لقاء حصري مع سيد محمد عبد الله حسن (الملا المجنون)


sayidka

sayidka2

سيد محمد عبد الله حسن، هل تدري ماذا يقولون عنك هذه الأيام؟ يسمونّك نسخة تاريخية عن حركة الشباب المجاهدين، فماذا تقول عن ذلك؟

يبدو لي هذا الاسم غريباً.. من تكون هذه الحركة يا بنتي.

حركة الشباب المجاهدين ظهرت لتدافع عن الدين، وتقاوم الامبريالية، والنّظام العالمي الجديد، هي حركة لا تؤمن بالقومية الصومالية، وتؤمن بأن حدود الإسلام لا متناهية، من راس كمبوني وحتى الآسكا.

عدت ذات مرة للصومال، فرأيت الإنجليز يعاملونني كأجنبي لحظة نزولي من السفينة. كنت أقاوم أن أصبح غريباً في بلادي. والاستعمار في أيامنا كان يمثل النّظام العالمي المعمول به، كل تلك الدّول الكافرة الشجعة أرادت استعباد البشر والعبث بمقدرات الأوطان، وجعلنا سوقاً استهلاكية رخيصة وعمالة لا تكلف شلينغاً واحداً. لكني حلمت دوماً أن يعقل الصوماليون ويتّحدوا ويكفوا عن عمالتهم للمستعمر. لدي قصيدة عبّرت فيها عن رغبتي في رفع علم الصومال في كل بقعة من بلادنا.. آمنت بمصير مشترك لهذه القومية.. آمنت بذلك حتى النخاع.. أما حدود الإسلام فهي قلب كل المسلمين.. ما هي الآسكا؟ لا أعرفها..

يقولون أنّك كنت فتّاناً، تشعل الفتن بين القبائل، في إحدى قصائدك تنعى شاباً قوياً وسيماً جسيماً، قتل غيلة وتركت جثته للذئاب، لماذا لم تدعُ قومه للمصالحة بدل دعوتهم للثأر؟

يبدو أنّ منسوب الكرامة ينخفض في الصومال منذ قتلوني. كنت أتوقع أن يقولوا لماذا لم تدعُ قبيلة القاتل للفظ ابنها القاتل! هل يُطالب الضحية بالعفو والتعايش مع القهر، وإعلان السلمية ونبذ المقاومة؟ أتعرفين؟ لو كانت قبيلته عزيزة ولا تقبل الضيم لما تجرأ حفنة من أوغاد قبيلة تسكن معه على ذبحه، ولما تركت جثته تلفحها الشمس نهاراً وتعبث بها الذئاب ليلاً. تعساً لكم من جيل!! أفيكم من يقول هذا؟

لماذا قمت بعملية إبادة ضد الإسحاق؟ ألم يكن بإمكانك المقاومة دون سحق غيرك؟ وهل يجب أن يكون الجميع مؤمنين بمقاومة الإنجليز؟

ألم يخبركِ أحدهم أن الإنجليز الأوغاد جلبوا أحد جنودهم من الهند، وكان اسحاقياً، فنصبوه سلطاناً على الاسحاق، ليكسروا ظهر المقاومة، وفعلاً مال أبناء الإسحاق لسلطانهم الجندي البريطاني، وحاربوني وحاولوا إسقاط مشروع المقاومة, ألم يكن من حقي الدّفاع عن مبادئي وإن حوربت أن أرد الضربات التي أتلقاها. ليؤمنوا بعدم المقاومة والتّماهي مع المستعمر. هذه طبيعة الشعوب القابلة للاستعباد. ولكني ما كنت سأقبل أن أتركهم يرفضون المقاومة ويفرضوا عليّ ذلك. إن كانت الحرية للجميع، فليكن لي حق المقاومة، وليكن لهم حق رفض المقاومة، ولو لم يحولوا بيني وبين الإنجليز لما قاتلتهم.

في شعرك قصائد هجاء وكراهية لمحافظة بري، والملك عثمان. أليس هذا دليلاً على تفرّدك بالرأي، وطغيانك، رفض الرّجل إيواءك فهجوته وشرّدت قومه.

(ضحك طويل)
خدعوكِ يا بنت أختي. عندما دحرني الاسحاق المتعاونون مع المستعمر، أرسلت رسالة للملك عثمان، وطلب منه اللجوء لمملكته، فقبل وقال: إنما نحن إخوة لك، وأرض دارود أرضك، وهنا لا وجود للانجليز، وميناء بندر قاسم تحت خدمة سفنك. وما أن أشرفت على محافظة بري، حتى فوجئت بجيوش الملك تحاصرني من كل مكان, وقتلوا فينا أكثر مما فعل الإنجليز, لاحقاً علمت أنّ الطليان هددوه بنقل المملكة للملك علي يوسف ملك هوبيو. فأراد هو الآخر إثبات ولائه للطليان!! هذا الشعب يعشق العبودية يا بنتي، والمناصب ولو على جماجم الآلاف. هنا استدعيت جنودي في الإقليم الأوغاديني ومن غيرها من المناطق، وجهزّت لأغزو المتآمر بُقر عثمان. أذقتهم أمّر مما أذاقوني، وهذه كانت بداية انتقال نضالي للصومال المحتل من قبل الطليان، إن لم يكن لهم قبل بتحمّل نتائج هجائي ومقاتلتي فلماذا يستعدونني؟

يبدو لي أنّك تجيد الدّفاع عن نفسك، لكن ماذا ستقول عن محاربتك لأتباع الطريقة القادرية وتكفيرك لهم؟ وقصيدتك المهينة عن واقعة مقتل الشيخ أويس؟ مرة أخرى.. تُتهم بمحاربة غير لمجرد اختلافه معك.

لا أظنك تتوقعين أن أسمع هذه الاتهامات التي تلقينها أمامي وأصمت أو أطأطئ رأسي وأقول: أنا مذنب.. فأحرقوني. قصتي مع القادرية بسيطة، شعرت القادرية بالتهديدن ظهور طريقة ثورية قوية ترفض الدّروشة المتصنعة، أفتوا بكفرنا، وخروجنا من الملة، ودرا بيننا سجال قد تجدونه في الكتب ويتناقلها رواة الشعر, كنت أجلدهم جلداً مبرحاً بشعري (ضحكة قصيرة)، ثم انتقلنا من تبادل التكفير والتفسيق الكلامي لساحات القتال. وقتل شيخ أويس.. ارتاحت حركة المقاومة من متآمر آخر عليها, لم نكن نحن من بدأ اطلاق الفتاوى وتجييش الناس ضد أحد. كلّ همنا انحصر في كسر الاستعمار. هل سمعت مثلا من يدينون الحركات التحررية الأخرى؟ كل حركة تحررية لديها أعداؤها. لم نكن قضاة على الناس، لكن أعداءنا لم يكونوا المستعمرين فقط. بل من أبناء جلدتنا وديننا. ليتهم لم يحاربون نيابة عن الطليان.

