ClimateSecurity_main_1129

الأشخاص المتعبون أمثالي، لا تراهم يضحكون كثيراً، في اللحظات القليلة التي لا نكدح فيها، نكون غارقين في نوم عميق.
ترف هو السهر على أنغام موسيقى افريقية على شواطئ المدينة، حيث تجد العشرات ممن اعتادوا الاكتفاء باستنشاق رائحة البحر لثمانية عشر عاماً، دون أن يملكوا الحق في الاقتراب منه.
في هذه المدينه، وحدهم أؤلئك المنتمون لعالم الـ VIP يحضرون المنتديات، والملتقيات الثقافية، أمّا المتعبون البائسون أمثالي، فهم منفيون عن هذه الاجتماعات. لا أحد يحب أن يرى قميصي المخطط بآثار العرق الجاف، ولا وجهي الذي لوحته الشمس، فرسمت فيه بالتعاون مع القهر أخاديد قاسية، ولا يتخيلون أن يداً غليظة متشققة مثل يدي الوحيدة تمسك بالقلم أو تداعب أزرار لوحة المفاتيح.
أمثالي ممن تركوا التنظير واختاروا أن يعرفوا معاني الأمور التي يدافعون عنها أولاً هم مجانين العصر. كيف تدافع عن الفقر، وأنت لم تعرفه، ولم تعش مع فقير يوما واحداً؟
هل تدري ماذا يعني أن تحسب كم لقمة يجب أن تكتفي بها اليوم، ليكون لدى ابنك كوب حليب، ولزوجتك رداء تستر به نفسها؟
هل تدري ماذا يعني أن تكون مريضاً، أو مسئوولا عن شخص مريض، ولا تملك جواز سفر أجنبي أو دبلوماسي، يساعدك على إرساله للعلاج في الخارج، وتكون محكوماً بالبقاء حيث لا علاج ولا دواء؟
كيف تناضل من أجل المسحوقين وأنت تعلم أن هذه المنطقة تعتبر سجناً لأشخاص فرّوا من المجاعة ليقعوا بين أيدي أنذال يتاجرون بجوعهم؟
تقول عن نفسك مثقف يناهض الظلم والجور؟
تقول عن نفسك وطنيا غيوراً ورجل سلام؟
ضميري ما عاد يحتمل الاكتفاء بممارسة دور المثقف عاشق التنظير والثرثرة! ثمة وجع أطبق على روحي، وما وجدت له فكاكاً. فاعتزلت عالم المثفقين الرخيص.
في البداية، قاطعت الانترنت، والكهرباء والهاتف المحمول، وبدأت أعمل بيدي، أعيش تفاصيل حياة الطبقة الكادحة التي طالما تظاهرت كغيري في الدّفاع عن حقوقها.
وتعمّدت ذات لحظة جنون الذهاب لمنتدى من أجل السلام، نظروا إلي شذراً وقالوا للأمن: أعطوه طبق من الأرز واصرفوه!
قلت لهم: إنما أريد الاستماع للمناقشات.
قالوا لي: هل تنصرف أم نفرغ في صدرك خمس رصاصات؟
منتدى للسلام إذاً!!!
ومرة أخرى ذهبت لمشاهدة رقصات شعبية بحضور العمدة وكبار شخصيات المدينة.. نظروا إلى ملابسي، ودفعوني.. وجدتني ألعب بورقة اللغة الأجنبية التي أتقنها، فقال أحدهم: لقد تعلمها من الأفلام الرخيصة التي تعرض في الأحياء, إنّه جاهل فاطردوه!
لم أندم لأني غادرت سكة المتظاهرين بالثقافة والتمدّن.. متعب ومنبوذ نعم! غير أني أنام بعمق دون أوجاع!

Advertisements

Galaydh

 

في بداية فترته الرئاسية، اعترفت الولايات المتحدة الامريكية بالحكومة الصومالية لأول مرة منذ 1991م، وانتفخ الرئيس ورفاقه، وفريقه، وكثير من البسطاء، واعتبر ذلك أول وأقوى نجاح للدبلوماسية الصومالية بعد فترة انتقالية متخبطة. وفي الوقت نفسه شهدت العلاقات الصومالية الكينية توتراً غير مسبوق بسبب التّوجه الصدامي من قبل الرئيس الصومالي فور اختياره رئيساً للبلاد، واحتفل البسطاء من الجماهير بفورة الوطنية التي مرغت الموفد الكيني بالوحل، لأنه أراد أن يقترح على سيادته رئيس وزراء!!!

