبيق (التمييز الإيجابي) لصالح أبناء هذه المنطقة، والحصول على حكم ذاتي.. وفتح الباب للتعايش مع باقي الصوماليين، فالأذى وقع عليهم من قبل نظام لا من قبل المواطنين، وقد باد ذلك النّظام واندثر. وعلى العموم، يبدو الإدّعاء الثاني أقرب للمنطق من سابقه، غير أنه سبب لا يرقى لطلب الانفصال.
في رأيي؛ لم تكن قيادات صوماليلاند جادّة بما يكفي بخصوص موضوع الانفصال وإقامة دولة ذات سيادة، بل أرادات أن تلفت النّظر إليها بوصفها قوة فاعلة في جمهورية الصومال وأن يمنحوا مناصب سيادية كانوا يطمحون إليها منذ الاتحاد بين الإقليمين، ولم يصرّحوا بذلك. وأستند في ذلك لمحاولة الانفصال الأولى بعد عام من الوحدة، إذ حدث أن أقال الرئيس آدن عدي رئيس الوزراء عقال من منصبه، وعيّن شرماركي الأب مكانه، ما استفزّ أبناء الإقليم، وأشعرهم بالإقصاء. غير أن استمرار الوضع السيئ مدة أطول وظهور جيل نشأ على كراهية كلّ ما يمتّ للصومال بصلة جعل نغمة الانفصال تأخذ منحى أعمق وأكثر جدّية, وفي المقابل، نجد أن الأصوات المستهجنة للانفصال من ابناء الصومال الإيطالي تنخفض ولا سيما من أبناء جنوب الصومال ممن أرهقتهم حالة الفساد والإفساد المتعمّدة، ومع نزوح أصحاب رؤوس الأموال من مقديشو لصوماليلاند بدأ التوتر حيال الموضوع يتلاشى… ولا سيما وسط فئات الشباب، الذين يتبارون في التهنئة صوماليلاند بيوم الاستقلال المجيد.


>صباح الشوق ....!

في البدء تنتابنا مشاعر جارفة من المرارة والنقص. غيابهم ممض، وصورهم تبقى مطبوعة في الأماكن كلها. الشوق يزيد ويكبر ويكبر ثم ينكسر في أعماقنا. هل تذكر؟
كنا في أوائل موسم الغياب، تنهمر عبارات الحنين والاشتياق، تصل رسائلنا محملة بآثار الدّمع! حروف ممحية هنا، وأخرى بحبر أزرق باهت.
أين يذهب الشوق حين ينكسر مع الإمعان في الغياب؟
كيف يتحول القلب الطفل العاشق لقلب معطوب، ما عاد يطير فرحاً بذكر الحبيب، بل يلوي بعيداً
والقسوة التي خلّفها شجار سابق، أو اتهام باطل، أو جرح عميق تملأ خارطة الذكرى؟
ثمة أشياء صغيرة كانت تسعدنا, حلقاتنا في ليالي الصيف، وصخبنا، ثم طريق العودة والمرح المزروع في كل مفرق! أغنيات تافهة أضحكتنا ولم يكن جيراننا يملّون منها!
الخيبات الصغيرة التي كانت تتحول لموجات ضحك لا أدري منبعها.. لماذا كلّما عنّت على البال هربنا؟
هل قلوبنا من الجفاء بأن نختار الصمت على سماع أصواتهم؟
هل يكفي الدّعاء لهم بالسعادة والرّضى والتوفيق لقول كم نحبّهم؟!
أكاد أسمع صوتاً حبيباً يهمس: أهذا خيار؟ أحقاً هذا مصير الشوق الطويل؟ ألا تحزنون؟!
الحزن وحده لا يكفي… والبعد كما قيل جفاء! وفي القلب على الدّوام مكان للحب.


ClimateSecurity_main_1129

الأشخاص المتعبون أمثالي، لا تراهم يضحكون كثيراً، في اللحظات القليلة التي لا نكدح فيها، نكون غارقين في نوم عميق.
ترف هو السهر على أنغام موسيقى افريقية على شواطئ المدينة، حيث تجد العشرات ممن اعتادوا الاكتفاء باستنشاق رائحة البحر لثمانية عشر عاماً، دون أن يملكوا الحق في الاقتراب منه.
في هذه المدينه، وحدهم أؤلئك المنتمون لعالم الـ VIP يحضرون المنتديات، والملتقيات الثقافية، أمّا المتعبون البائسون أمثالي، فهم منفيون عن هذه الاجتماعات. لا أحد يحب أن يرى قميصي المخطط بآثار العرق الجاف، ولا وجهي الذي لوحته الشمس، فرسمت فيه بالتعاون مع القهر أخاديد قاسية، ولا يتخيلون أن يداً غليظة متشققة مثل يدي الوحيدة تمسك بالقلم أو تداعب أزرار لوحة المفاتيح.
أمثالي ممن تركوا التنظير واختاروا أن يعرفوا معاني الأمور التي يدافعون عنها أولاً هم مجانين العصر. كيف تدافع عن الفقر، وأنت لم تعرفه، ولم تعش مع فقير يوما واحداً؟
هل تدري ماذا يعني أن تحسب كم لقمة يجب أن تكتفي بها اليوم، ليكون لدى ابنك كوب حليب، ولزوجتك رداء تستر به نفسها؟
هل تدري ماذا يعني أن تكون مريضاً، أو مسئوولا عن شخص مريض، ولا تملك جواز سفر أجنبي أو دبلوماسي، يساعدك على إرساله للعلاج في الخارج، وتكون محكوماً بالبقاء حيث لا علاج ولا دواء؟
كيف تناضل من أجل المسحوقين وأنت تعلم أن هذه المنطقة تعتبر سجناً لأشخاص فرّوا من المجاعة ليقعوا بين أيدي أنذال يتاجرون بجوعهم؟
تقول عن نفسك مثقف يناهض الظلم والجور؟
تقول عن نفسك وطنيا غيوراً ورجل سلام؟
ضميري ما عاد يحتمل الاكتفاء بممارسة دور المثقف عاشق التنظير والثرثرة! ثمة وجع أطبق على روحي، وما وجدت له فكاكاً. فاعتزلت عالم المثفقين الرخيص.
في البداية، قاطعت الانترنت، والكهرباء والهاتف المحمول، وبدأت أعمل بيدي، أعيش تفاصيل حياة الطبقة الكادحة التي طالما تظاهرت كغيري في الدّفاع عن حقوقها.
وتعمّدت ذات لحظة جنون الذهاب لمنتدى من أجل السلام، نظروا إلي شذراً وقالوا للأمن: أعطوه طبق من الأرز واصرفوه!
قلت لهم: إنما أريد الاستماع للمناقشات.
قالوا لي: هل تنصرف أم نفرغ في صدرك خمس رصاصات؟
منتدى للسلام إذاً!!!
ومرة أخرى ذهبت لمشاهدة رقصات شعبية بحضور العمدة وكبار شخصيات المدينة.. نظروا إلى ملابسي، ودفعوني.. وجدتني ألعب بورقة اللغة الأجنبية التي أتقنها، فقال أحدهم: لقد تعلمها من الأفلام الرخيصة التي تعرض في الأحياء, إنّه جاهل فاطردوه!
لم أندم لأني غادرت سكة المتظاهرين بالثقافة والتمدّن.. متعب ومنبوذ نعم! غير أني أنام بعمق دون أوجاع!