لماذا وصفت لغة ماي ماي بلغة الكفّار؟ هل للغة أديان يا سيد محمد؟ كيف ستدافع عن نفسك أمام هذه التّهمة؟

(أطراقة طويلة) كما تعرفين، ما تسمينها لغة ماي ماي لم تكن مألوفة لي، حين أتيت إلى أؤلئك القوم، ما كانوا يتكلمون اللغة الصومالية المشتركة بين العرق الصومالي كله، كان كلامهم غريباً كلياً، واعتقدت وقتها أن هذه لغة من لغات المستعمر. وحدهم من نطقوا بغير الصومالية. اللغات لا أديان لها.. غير أن التّقاليد الصومالية تصف اللغات الأجنبية والأجانب بالكفر. لا أملك ما أدافع به عن نفسي هنا.. سأطأطئ وأقول: أخطأت في تقديري وقتها.. وكان الجهل بهم وبلغتهم سبباً في ذلك، فلو أقمت فيهم دهراً، دون أن أكون مثقلاً بذاكرة من الخيانات والمؤامرات لفتحت لهم قلبي ولأمنتهم. الجهل والشك والخوف حملاني على ظلمهم.

لماذا كنت تنشد الأشعار فوق جثث قتلاك؟ ألا تعتقد هذا منافياً للدين والشرف؟

ربما تقصدين قصيدتي الشهيرة عن قتل كورفيلد، قتل في معركة بيننا وبينهم، ولم نأخذه غيلة ونمثل بجثته. مات وهو يقاتل في سبيل الظلم ودفاعاً عن اغتصاب وطنه لوطني، فهل تتوقعين أن أرسل للملكة خطاب تعزية ورثاء لبطولات الكورنيل؟ أردت أن أطبع في ذاكرة الإنجليز مقتله، كان مشاركاً في احتلالهم لجنوب افريقيا ونجيريا، ووضعت حداً لجبروتهم. أردتهم أن يتذكروا كلما ذكروه كيف قتلناهم. كيف هزمناهم، وكيف يزهق الباطل, هم يمنحون مقاتليهم أوسمة لأنه بقروا بطن امرأة حامل، أو قتلوا أطفالاً أبرياء، أو قنصوا مواطنين عزل. ولا يدينهم أصحاب الضمير النقي ممن يرون في إنشاد قصيدة فوق جثة مجرم سفاح، كان يريد قتلنا عملاً وحشياً. هذه هي طبيعة العبيد والمنحطين!!

حسناً.. لماذا لا نجد مناضلين صوماليين من أمثال محمود حربي، وعلي سمتر، وأحمد جري، وحتى حسن برسني متهمين بكل ما ذكر؟ كانوا مناضلين، ولا أحد يتهمهم بكل ما اتهمت به من عداء للقبائل، والطرق الصوفية وغيرها. لماذا أنت فقط؟

الفرق بيني وبينهم يكمن في الشّعر، كنت شاعراً.. أحاربهم بالكلمة وبالسيف، وسيخلد التّاريخ الشعر الذي هجوت به من خانوني وأرادوا الركون للاستعمار, سيأتي أحفادهم وأحفاد أحفادهم والعار يملؤهم، سيكرهونني أكثر جيلاً بعد جيل. أغلبهم سيقتبسون مقالات وكتابات لجنود ومحاربين انجليز أو امريكين، لن يقبلوا أن يقال أني سيّد، وأنّهم وضعوا رقابهم بين أيدي المستعمرين. للشعر شيطان.. وقد أوتيت شعراً لم يؤتَه صومالي قبلي، وهبني الله لغة كالسيف مضاء وقطعاً. بعضهم تمنى لو أفنيت نسله كاملاً بدل من التشهير بخيانته في قصيدة ستبقى خالدة أبد الدّهر.

إنك متفاخر يا سيّدكا.. وهذا يثير حنق الكثيرين، هم يرونك نسخة عن المليشيات القبلية التي حاربت الصوماليين وقتلتهم على الهوية والانتماء، لماذا برأيك؟

ربما لإخفاء بشاعة ما فعلوه يا بنتي، يريدون طرح شخصية مثلي وذكر المعارك التي خضتها ضد الصوماليين ليبرروا لأنفسهم فضائحهم, وسيلعنهم التّاريخ.. ولن يجدوا لهم مبرراً واحداً، ولن يقدروا هم على الدّفاع عن أنفسهم أبداً.. وسيتضاءلون أمامي حين يقارنون بي.

( فجأة توارى ظله القابع أمام مكتبي، ليترك بعض الأسئلة الأخرى معلقة…)

حوار شبكة الحكمة معي.. بعد عيد الفطر السعيد


سمية عبد القادر شيخ محمود كاتبة صومالية من النخبة المثقفة لها العديد من المقالات والقصص، وهي من الكاتيات الصوماليات القليلات والمعدودات اللأئي دخلن عالم الكتابة في وقت تمر البلاد في اوج مرحلة التغيير، وتكتب سمية مقالات سياسية واجتماعية، وكذلك القصص، وقد لفتت إنتباهي لأول مرة عندما قرأت مقالاً أدبيا للكاتبة نشر في شبكة الشاهد في عام 2011م، لانني ما كنت أظن ان في بناتنا من يكتبن بالعربية مثل هذه الكاتبة القديرة سمية شيخ محمود.

وقد سنحت لنا فرصة إجراء هذا الحوار مع الكاتبة التي يعرفها الجميع من خلال كتاباتها في كل من شبكة الشاهد، والصومال اليوم، وشبكة الحكمة، ومواقع عربية أخرى.

1.بداية استاذة سمية كيف كان شعورك عندما نشر أول مقال لك، ومتى كان ذلك؟ وهل هناك لغات أخرى تكتبينها غير العربية؟

اولا اسمح لي أن أشكرك على دعوتك الكريمة، وأن أتمنى لك ولفريق شبكة الحكمة عيداً سعيداً. لحظة البداية تعتبر محورية وذات أهمية خاصة لدى الكاتب، ولعلّ نشر قصة قصيرة لي في مجلة العربي الكويتية، وإذاعتها على هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) العربية في يناير 2008م، كان لها أجمل الوقع في قلبي، ولا أستطيع أن أصف تلك اللحظة، وخصوصاً أنني نسيت حتّى إرسالي لتلك القصة، وفوجئت بأحد الأصدقاء يرسل لي رسالة يهنئي فيها بفوز قصتي تلك. أما عن اللغات، فبالرّغم من أن ّ اللغة الإنجليزية هي تخصصي، والصومالية لغتي الأم، غير أني لا أكتب سوى بالعربية، هذا لأن العربية هي لغة إحساسي، واللغة الأقدر على تصوير ما يخطر على بالي من أفكار.