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، وبعد تجسس امريكا على 35 زعيماً في العالم، التنصت على 60 مليون مكالمة في اسبانيا خلال شهر واحد، وبعد أن وجدنا كيف استباحت هاتف ميركل الشخصي، والمسئولين في فرنسا:

” هل تنصتت الولايات المتحدة الامريكية على الرئيس الصومالي؟ هل تبادلت تفاصيل المكالمة مع بريطانيا وغيرها من الدول الحليفة -غير الصديقة دائماً- كما عبرّ أحدهم؟

تذكرت ما قاله النائب في البرلمان الصومالي علي خليف غلير أثناء مقابلة له مع المذيع عبدالكريم علي كار علي “صومالي تشنال” ، حين سأله المذيع/ اللجنة التأديبية في البرلمان ستحاكمك لأنك اتهمت الرئيس الصومالي بالتعاون مع حركة الشباب المجاهدين، هل لديك دليل؟

أجاب بسخرية: أنتظر تلك المحاكمة بفارغ الصبر، فدايفيد كاميرون أحد الشهود. ما لم يدركه الرئيس أن هاتفه وتحركاته مراقبة!

كان ذلك بعد أن دعي الرئيس لحضور قمة الثمانية، ووصل بالفعل إلى لندن، وقبل الذهاب إلى فيرماناغ، ايرلندا الشمالية، أعلموه بأنه لن يحضر القمة، ما أثار الفضول وقتها.. كيف يدعو رئيس الوزراء البريطاني الرئيس الصومالي ثم يخبره بأنه لم يعد مرحباً به قبل انطلاق القمة بساعات؟

ونتذكر أيضاً أن الرئيس الكيني رفض استقبال الرئيس الصومالي للمشاركة في عزاء ضحايا حصار المجمع التجاري ويست غيت، عقب عودته من نيويورك بعد مشاركته في الجمعية العمومية للأمم المتحدة.

هل يمكن أن يكون ذلك دليلاً على تنصت امريكي كشف عن سر علاقة حسن شيخ محمود بحركة الشباب ذات الصلة بالقاعدة؟

 

الحكومة الصومالية: تكلّم حتى أراك -1-


تويتر

لا يجد المرء أحياناً بُداً من المقارنة بين قيادات بلاده وقيادات البلدان الأخرى، والشعور بشيء من الإحباط جراء هذه المقارنات، ومن هذه المقارنات ما حدث بالأمس القريب وفي اجتماع وزراء الخارجية العرب، حين دعى وزير الخارجية اللبناني المنتمي لتيار 18 آذر الجامعة العربية لإعادة سوريا إلى حضنها، وحقن الدّماء التي تريقها الجماعات التكفيرية، ولم تحاول الحكومة اللبنانية ممثلة بنجيب مقياتي أن يبرروا له، أو يفسّروا مفرداته ويحمّلوها غير ما تحتمله، بل أصدر بياناً يذّكر بالتزام بلاده سياسة النأي بالنفس تجاه القضية السّورية. هذا الموقف اعتبرته شجاعاً وقوياً، وصادراً عن رجل يعرف صلاحياته ومسئولياته. فليس من عادة أي مسئول صومالي أن يقول ملء فيه ما قاله رئيس الحكومة اللبنانية.

وفي عالم وسائل التّواصل الاجتماعية، أعلنت الإمارات أنّ تغريدات ضاحي خلفان ضدّ الرئيس مرسي وجماعة الإخوان تعبّر عنه، لا عن الحكومة الإماراتية، وهذا لا يعني بالضرورة أن تطالبه بالتّوقف عن تصريحاته الغريبة، ولم تقم على أرض الواقع ما يثبت إعلانها.

وأمّا في الصومال، حيث بدأ المسئولون الصوماليون حديثاً بالانضمام إلى تويتر، حتى إصيب الشعب بالذّهول، فوزير الدّاخلية على سبيل المثال يرتكب المغالطات وكأنه على ثقة بألّا أحد سيردّ عليه، فيزعم أنّ الرئيس حسن شيخ محمود أول رئيس صومالي منتخب ديمقراطياً على الإطلاق: والحقيقة أن طريقة انتخابه لم تختلف أبداً عن طريقة انتخاب عبد القاسم صلاد أو عبد الله يوسف أو شريف شيخ أحمد، ما يعني أنّ لديه قرآءة خاصة به وحده للتّاريخ ويعني أّنه لا يستحقّ أن يكون وزير داخلية جمهورية الصومال الفيدرالية.