Afgoye

Afgoye2

باكراً جداً بدأنا التحرك في طريقنا الطويل تجاه المدينة الخضراء، في تلك اللحظات كنت متحمسة لأن تسرع بنا السيارة ونتجاوز أميالاً لنصل أفجويي.
في الطريق التقينا بشباب بزي العساكر حاملين البنادق يوجهونها أينما شاؤوا قلت بلاوعي:
“كم أكره تلك الآلة وكأنها تقول لي ليس ببالي بل لست على إستعداد أن أختفي من حياتك لوقت طويل أريحي رأسك!”

وكان السائق يهدئ من روعي قائلاً بأنهم فقط يفتشون السيارات العامة، أو لعلهم يطلبون منهم مالاً!

زينب صديقتي تقول وعلى وجهها تعابيرُ إندهاش

“مررت هذا الطريق لمّا كان بيد حركة الشباب التي زعمت الجهاد واليوم ليسوا هنا، ألم يقل الله (وتلك الأيام نداولها بين الناس)”.

صديق آخر علق

“لو كانت لي سلطة كنت أقتل جميع من إرتكب جريمة، وأخطأ بحقنا وبحق الوطن وبعدها كان الجميع سيأخذ علماً بأن لا يستطيع أحد أن يفعل شيئاً هنا ويفلت من العقاب”.

رد السائق ساخراً:
“ومن منا لم يرتكب خطأ ما أو جريمة، في هذا الحال ستضطر أن تقتل الجميع”
.
نحن محترفو سياسة، هي هوانا، عادتنا اليومية، أي شيء في الشارع والبيوت، في السيارة وفي أماكن العمل له علاقة بالسياسة!!
وكالعادة كنا نحلل ونفصل ونتجادل ونروي ما سمعناه.. ثمة تسييس غير عادي لتفاصيل حياتنا وكل ذلك نغلفه برغباتنا وأحلامنا.

على أعْتاب أرض خضراء نقفْ، وأخيراً.. وصلنا ورحبوا بنا كأجمل ما يكون الترحيب، وبدأت أنا أصور الخضراء وكل جميل رأته عيناي حينها.
لِلحظة شعرت بغبطة.. كم هم محظوظون أصحاب هذا المكان!!
شعرت بهدوء الأشياء حولي وسكونها، وتسلل إليّ هذا الشعور فغمرني، شعرت بأن لا شيء يضاهي ضيافة في مزرعة كهذه!!

قلت وأنا أمسك بيد صديقتي:

– هيا دعينا نتجول وسط الأشجار، هكذا سنكتشف طرقاً جديدة!

تسألني وهي تقف:

– ما سبب كل هذا الحماس؟

– لأن تلك الطرق أروع من الرحلة ذاتها، أنا أسير وأنت تسيرين والأزهار من حولنا، وغناء الطيور يرافقنا، ألا يبعث كل هذا حماسك؟!

مشينا صامتتين.. متأملتين تلك اللوحة الطبيعية.. السماء والعصافير والأرض الخضراء، ولم أستطع مقاومة قطف بعض الأزهار، همست صديقتي حين وصلنا إلى شجرة كبيرة
– أليس شعوراً رائعاً أن تبدأي نهارك بعطر الورود؟ أخبريني ألست أفضل هذا الصباح؟

– ليس ثمة شك بأنه الأجمل وخصوصا برفقة صديقة مثلك يا عزيزتي.

ثم بدأت في استدارجي مبتسمة

– أراكِ لأيام وأنت تكتبين أشياء عن الحب ما بك؟

قلت ضاحكة

– ماذا تعنين بقولك يا مشاكسة، تعرفين أنه لا يحتاج المرء ليحب حتى يكتب عن الحب!
تجيب بتخابث:
-أشك في ذلك.

ضحكت دون أن أجادلها أكثر..الجمال هناك فتح شهيتي للضحك..وملأت قلبي بمزيد من الأمل والفرح…وكنت على يقين حين آن وقت المغادرة أني لا بدّ سأعود إليها مجدداً!