2. تكتبين في شبكة الشاهد، وشبكة الحكمة، والصومال اليوم هل هناك مواقع أخرى تكتبين فيها؟

الشّاهد كان الموقع الأقرب إلي، وأعتقد أنّه المفضّل لدى شريحة كبيرة من المتابعين، ونشر مقالاتي فيها كانت فخراً لي، وخصوصاً أن القارئ الصومالي تعرّف عليّ من خلال شبكة الشّاهد الرائعة، لكن للأمانة، ما عدت أكتب فيها، وإضافة للموقعين المذكورين فمقالاتي تنشر في الجزيرة توك، ونون بوست.

  3. أستاذة سمية هناك كتّاب صوماليون كثيرون يكتبون حول الوضع المأساوي الذي يمر بها الصومال، برايك ما الذي يستطيع ان يضيف الكاتب الصومالي إلى واقع الحال؟ وإلي اي مدى تؤثر كتاباته على الواقع الصومالي؟

أعتقد أننا لا يمكن أن نهرب من واقعنا، فالوضع بالفعل مأساوي، ومن غير المنطقي أصلاً أن تجد الكتّاب يركزّون جهودهم في قضايا أخرى غير الوضع المأساوي, فحتى أصحاب المبادرات الخيرية ومن يكتبون عن الحركات الإسلامية وهمومها ومصائبها يعكسون الواقع الذي تصفه بالمأساوي. وهذا واجب وطني وإنساني مفروض على كل من يكتب في هذا المجال. وإن أتيت للشق الآخر عن الإضافة المرجوة والتأثير المتوقع، أعتقد أن الكتابة لم تكن يوماً ترفاً عند أي كاتب حقيقي، فما بالك بمن يكتب عن أوجاع وطن؟ في نهاية الأمر، هؤلاء الكتّاب يكتبون لرفع الوعي عند القارئ وللتأثير في صياغة الرأي العام، والضغط على صنّاع القرار السياسي للقيام بأعمالهم كما ينبغي.

4.  في شهر سبتمر عام 2012 أنتخب في مقديشو حكومة برئاسة حسن شيخ محمود ماذا أنجزت الحكومة برايك خلال مشاهداتك للوضع السياسي في مقديشو؟

 ربما أخالفك في نص السؤال، انتخب الرئيس حسن شيخ محمود، وليس الحكومة، فالحكومة برئاسة السيد فارح شردون. هذا من باب الدّقة فقط، الوضع السياسي مؤسف للغاية في مقديشو منذ وصول حسن شيخ محمود، فهو يتصرّف بطريقة غير واقعية، وكأن الصومال دولة مستقرة، ولم يستلم رئاسة جمهورية خرجت للتّو من صراعات دامت عقدين، ولو نزل إلى أرض الواقع لأدرك أن مهمّة فترته هذه في غاية الأهمية، فهي مرحلة تأسيس لما بعد 2016، وتقع على عاتقه هو والحكومة مسئولية وضع حجر الأساس للمؤسسات الحكومية المنعدمة بفعل الحرب الأهلية وتبعاتها، وأن يصل بالبلاد لمرحلة تمكّن الشعب من المشاركة في الاستفتاء على الدستور المؤقت، ومن ثم الإعداد لانتخابات 2016م، لتكون أوّل انتخابات مباشرة في تاريخ الصومال منذ الاستقلال. لكننا نرى أن سيادته لم ينجح سوى افتعال مشكلات داخلية مع أطراف السياسىة الصومالية، والمشاركة في المكايدات القبلية، وهذا شيء متوقع، فبرأيي وضع الرئيس سياسة من أركان ستة، ليس من بينها أبداً ما ذكرناه من مهمات، ما يشير بوضوح إلى تصورّ راسخ لديه بأنه استلم رئاسة بلاد في وضع طبيعي. كما أنّه الحكومة تبدو ضعيفة ومحشورة في زواية ضيقة جداً، فلا تكاد ترى رئيس الحكومة شردون يقوم بشيء سوى إصدار بيانات الاستهجان، واجتماعات حول حقوق الإنسان، أو ينهمك في تشكيل لجان لا نلمس لها نتائج تذكر. عموماً، علينا أن نتذكر نقطة ذات أهمية وهي أن خروج الصومال من مرحلة الدولة الفاشلة او مرحلة الدولة الضعيفة لا تعنى أننا سنعيش في رخاء فجأة، فقد ذكرت مؤسسات مختصة أن الخروج من مرحلة الدّولة الضعيفة تستغرق على الأقل من عشرين إلى أربعين عاماً.

5.  الكاتبات الصوماليات قليلات جدا بالنسبة للرجال الصوماليين الكتاب،ماهي كلمتك الموجهة إلي الكاتبات الصوماليات لتكثيرالسواد؟

معك حق، الساحة خالية تقريباً من الكاتبات الصومالية، بينما تكتظّ بأنصاف الكتّاب من الرّجال. أي أننا أمام أزمة ثقافية حادّة، أنا أؤمن أن الأوضاع الاجتماعية لا تساعد الفتاة على الكتابة، فهي تخاف من عرض أفكارها السياسية أو الاجتماعية بجرأة، لئلا يهرب منها الرّجال، وإضافة إلى المثل الصومالي القائل: “إن الأمر لله ثم للرجال”، مع العلم أنني أؤمن أن الفتيات الصوماليات الموهبات كثيرات للغاية، وهن يقدمن أفكار يعجز عنها بعض الرّجال عن الوصول إليها، لكنّهن يفضّلن الصمت، مراعاة لأولياء أمورهن أو أقاربهن، فأنا على سبيل المثال أتلقى نصائح من أسرتي بالكف عن نشر مقالاتي النقدية، لأن المعلقين يتجاوزون الأخلاق في تعليقاتهم أحياناً، ولأن بعض الأقارب يشتكون لهم من أفكاري، وهذه أمور لا تتحملها كثير من البنات الصوماليات، وفي نفس الوقت لا ينتقص من الكاتبة الجرئية التي لا يرهبها مجتمع تريد توجيهه أصلاً. فالأنبياء والرّسل والمصلحون كلّهم عانوا من الجحود والقذف والتّطاول، لهذا أقول لبناتي وأخواتي أن يكتبن ولا يبخلن بشئ من خواطرهن.

6. أخيرا بما ذا توصين للكاتب الصومالي عموماً ومن يكتب بالعربية خصوصاً؟

الكاتب بأي لغة كتب هو مسئول عن كلّ كلمة يخطّها بيده، وينبغي أن يسأل نفسه باستمرار: لماذا أكتب ما أكتبه؟ هل لأتملق الجهات الرسمية؟ أم لكسب المزيد من المعجبين؟ أم للتنفيس عن غضب مكبوت؟ لإثبات الشخصية معتمداً على سياسة “Rag is kadhicis”؟ أم للمشاركة في رفع الوعي المجتمعي وإنقاذه من السطحية؟ إن الإجابات الصادقة مع النفس كفيلة بإنتاج كاتب مسئول.