ومن تغريداته المناقضة للقانون تغريدته عن مؤتمر حول تشكيل إدارة إقليمية المقترحة “جوبا لاند” فيقول: أريد أن أرفض افتتاح مؤتمر جوبالاند ونتائجه، ولن يوضع في حسبان الحكومة الفيدرالية”

الواقع أنّ هذا ليس من شأنه كوزير للداخلية، بل هذا شأن البرلمان، وحتى البرلمان حسب الدستور ينظر في اقتراح الإدارة المقررة من قبل أبناء الأقاليم التي تودّ تأسيس إدارات لها، وإن رأى البرلمان أنّها استوفت الشروط القانونية تصدّق عليه، وإن اخلّت بها ترفضه. فلماذا يتدخّل في عمل السّلطة التشّريعية، وهو عضو في السّلطة التنفيذية؟

 وحقيقة فجميع تغريدات وزير الدّاخلية مثيرة للشقاق، والمزيد من الجفاء بين الفصائل الصومالية، ودوره مشبوه ومقلق، ولا يبشّر بخير أبداً

وفي مكان آخر؛ وفي سياق تقديم التّعازي للشعب الصومالي لفقدانهم الشيخ عبد القادر نور فارح غعمي، ومن غير مقدمات يقول الوزير كلاماً مفخخاً وغير مفهوم: “وحتى صديقي شيخ شريف، الرئيس السابق، ومع احترامي لعمله، ارتكب العديد من الأخطاء في حق الشعب الصومالي.” فلم ندر ماذا يقصد معاليه، أهو اعتذار عن أخطاء سيرتكبونها في حقنا، أم تبرير لأسلوب وطريقة تسيير الحكومة؟

 وللكلام بقية في الجزء الثاني إن شاء الله

الحسّ الإداري والرّوح القيادية للحكومة الرشيدة


الفرق بينهما

أذكر عشية فوز الرئيس حسن شيخ محمود في العاشر من سبتمر وهزم شريف شيخ أحمد، وعدت نفسي أن أصمت طويلاً، ورجوت ألا ترتكب حكومته أخطاء تجعلني أعود للنقد وللسياسة، أعترف أنني كلّما انزعجت من هفوة أقول: هذه مجرد زلة! هذه ليست جريمة، اصبري قليلاً، امنحي الحكومة وقتاً، وبعد أربعة أشهر، رأيت أنّ الصواب هو العودة لتسليط الضوء على هذه الأخطاء، ووفقاً لقاعدة أنّ الفرد حين يخطئ يُعذر، ولا عذر للحكومة إن أخطأت في حق شعوبها.

وبعد المحاكمة الهزلية التي أدت إلى إصدار حكم بالسجن لعام كامل على ضحية الاغتصاب الجماعي، والصحفي الذي أجرى مقابلة معها، وسمعت تصريحات الاستهتار من الرئيس، ومبادرة رئيس الوزراء بإنشاء لجنة تقصي قال أنّها مستقلة، في حيت تقول المصادر أنّه هو من قام بتعيين أفرادها، وجدت أن الشهادات العليا، لا تعني أبداً القدرة على إدارة بلد، وأن كون أحدهم في منصب قيادي ليس دليلاً على تمتّعه بصفة قيادية تؤهلّه لبناء دولة في مثل حالة الصومال.

وعليه، أردت اليوم مشاركة القارئ بنقاط تعلّمتها من ندوة عقدت في مكتب المفوضية السامية لشئون اللاجئين في كوالا لمبور، ماليزيا، كانت عن الإدارة، إذ قسّم أحد الأساتذة المشاركون الإدرايين إلى أربعة أنواع:

النوع الأول: لا يقدر على الإدراة ولا يرغب في الإدراة: unwilling, unable

النوع الثاني: لا يقدر على الإدراة، ولكنه يرغب فيها:  willing, unable

النوع الثالث: يقدر على الإدراة ولكنه لا يرغب فيها:  unwilling, able

النوع الرّابع: قادر على الإدراة، وراغب فيها: willing and able

لو تأملنا الإدارة الصومالية فأي نوع ستكون؟ الجواب متروك لك عزيزي القارئ.