أجرى الحوار: كمال الدين شيخ محمد عرب

في ضيافة الصومال اليوم -مايو 2013


 

سمية عبد القادر شيخ محمود شولى من الأقلام الصومالية الشابة الجريئة وقد بدأت كتابة المقالات في وقت مبكر ؛ فقد كانت تميل في بدايتها إلى الكتابة القصصية والأدبية ، ثم انضمت إلى عالم السياسة ؛ ونشرت مقالاتها في مواقع متعددة ثم أنشأت مدونة خاصة لها.

بالإضافة إلى الموهبة الكتابية تتميز الأستاذة سمية بالتفكير القوي والإبداع الجميل والخيال الواسع وإدراك أفق القضايا الشائكة وتتصف بالشجاعة والجرءة وتستخدم أسلوب الساخر في الكتابة ؛ أعجبني مقالها المنشور في شبكة الشاهد ( خارج النص غالبا ! ) والذي أثار ضجة كبيرة وردود متغايرة .

ولكونها كاتبة متميزة، وتعلم كثيرا عن قضايا الوطن، وبحكم تجوالها في محافظات متعددة من الصومال أجرينا هذا الحوار الشامل مع سعادتها على أمل أن نستفيد من تجربتها الميدانية وفي العملية التدوينة.

وفي زيارتها إلى الوطن مؤخراً، التقيت الكاتبة سمية عبد القادر في مقديشو بمقر شبكة الصومال اليوم ؛ وقمت بإجراء هذه المقابلة التي بين أيديكم .

1. بداية عرفينا بمسيرتك يا أستاذة سمية؟
مسيرتي لها أكثر من بداية، ربما كانت أولى البدايات عندما أجبت مدرسة اللغة العربية عن السؤال المعتاد: “ماذا تحبين أن تصبحي في المستقبل؟” فكان الجواب:”أريد أن أصبح كاتبة كبيرة!” وسرعان ما تبنت عائلتي حلمي الطفولي، وتعهدني أخي عبد الرحمن بالرعاية، وكان وقتها طالباً في جامعة البعث في حماة، وأذكر أنّه كان يزورنا في حلب كل أربعاء وفي جعبته الكثير من المجلات الأدبية، والقصص والرويات، ويقول لي: ليس من السّهل أن تصبحي كاتبة دون أن تصبحي قارئة نهمة وتتملكي دقة الملاحظة، ولا أنسى مراجعات أختي مريم لما أكتبه، بينما شغفت بقية أخواتي بمتابعة شخوص قصصي الذين كانوا يتكاثرون مع كل مقطع، وآمنت أمي بهذا الحلم، وخصصت لي غرفة لأنعم ببعض من الهدوء عندما يحضر “الإلهام”. أستطيع القول، باختصار أن عائلتي شكلّت حاضناً صحياً لهذا الحلم.
وتعتبر المرحلة الحامعية بمثابة البداية الثانية، مع رواج المنتديات، والمواقع الأدبية، واكتشفت موقعاً يسمى نادي روايات، وفيه صقلت موهبتي أكثر، وتشجعت لأشارك في مسابقة للقصص القصيرة التي ترعاها الـ
“بي بي سي ومجلة العربي. ولم تكن لدي من قبل أي اهتمامات سياسية.
ولكن في 2008م، ومع وصول شريف شيخ أحمد للحكم، ووصول الأميصوم، اتجهت للسياسة، دون أن أهتم في الحقيقة بنشر مقالات سياسية، وبتشجيع من زوجي بدأت نشر ما أراه بخصوص ما يحدث على الساحة الصومالية، ويمكن اعتبار ذلك بداية ثالثة.
2. بحسب قراءت للواقع ماذا يضيف الكاتب الصومالي باللغة العربية إلى التراث الصومالي؟ وبأي مدى يخدم للوطن؟ وما حجمه في توعية المجتمع الصومالي؟
أعتقد أنّ بإمكانه رفد التّراث الصومالي بموارد فكرية، وثقافية، ومعرفية مختلفة، ويقدر على الارتقاء بالوعي الجمعي، وتغييّر التفكير النّمطي السائد، هذا إن التزم الكاتب بمسار واضح ورؤية بعيدة, ما لدينا الآن هو مجموعة محدودة من الكتّاب ينشرون هنا وهناك بالعربية، دون أن نلاحظ أنّ لديهم شيئاً يختلف عن ما يتداوله العوام في زوايا المقاهي، ومنهم من لا يعرف الصومال أصلاً ومعلوماتهم عن الصومال عبارة عمّا أسميه: secondhand information، وبالتالي تفتقر كتاباتهم للأصالة والجدّة والرّغبة في التغيير، أؤمن أن بإمكان الكتّاب الشباب أياً تكن اللغة التي يكتبون بها التأثير بقوة لو عملوا بجدّ لتغيير أنفسهم أولاً وتطويرها، ووضع كافة المعلومات التي يتلقونها في ميزان المنطق، وترك الخطابات العاطفية المعتادة.
3. مالفرق بين مقديشو التي كنت تشاهدينها في وسائل الإعلام والتي شاهدتها بأم عينيك؟
الحقيقة التي رأيتها خلال زيارتي الخاطفة لمقديشو أن الأمن أفضل مما كان عليه في آخر مرة كنت فيها هنا. على الأقل لم أر مليشيات مسلحة، بل قوات حكومية أو أممية، أو قوات أمن خاصة. من المؤسف أن الأبنية الجميلة التي بناها أفراد بعينهم لم تمنح المدينة جمالاً، بل مزيداً من الفوضى، ولا تعكس روح المسئولية، أقصد؛ ما جدوى تشيد مبنى من خمسة أو ستة طوابق دون أن يخصص مرآباً للسيارات أو مرافق صحية ملائمة. مقديشو بدت لي مدينة مستباحة. هل يعقل أن أكثر ما يفاخر به البعض عبر الإذاعات أنّها أغلى من نيروبي ومن أديس أبابا؟ هل أصبح الصوماليون العاطلون عن العمل، والمعتمدون على إعانات أقاربهم في الخارج أغنى من أبناء دول الجوار من ذوي الدّخل؟ ألا يشعرون بالغبن مع هذا الاستغلال المادي لهم؟
مقديشو الاعلام غير مقديشو الواقع، ومقديشو التي يراها الزائر غير الصومالي غير تلك التي يصدم بها الصومالي الزائر، كما تختلف مقديشو التي يراها القادم إليها عن مقديشو في عيون من يعيشون فيها.
4. بحكم تجوالك في أماكن ومؤسسات خدمية؛ مالذي شدّ إنتباهك طوال فترة تواجدك في مقديشو؟
لفت نظري تغير مزاج الناس في المدينة، من قبل كان شعب مقديشو طريفاً وممزاحاً، ويتمتع الجميع بابتسامة لا تدري لها سبباً. أما في هذه الزيارة، فقد لاحظت أن وجوه الناس جامدة، لا تضحك، الكل متوتر، وغابت الروح المرحة. حتى النقاشات وإلقاء النكت في الباصات العمومية انعدمت. وهذا يدّل على تغير جذري في التركيبة النفسية للمواطن المقدشاوي. لم يتسنّ لي زيارة أي من المؤسسات الخدمية الحكومية، ولكني تشرفت بزيارة بعض المؤسسات البحثية والخيرية، ووجدت فيها اهتماماً بالمواطن الصومالي، والدّولة الصومالية بمفهومها الأشمل، أقصد (الأرض، والشعب، والحكومة)، وقد أمدّتني هذه المؤسسات بالأمل فعلاً.

5. بعد مشاهدتك للوضع وقراءتك للسياسة … إلى أين تسير البلاد في المرحلة القادمة؟
بدا واضحاً أن الحكومة لا تقدّر الرغبة الشعبية في خلق الظروف المواتية لولادة الدّولة الصومالية، وتأثرت جداً بسوء إدارة الحكومة -وخصوصاً وزارة الدّاخلية- للمعلومات التي تردها، لم يكن منطقياً تجاهل المعلومات الاستخباراتية الأجنبية بخصوص تفجير مقار حكومية، فخسرنا نخبة من رجال القانون، وتلاها بعد أيام إغلاق الطّرق الرئيسية، وبدا ذلك استفزازاً لحرية حركة المواطنين، وكان بإمكانهم القيام بتفتيش السيارات والحافلات، ومن تشتبه بهم من المارّة، بدل معاقبة النّاس كلهم. إضافة لعمليات الاعتقال الواسعة، دون أن تتحقق الغاية من ذلك – توطيد الأمن. عدا عن اللعب بالوتر القبلي واستحضار الأحداث الحرب الأهلية البشعة في تعاملها مع قضايا الإدارات الاقليمية. وعليه، فالحكومة مقبلة على خسارة الفرصة الذهبية التي أتيحيت لها وهي كما نعلم أكبر من الفرص التي حظيت بها الحكومات الانتقالية.

6. أثناء زيارتك لبونت لاند هل الوضع يطابق مما كان في خيالك مسبقا؟
لم يكن ما في ذهني عن هذه المنطقة مجرد خيال يا أستاذ، إذ أنني عشت فيها فترة من حكم الرئيس السابق عدي موسى، ولكن المنطقة تمرّ بأزمة حقيقية بوجود رجل ينتمي لفلول النظام العسكري الشمولي، ممن درجوا على الفساد، والاستبداد، ولا تتحمّل الديمقراطية والبناء والتطوير، بل كلّ همهم السيطرة على زمام الأمور ولو بالقوة، وضدّ الإرادة الشعبية, وقد تضررت بونتلاند من طريقة حكم الرّجل واستخدامه لورقة محاربة الإرهاب في التّطهير القبلي، دون أن نعرف كيف يصل قادة حركة الشباب إلى بونتلاند قادمين من الجنوب، ولا تشعر بهم الإدارة!! ومع ذلك لا تتوانى عن قصف مناطق سكنية بدعوى محاربة الإرهاب. وجدت في أهالي بونتلاند درجة عالية من ضبط النفس عندما وافق الوجهاء على قرار التمديد غير الشرعي، تجنباً لأي خلل أمني.
7. برأيك هل من الممكن تطبيق فكرة الأحزاب المتعدة بعد أشهر وذلك في ضوء قراءتك للمعطيات؟
بصراحة، لا يمكن هذا دون أن يتوسع أفق النخبة السياسية، ليس لأن المجتمع الصومالي قبلي، وسيتحول الحزب مع مرور الوقت لحزب قبيلة كما يردّد البعض، بل لأنّ تأسيس الأحزاب في الصومال مرتبط باستحقاق انتخابي. ماذا حصل لحزب التنمية والسلام الذي ترأسه الرئيس الحالي؟ لقد انهزم أمام أول عقبة بعد فوز الرئيس في الانتخابات. ولم يعد له بريق كما كان. تتطلب فكرة الأحزاب المتعددة تغييراً في الفكر بداية، فهي ليست وسيلة لبلوغ منصب ما، وعلى من يريد تأسيس حزب وضع قوانين ولوائح ومبادئ يلتزم بها الأفراد تحت كلّ الظروف، وميزانية تضمن له الاستمرار، وإيمان بأن الغاية التي يسعى إليها هي حلّ مشكلات البلاد، وليس إقصاء أحد أو فصيل. وعلينا قبول فكرة أنّ الصوماليين لا يجيدون الالتزام بمبدأ بعينه لفترة طويلة، فلو افترضنا أن أحد أعضاء حزب ما خرق اللوائح وتمّت معاقبته، وربما فُصل فسنجد له مناصرين، ومؤيدين حتى خارج الحزب، وممن لا علم لهم بما فعله، وتتصاعد اللهجة العاطفية، فيتفكك الحزب.
ولا ننس أن الحكومة الحالية ممثلة برئيس الجمهورية تعتبر قيام الأحزاب معارضة غير لائقة لها، كما سمعت من بعض النّواب الذين التقيت بهم.
8. كونك مدونة بم تنصحين الشباب المقبلين على التدوين؟
التدوين عمل يتطلب الشغف، والإبداع، وسيؤدّي إلى الإدمان. على المدون الرّاغب في النجاح، تحديد هدف له، ويلتزم به. مثلاً، هل هي مدونة سياسية؟ فكرية؟ أدبية؟ ثم يستمر في التّدوين والنشر، ولكن المحبط أن المدونين الصوماليين لا يعرفون بعضهم أو لا يدعمون بعضهم البعض. وهذا لا يجب أن يحبط أحداً، وأنا شخصياً أعمل على اكتشاف أي مدونة جديدة، وأزور صفحاتهم وأعلق على تدويناتهم، وأرسل لبعضهم رسائل لتشجيعهم إيماناً مني بأنّ نجاح الأفراد لا وزن له بدون نجاح المجتمع. نحن بحاجة إلى مدونين من ذوي الفكر الأصيل، والجديد، ولديهم نية تغيير النمط الفكري العام لدى المجتمع الصومالي. هناك مجموعة على الفيس بوك اسمها المدونون الصوماليون، ولكنها ليست فعالة جداً لعدم إسهام المدونين في مشاركة آخر تدويناتهم على الصفحة، ونشرها بين القرّاء وجعلها محل نقاش وحوار. أرجو من المدونين الصوماليين التّعرف على بعضهم البعض، والمساهمة بشكل فعّال في كافة جوانب الحياة الفكرية والثقافية، وأخيراً، شكراً للصومال اليوم على هذه الاستضافة الكريمة. وعلى الشاي بالحليب الذي تشاركناه في زرياتي لكم، أرجو لكم التوفيق في عملكم.