برأيي الشخصي، لا أحد يريد أن يتولى إدارة ولا ينجح في المهام التي أوكلت إليه، ويطلب من النّاس إعطاءهم الوقت الكافي لإنجازها، ومع ذلك لا يستطيع إرضاء الزبائن، “الشعب”، هذا لو اعتبرنا الحكومة شركة، وإنجازاتها منتجاً، والشعب زبونا.

لست إدراية ولكني أعرف قاعدة إدراية تقول: الزبون ملك! فماذا يحصل لو لم يستطع مدير الشركة وموظفوه من أكبر رأس فيهم إلى أصغر واحد؟

بالتأكيد سيخسر وسيبحث الزّبائن عن حل آخر، ولو اعتمدنا على قاعدة إدارية أخرى تقول أن الزبون أفضل من يقوم بدعاية مجانية، فإن حكومتنا كسبت بجدارة دعاية مجانية عن الخلل في منتجاتها (تصرفاتها)، وخسرت ثقة الزّبون في محاولة إرضاء كبرياء وذوات الموظفين الفاشلين لديها!

عموماً، وفي هذه المقالة بالذات أريد أن أشارك القارئ فيما تعلّمته في تلك النّدوة، فقد قارن الأستاذ بين القيادي وغير القيادي، بأسلوب بسيط وسلس، إذ بين أن الفرق يكمن في الرؤية، فالقيادي يرى الإدراة واجباً، في حين يراها غير القيادي منصباً، فيكون لدى الشخصية القيادية رؤية واضحة، ويفتقر الثاني لهذه الرؤية، فتأتي أفعاله اعتباطية، وغير مدروسة، والفرق الآخر بينهما في مصدر القوة، إذ يستمدّ القيادي قوته من شخصيته، والآخر يعتمد على نفوذه ومنصبه.

ومرة أخرى، وباعتبار الرئيس أستاذ اقتصاد وإدارة، ولديه خبرة طويلة في إدارة الجامعة الناجحة سيمد، ورئيس حكومتنا رجل أعمال، كيف ترون روحهما القيادية؟

انتهى

عشية سقوط مقديشو


– مقال نشر على الجزيرة توك في ذكرى دخول الجيش الإثيوبي للعاصمة-

 

جيش قال

 

 

الانتقائية في سرد التّاريخ أو تأويله ليس بالأمر الجديد، كما أن كلّ رواية للتّاريخ تقابلها رواية مغايرة، والصومال ليس بدعاً من ذلك. ولكن الغريب في السّاحة المحلية هو ارتفاع صوت واحد فقط، يروي التّاريخ على هواه، وينتقي من الأحداث ما يشاء، بل ويبرر لك أهمية الصمت عن جرائم كبرى، لئلا تصنّف ضمن القبليين، والسبب معروف هو تملّق المسلحيين أصحاب اليد الطولى، والخوف من بطشهم.

بعض شباب الصومال على الفيسبوك اختاروا طواعية إحياء ذكرى عشية سقوط مقديشو في 29 ديسمبر 2006م، في ذلك اليوم اجتاحت القوات الإثيوبية مقديشو وهزم اتّحاد المحاكم الإسلامية، وكأن مقديشو كانت تنعم بالحرية والسّلام قبل ذلك التّاريخ، وكأن الصومال كانت تزهو بالسّيادة والاستقرار قبل الاجتياح الإثيوبي.

لسقوط مقديشو عدّة تواريخ …. ولكل سقوط وصمة عار خاصة بها، فالسقوط الأول والأكبر لمقديشو حدث في 31 ديسمبر 1990م، عندما أسقطت المليشيا القبلية حكم النّظام العسكري البائد ولجأت المليشيات إمّا لاعلان الانفصال من طرف واحد كما في جمهورية صوماليلاند، أو اللجوء لمسلسل لا نهاية له من إبادة العرقية والتّهجير لسكّان أقاليم الصومال المختلفة في الجنوب، أو بناء كيان بحكم ذاتي واختراع وفرض الفيدرالية في بونتلاند! ولكنهم لم يسمّوها سقوطاً!

سقطت مقديشو في  عندما قسّموها إلى أحياء ووضعوا حدوداً بين مناطقها، وأبيد الآلاف من المدنين دون أن يخطر لهم تسمية ما حصل سقوطاً!