هي أزمة إنسان.. وأسرة أولاً!


live radio programs

 

 

 أكاديمية أفلح لتدريب القيادات، أوّل أكاديمية من نوعها في الصومال، ولدت من حلم شاب شاهد إعلاناً، كبرت مع إيمانه أنّ تنمية الفرد الصومالي أول خطوة لإنقاذ المجتمع، ومن أكاديمية، لبريد للاستشارات، فبرنامج إذاعي لمناقشة المشكلات الأسرية، إلى طموح بإطلاق برنامج على الفضائبات الصومالية، ويمتدّ الحلم من جالكعيو إلى كل مدينة وقرية في الوطن. الجزيرة توك اقتنصت الفرصة لترافق صاحب فكرة هذه الأكاديمية، وأجرت الحوار التّالي:

 

الجزيرة توك: أولاً أشكرك على قبول دعوة الجزيرة توك لهذا الحوار، واسمح لي أن أسألك في البداية عن تعريف القارئ بشخصك، ونشأتك، ومؤهلاتك الأكاديمية.

جمال الدّين عوكي: أولا السلام علىكم ورحمة الله وبركاته, أشكركم من أعماق قلبي على الخدمة الجليلة التي تقدمونها للقراء الأعزاء, وتستحقون وسام شرف وأكثر، اسمي جمال الدين عبدالكريم عوكي, من موإلىد جالكعيو الصومال, حيث نشأت درست. في عام 1996م بدأت كمعلم لغة انجليزية في مدرسة ابتدائية, ثم قررت إكمال دراستي، ودرست الشريعة والقانون في جامعة العلوم والتكنولوجيا إلىمنية مركز الصومال عام 2004-2008م, وراقت لي فكرة العمل التطوعي ولا سيّما في مجال الأسرة كثيراً, وفي عام 2008م رأيت في موقع الدكتور جاسم المطوع -حفطه الله- إعلاناً عن أكاديمية الفرحة لعلوم الأسرة في الإمارات, فتواصلت معهم, ونلت شرف دراسة دبلوم الإرشاد الأسري هناك, وبحمد الله كنت من الثلاثة الأوائل في الدراسة, ولم توقف عند هذا، فسجلّت في برنامج بكالوريس تنمية بشرية في نفس الأكاديمية, ودبلوم اعداد القيادات الاجتماعية, وستة دبلومات أخرى في التنمية البشرية والإرشاد الأسري معتمدة من جامعات في أمريكا وبريطانيا ومصر, أنا أدرس الآن ماجستير التنمية البشرية بالأكاديمية بالتعاون مع جامعة جولدن استيت الأمريكية 2012-2013م.

 

الجزيرة توك: ما سبب إنشاء أكاديمية أفلح للتدريب القيادي؟ ولماذا هذا الاسم؟ وما هي الخدمات التي تقدّمها الأكاديمية؟

جمال الدّين عوكي: بعد دراستي الإرشاد الأسري أصبح همّي تأسيس مشروع أسري, وفي عام 2009م، بدأت انشاء الجمعية الصومإلىة لتنمية الأسرة, وكنت أفكر تأسيس جمعية اجتماعية تعمل في تنمية الأسرة, ولكني رأيت أن الناس لا يهتمون بالجمعيات, لاعتيادهم على الإغاثة, وكذلك لاحظت أن مشروعي جديد في الوطن, ولم يتفاعل معه أحدٌ جدياً حتى المثقفين, مع أنّهم يعانون من مشاكل أسرية, وبعد دراستي للموضوع فهمت أن هناك فجوة كبيرة بين الناس والمشروع, فغيرت التفكير, وأسست أكاديمية أفلح للتدريب القيادي, كي نقدم للناس خدمات: مثل تدريب الأسرة على تجاوز المشكلات وتحقيق السعادة الزوجية، وتربية الأولاد, وندرب أيضاً الطلاب والشباب على التحفيز الذاتي والتنمية البشرية وصناعة القيادة وقيادة الأسرة, كما نقدم برامج إعلامية إذاعية أسبوعية في اذاعات محلية, وعلى موقعنا على الإنترنتwww.qoyskeena.com . أمّا هذا الاسم “أفلح” لقربه من عموم النّاس في المنطقة، وأيضاً من باب التفاؤل بالفلاح والنجاح.

الجزيرة توك: التنمية البشرية ليست مألوفة عند المجتمع، كما ذكرت، فهلّا حدثتنا عن ردّة فعل الشارع تجاه افتتاح أكاديمية أفلح،  هل تتلقون أي دعم من أية جهة؟ وهل تفرضون رسوماً على دوراتكم التدريبية؟

جمال عوكي: لم نجد دعماً من أحد, انما بدأنا العمل بالاعتماد على الذات, وتواصلنا كثيراً بمؤسسات عالمية لدعمنا, وكدنا نصاب بشيء من إلىأس والإحباط, وفرضنا رسومات رمزية على بعض الدورات التدريبية؛ مثل دورات قيادة الذات وقيادة الأسرة.

 

الجزيرة توك:  ذكرت  أنّ اهتمامك بالأسرة هو سبب التركيز على هذا الجانب، فما سبب هذا الحماس، وكيف توصلون رسالتكم للمجتمع ؟

جمال عوكي: تتفاوت نظرة المتخصصين للأزمة الصومإلىة, فالسياسي يري أنّها تستدعي لا بد لها من حل سياسي, ويركز على الأخطاء السياسية فقط, وعلماء الدّين يرون أن أساسها عدم التطبيق الفعلى للإسلام, كما يري بعض الوطنيين أن الأزمة من نتائج الاستعمار, ربما تكون هذه التحليلات صحيحة إلا أننا نرى أن ضعف الأسرة في صناعة الفرد الوطني المسلم المسئول, وعجز المؤسسات التعلىمية في صناعة جيل يقرأ ماضيه ويفكر في حاضره ويخطط للمستقبل, هو سبب أزمتنا. ولأنّنا نؤمن بأن صناعة مجتمع قوي يبدأ بأسرة سعيدة, والأسرة السعيدة تبدأ بإنسان صالح وسعيد, وهذا الإنسان السعيد لابد له من إعداد وتدريب وتنمية مهارات وتغيير قناعاته.

 

الجزيرة توك: هل من السّهل على الصومإلى أن يتحدّث عن مشكلته الأسرية ويطلب الحلّ؟  أم يجد صعوبة في التّعبير عنّها؟ ولماذا؟

جمال عوكي: الاسترشاد مسألة في غاية الصعوبة على المجتمع الصومإلى, ليس في القضايا الأسرية فحسب, بل في معظم القضايا, في البداية تعاملنا مع مسألة الاستشارة بحذر, إذا قمنا بإضافة قسم الاستشارة, ما يسهّل لطالب الاستشارة كتابة مشكلته وما يحتاج إلىه, كما وفرنا هذا الإيميل  talobixin@hotmail.com . وتتواصل معنا الأسرة دون أن تذكر اسمها, ونتعامل معها بسرية تامة, وفي هذا العام, بدأنا استشارات إذاعية على الهواء مباشرة, ويوما بعد يوم تخفّ فوبيا الحديث عن المشاكل الأسرية.