سقطت مقديشو عندما تحوّل صراع بين تجّار الحرب إلى حرب بين كفار ومسلمين، ولن أنسى كيف كانت فئات من الوافدين إلى مقديشو تشير إلى داينيلي وغيرها من مناطق  بنادر بأنها مساكن الذين ظلموا أنفسهم”الكافرين”، وفجأة تحوّل “يوسف انعدي” من زعيم عصابة تقهر أهالي مركا إلى مجاهد وأصبح من كنّا نسميهم “موريان” إلى مقاتلين في سبيل الله! وأصبحت بنات الصومال سبايا!

سقطت مقديشو يوم وجد اتحاد المحاكم الذي شكّلته القبائل لكبح جماح مجرميها إلى ممثلي الله على الأرض، وأصبح شريف شيخ أحمد مدرس الجغرافيا وممثل مجرمي الحرب  من عشيرته سابقاً (بعد حكومة عرتة) رئيساً للصومال!

سقطت مقديشو يوم أعلنوا الجهاد وتحرير بلاد الله من مقديشو حتى آلسكا ولم يسمّوها سقوطاً!

وظلت مقديشو تسقط وتسقط وتسقط مع كل اشتباك بين القبائل الطامحة للسلطة والاستفراد بالخيرات، مع كلّ روح تزهق في انفجار، مع كل عرض ينتهك وسط صمت الضّمائر التي استيقظت فجأة ودون سابق إنذار عندما اجتاحت إثيوبيا العاصمة وشعر الغيارى بغتة بجرح الكرامة!

كفى تمثيلاً وتباكياً على مدينة لم تصونوها! على وطن لم تشفقوا عليه، وعلى أبنائه يوماً!  فهناك على الدّوام عيون تراقب وآذن تسمع وذاكرة تحفظ الأحداث.

علمنا يزيّن سماء كسمايو!


رغم قلة الموارد والحوافز، رغم الأسى الذي يكسو وجوههم، رغم سواعدهم النحيلة وسيقانهم الدقيقة، حملوا حياتهم على أكفّهم ورفعوا

العلم على سماء كسمايو المحرّرة! هذه نظرتي الحالمة للجيش الصومالي مثله في البؤس مثل الشعب! لكنّه منبوذ! يقولون يسرق محمولاً

من الشعب… يسلب مالاً… يبيع ذخيرة! لماذا أيّها الشعب التّعيس تزيدون تعاستكم تعاسة؟

تعرفون أنّهم جنود الوطن الذين سرقت رواتبهم فلماذا لا تبادرون إلى إيوائهم ودعمهم؟ لماذا تضطرونهم إلى سلبكم القليل مما

تملكون؟ شاركوهم لقمتكم! قدّروا جهودهم القليلة، تحمون محمولكم ومصروفاتكم وذخيرة كانت ستباع لأعداء الحياة وبها كان سيقتل ولد

لكم أو حبيب أو قريب!

وآسفاه! ربما أحلم فقط في تضامن بين الفئات المسحوقة ولكن لو اهتدى شعبنا إلى نعمة التضامن والتّعاضد لما وصلنا إلى هذه

المرحلة أصلاً

صباحكم كرامة وحرية!

من يتذكر لماذا يتصارع الصوماليين؟



يقول البعض لا تكوني محلية جداً في اهتمامك، ولكني لا أستطيع لأني أشعر باهمال غريب وتجاهل متعمّد للصومال من جميع وسائل الإعلام العربية حتى في النّشرات الجوية، فكيف لي الوقوف على الحياد والانشغال بأمور أخرى تاركة الهمّ الوطني جانباً. أعترف أني أقضي ساعات طويلة على متابعة مواقع التّواصل الاجتماعي ولكني لا أندم كثيراً على ذلك، لأنّها أتاحت لي الفرصة للاحتكاك بالصوماليين والاطلاع على أفكارهم وأوحت لي مغامراتي الفيسبوكية بتقارير عديدة، ومن هذه المغامرات اكتشفت أن الصوماليين لا يعرفون بالضبط لماذا يتصارع أهلهم في الدّاخل. من الصّادم أن نحاول تذكّر سبب الصراع  الأساسي، لتعدد مراحله وتنوّع أوجهه، واختلاف المستهدفين كلّ بضع سنوات.  تفاجئت فعلاً، وفهمت لماذا لا يستطيع الجمهور العربي فهم المعضلة الصومالية ولا يتفاعل معها أو يتعاطف بجديّة!