الجزيرة توك: أيّهما يقصدكم للاستشارات، الرجال أم النساء، وأي نوع من الأسرة لديها مشاكل في التّفاهم أكثر، الأزواج الشباب، أم الأزواج في منتصف العمر ؟

جمال عوكي: لا توجد فروق في هذا المجال،  إذ توجد مستشارات إناث وآخرون ذكور، والأزواج الجدد أقل مشاكل من الأزواج الذين مضى علىهم مثلاً خمسة عشر عاماً، بسبب المشكلات المتراكمة المؤجلة.

 

الجزيرة توك:ما هي المشكلة الأسرية الأكثر انتشاراً في مجتمعنا؟ وكيف تتعاملون معها؟

جمال عوكي: المشكلة الأسرية الأكثر انتشاراُ في المجتمع موضوع يحتاج إلى دراسات مسحية, ولكني أرى أن مشكلة القات هي الأكثر تأثيراً على المجتمع, والطلاق أكثر شيوعا في الأسر التي  يتعاطى أحد أفرادها القات.

 

الجزيرة توك: هل توجد مؤسسات أو أكاديميات مثل أكاديميتكم في جالكعيو؟ أو حتى بونتلاند كلها أو في أي منطقة أخرى من الصومال؟ وهل هناك أي نوع من التّعاون بينكم؟

جمال عوكي: لا، لم أسمع حتى الآن عن  أكاديمية أخري في الصومال ,فأكاديمية أفلح هي أول أكاديمية أسرية قيادية في الصومال, ونحن بدأنا العمل في جالكعيو, وعندنا عشرة مستشارين, وفي خطتنا إيصال خدمات الأكاديمية إلى المدن والقرى الصومالىة, وهذا يخضع للظروف المالية والمهنية, ونعمل الآن على إعداد خبراء ومستشارين من جميع أنحاء الصومال وشرق افريقيا وفي المهجر, بالتعاون مع أكاديمية الفرحة لعلوم الأسرة في مصر, حتى نستطيع نشر السعادة بين جميع الأسر, ونرجو أن نبدأ كذلك برامج في القنوات الفضائية الصومالية قريباً إن شاء الله.

لقاء مع الناشط الصومالي الكاتب عبدالرحمن تورياري


   في جو من المصارحة وبجرأة كان هذا اللّقاء مع الكاتب والناشط الصومالي، وقد صدف أننا خريجا جامعة مقديشو ولكن بفارق عام واحد، ولكن كما أقول دائماً… ثمّة صلة قربى بيني وبين كلّ من درس أو عمل أو أسس هذه الجامعة… لقاء هادئ …مع كاتب أكاد أختلف معه في جلّ أفكاره…

 مرحباً بك في لقاء كاتب على هذه المدونة أستاذ تورياري، بداية عرّفنا بنفسك، وأخبرنا عن نشأتك؟

شكراً لك على هذه المقابلة، اسمى الكامل هو: عبد الرحمن محمد توريارى، ومن مواليد 10 ديسمبر 1982م، في حي “ورطيغلى ” في العاصمة مقديشو، وترعرعت فيها وكنت أرتاد  “دكسى معلم عتوش” لتحفيظ القرآن في الصباح، وفي المساء أذهب إلى مدرسة ابتدائية في الحي ذاته، حتى انقلبت الجبهات على حكم العسكر عام 1991م، وفور نشوب الحرب بين مليشيات جبهة (USC ) وقوات نظام سياد برى، نزحت مع عائلتى إلى مدينة “عيل طير” في شرق إقليم “جلجذود” التى تبعد عن العاصمة قرابة 400كم، حيث تنحدر أصول عائلة الأب منها. ومما أتذكره من قصة نزوحنا – رغم صغرى آنذاك – أن  هيئة الإذاعة البريطانية، قسم اللغة الصومالية أذاعت في يوم وصولنا مدينة “عيل طير” نبأ خروج الرئيس سياد برى من العاصمة  واستيلاء مقاتلى جبهة (USC ) على العاصمة وأنهم يتعقبون فلول قوات النظام في أقاليم  شبيلى السفلى وجوبا، وفور سماع الخبر تمنينا العودة في نفس السيارة التى أقلتنا من مقديشو، إلا أن والدي فضّل عدم العودة السريعة لأن حكمة الأب كانت ترى أحد أمرين: ألا يستسلم سياد برى بهذه السهولة، فيلتقط أنفاسه من جديد ويرجع إلى الملعب، أو أن  التأثير السلبى لهذا الانقلاب قد يطول، فتغلبت حكمة الأب على أمانينا الطفوليّة الحالمة بأنّ الحرب انتهت لأن النظام الذي كان سبباً لها قد فرّ بعدما رفض النقل السلمي للسّلطة، هكذا كان منطقنا، ولم نكن نفكر يومها أن هذه الجبهات ستكون أسوأ من النظام الفار بمئات المرات،  وأنهم يقتلون الناس على أساس انتماءاتهم العشائرية، وفيما بعد سيتناحرون هم أنفسهم على الأساس الذي من أجله أبادوا الأبرياء – ربما هي العدالة السماوية ألقت عليهم هذا الحكم  لأن الجزاء من جنس العمل كما تقول الحكمة – ولكن للأسف الشديد هذا الجزاء لم يقتصر على المجرمين فقط إلا أنه عمّ سكان مقديشو خاصة، الصوماليين – شعبا ووطنا – عامّة، لأن البلايا إذا نزلت تعم الصالح والطالح. قد تطول حكايات ما في الذاكرة من أتعاب وذكريات تلك الهجرة القاسية ولكن أكتفي بذكر واحدة منها أثّرت على نفسيتى كصبى يحب أمه، ففي طريقنا من مقديشو إلى مدينة “عيل طير” وقفت السيارة في قرية تسمى “راغى عيلة”  للاستراحة، وتناول الحاجات الضرورية، وفور نزولنا عن السيارة هاجمت مجموعة من النساء اللائى كن معنا  أمي عقب ذهاب أبي إلى القرية لشراء ما يلزمنا، حيث بدأت مشاجرة بينها وبينهن في السيارة حول الانتماء العشائرى، حيث كن يستفززن أمي لشعورهن  بأنها وحيدة وبعيدة عن أقربائها ومنطقتها، وأنهن بين أقربائهن وفي قريتهن لأنّها من مدينة “غالكعيو”عاصمة إقليم مدغ، وحينها شعرت بالمرارة والغضب فصرخت عليهن، وقلت” يا عماتى ويا عشيرة أبي إذا سولت لكم أنفسكم بأن أمي وحيدة فليست هكذا، أنا أيضا من عشيرتها وأكره الانتساب إلى عشيرة لا تحترمني وتهاجم أمي، وتهينها أمام أعيني واعلموا أن دونها الموت!” وأخرجت خنجرة من كيس أحد الركاب دون علمه، واستغربت النساء الأمر لأنهن ما كن يتوقعن من طفل مثلي هذه الكلمات أو هذا التصرف المباغت، حيث تراجعت بعضهن على استحياء كما أنّ بعض الرجال بعدما علموا الأمر عاتبوا النساء، وقاموا بتهدئتي، وأصبحت موضع تندر حتى نسي الجميع تأثير المشاجرة.