 قضيت لأسابيع أشارك في نقاشات أقرب إلى الهذر مع بعض الشباب الصومالي، ووصل بي الأمر إلى طرح هذا السؤال:” ماذا تقول لمن يسألك –من غير الصوماليين-  لم يتصارع الصومالييون؟”

كان لا بدّ من طرحه هكذا للحصول على جواب يعبّر عمّا في ذهن الصومالي، وإلا فستجد إجابات متنوعة للمواطن الواحدة وعلى حسب المجلس: جواب بينه وبين أبناء قبيلته: لأن بني فلان وفلان يتصارعون على الحكم! وهم لصوص وقتلة. ويتآمرون على قبلتنا التي لم ترتكب أي خطأ ولو سهواً. وجواب بينه وبين الصوماليين: الجهل والفقر وقلة الموارد الطبيعية! وجواب ثالث لغير الصوماليين: التآمر من قوى الاستكبار وإثيوبيا والنصارى والصومال الجزيرة المسلمة في بحر من الكفار.

وهذه طائفة من أطرف الإجابات قال أحدهم:”أنّ هذا سؤال محرج وقد سأله شاب سوداني زميل لي في السكن الجامعي عن ذلك، فأجاب عني زميل طريف بأنّ أصل الصراع في الصومال بين فريقين فريق يريد أن يقحم في مجتمعنا موروثات الحضارة المدنية والتي في مقدمتها الدولة ومؤسساتها، وفريق محافظ يقاوم هذا التوجه ويريد للصوماليين أن يعيشو بفطرتهم البدوية ويرى أن الأصوب أن يترك الناس ليعيشو بفطرتهم” في الحقيقة كانت تلك دعابة تلتها قهقهات صرفت الحديث عن مساره، والأكثر عجباً- والكلام للمجيب- أن زميلنا السوداني قال: كلام منطقي، لأن الدولة سببت للسودان مشكلة وهي: أن ينتظر الناس منها كل شيء وزرعت الضغينة فكل الأقاليم الطرفية مثل الجنوب ودارفور والشرق ترى انها مهمشة، وأردف بالقول زمان في تاريخنا القديم ماكان فيه كلام زي كده!”

 وأخ آخر أجاب بنزق: هذا السؤال يصيبني بالصداع لماذا تريدين لعقلي أن يبدأ بالتفكير الآن يا أختي؟”

 وقال أغلبهم: هذا أكثر سؤال يكرهه في الغربة، النّاس تسأل بطيبة وبرغبة في معرفة ما يجري في بلادي لكن لا أعرف جواباً مقنعاً ومختصراً لهذا الصراع.”

 وكما يبدو من هذه الإجابات، الناس لم تعد تملك إجابة واضحة ومقنعة عن أصل الصراع في الصومال، والسبب هو تجنبهم التوثيق لأيّ حادثة أو جريمة، تفادياً لمحاسبة مرتكبيها من أمراء حرب وغيرهم؛ فهم أبناء قبائل عريقة وقوية، ولا تعتقد أنّ ذلك لرفعة نسبها وزرقة دمائها، بل فقط لأنّها مسلحة، وإياك – إن لم تكن صومالياً- أن تعتقد أن القبائل الوضيعة سميت بذلك لحقارة نسبها بل لأنها غير مسلحة ولديها مهارات يدوية لا يتقنها البدوي المزّهو بإبله، ومن جهة أخرى فأنّ المحاسبة قد تجعل جحافل من المتحالفين مع قبائل مرتكبي تلك الجرائم تقوّض كلّ محاولة لتجاوز هذه المرحلة التي تتسم باللا حرب واللا سلم. وهذا ما استنتجته من طرح هذا السؤال الذي كان قبل عقد أو أقل قليلاً بديهياً للغاية!

وهذه الحيرة أمام السؤال قادني إلى أنّنا نحتاج فعلاً إلى من يذكرنا بسبب الصراع لنفكر مع بعضنا في حلّ لها، أو على الأقل أن نقتنع بأن الحرب انتهت ونحن في مرحلة النقاهة. وأرجو صادقة أن يكون أبناء بلدي قد تعلّموا شيئاً من الربيع العربي، فلم يدفعهم للانقلاب على الحكم العسكري سوى الظلم ورغبة في استرداد حقوقهم، وما دفعهم لإراقة الدماء سوى الجهل. فالعلم – كما ذكر البروفسور عبد الكريم بكار- يساعد الناس على حلّ مشكلاتهم والوصول إلى حقوقهم من غير إراقة الدّماء، والجهل يدفع الناس إلى الاقتتال دون رحمة ليدركوا لاحقاً أنهم أراقوا دماءاً ولم يحصلوا على حقوق!