 ماذا عن مسيرتك التّعليميّة؟

عدنا أنا وأبي إلى العاصمة في عام 1992م، لإتمام حفظ القرآن في “دكسى معلم عتوش”، الذي كان أبي يفضله على أيّ  مكان آخر لأن معلم عتوش كان معلمه وحرص على بقائي فيه تأدباً معه وثقة به في نفس الوقت، هذا إضافة إلى عنصر القرابة بين الأب والمعلم، فكنت اعتبر المعلم عمي ومثل شقيق لأبي، ولا أزال،  وكنت أنا الابن الوحيد الذي يتعلّم القرآن على يد معلم أبيه، وبعد إتمام حفظ القرآن رجعت إلى مدينة “عيل طير”، وانضممت إلى حلقات مسجد شيخ “عثمان حدغ” المشهور، وأمضيت هناك سنتين في تعلّم بعض الفنون مثل: النحو، والصرف، والفقه، والتفسير، والحديث وعلم التصوف. ثم في عام 1995م، عدت إلى مقديشو، وبدأت الدراسة في مدرسة العمرة التى كانت تدرّس اللّغات والعلوم والرياضيات( بمثابة الإعدادية والثانوية) فتخرجت منها2001م وفي 18 سبتمبر من نفس السنة التحقت بجامعة مقديشو -كلية الشريعة والقانون- وتخرجت منها في العام الأكاديمي 2004-2005م، ثم بدأت العمل مع الحكومة الفيدرالية برئاسة عبد الله يوسف أثناء  وجودها في مدينة جوهر. وفي عام 2006م، سافرت إلى القاهرة لإتمام الدراسات العليا، والتحقت في وقت واحد  بالمعهد اللاسلكي الدولي للدراسات الإلكترونية والخطوط الجوية في القاهرة، ومعهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية، حيث كنت أدرس الأول في المساء والثاني في الصباح، فنلت من الأول دبلوم في حجز التذاكر وعلوم خطوط الطيران المدني، ومن الثاني دبلوم في القانون العام 2008م، ثم سجلت رسالة الماجستير في معهد البحوث والدراسات العربية في عام 2009م، بموضوع “المعاهدات غير المتكافئة وأثرها على الأمن القومي الصومالي” وإن شاء الله أنا بصدد نقاشها قريبا.

 ذكرت في سطور عرّفت بها عن نفسك في شبكة الشاهد الإخباريّة، أنّك أمين عام التجمع العربى للوجدان المشترك، أعطنا فكرة عن هذا التّجمع؟

التجمع العربى للوجدان المشترك هو تجمع يشمل حتى الآن مجموعة من شباب دول السودان، والصومال، ومورتانيا، وجيبوتي، وجزر القمر. ويرجع سبب تأسيسه إلى شعور شباب الدول المذكورة بأنّهم يحملون  في وجدانهم ما يوحّدهم أكثر من غيرهم من ” الإخوة العرب والمسلمين”،  مثل اللون والإحساس والتقاليد. وبداية الفكرة كانت في عام 2008م، حيث شاركنا في المؤتمر السابع لـ” مؤسسة الفكر العربى” في القاهرة وحضر المؤتمر ممثلوا منظمات شبابية وتنموية وتعليمية من كافة الدول العربية، وأثناء ذلك كان هناك إحساس مشترك بين شباب الدول المذكورة بأنهم دائما على الهامش في الاجتماعات والمؤتمرات الشبابية العربية سواء من ناحية فعاليات المؤتمرات ومداولاتها أو من ناحية منح فرص عرض برامجهم التنموية الشبابية كما يعطى غيرهم من العرب  وملاحظات أخرى، فاستشعر هولاء الشباب بعد نقاش دام يومين  بأن الوسيلة الوحيدة التى قد تتحرروهم من هذه “الهامشية” هي إنشاء كيان موحّد لهم يقوّي دورهم ويعززّ صوتهم وصورتهم أمام العرب الآخرين في أي فعاليات شبابية أخرى تعقدها الجامعة العربية أو أي مؤسسة أخرى، وبعد انتهاء المؤتمر أسّسوا ” التجمع العربي للوجدان المشترك” وقد نجح هذا التجمع في مؤتمرات وندوات لاحقة في تغيير بعض الصور القاتمة والنّمطية لدى بعض الشباب العرب وخاصة بعض شباب “دول الخليج” عن شباب تلك الدول الخمس، وأصبح صوتهم أقوى من ذي قبل والحمد لله.      

 علمنا أنّك ناشط اجتماعي، وتدير منظّمة شبابية تدعى منظمة الشباب الصومالي، SYO، فما هي هذه المنظّمة؟ وما هي أهدافها ورؤيتها؟ وما هي الانجازات التي حققّتها؟ وكم يبلغ أعدد أفرادها؟ وكيف جاءت هذه الفكرة؟

عند التكلم عن SYO”” قد يطول الكلام ، ولكني سأوجز:

أولا: هى منظمة شبابية أو بمعنى آخر منبر للشباب المتعلم، وتهدف إلى إحياء دور الشباب “المهمل” بعيد الاستقلال لأسباب لن نخوض فيها الآن، والفكرة كانت موجودة منذ عقد ولكن بدأ التخطيط لها في عام 2006م، وأُعلن عن نشأة المنظمة في 15/5/2008م، في القاهرة من قبل مجموعة من الشباب الصوماليين، هؤلاء الشباب الواعي المثقف هم الآن في مرحلة التكوين، والإعداد والتكيف والتعرف على بعضهم البعض، ووضع الإستراتيجيات المناسبة ثم يبدأون مرحلة التحرك والتنفيذ وهم مئات حالياً، ومنتشرون في الوطن والعالم.

ثانيا: تهدف المنظمة لإعادة الكرامة للأمة الصومالية من خلال كفاح قد يستمر طويلاً، ويقوم على أساس توعية المجتمع على معاني الوطنية في كل قرية في الصومال  ومعارضة كل أشكال القبلية، بما فيها النّظام الفيدرالي الذى يروج له زعماء القبائل لتفتيت المفتت، كذلك معارضة كل الدويلات العشائرية التى تسعى لتقسيم الصومال، كما أن هناك حملات يقوم بها كوادر المنظمة لنبذ أي عنف فكري أو تعصب مذهبي، وترى SYO”” أن التسامح وتقبل رأي الآخر هو خيط رفيع يمكّن التعايش الآمن للكل، وأن النظام الأمثل في الصومال هو: النظام المركزى القوي  الديمقراطي الذي يحمي الوطن والدين ويراعى ويضمن حقوق المواطنين الأساسية مثل العدالة، الحرية المشروعة والمساهمة في تنمية الوطن بدون أى قيد أو عائق.

ثالثا: تتمثل رؤية المنظمة بـ ” دولة صومالية قوية تهابها دول المنطقة والعالم، وتعزّز وجود الإسلام في منطقة شرق إفريقيا ” على عكس ما نعيشه اليوم، أما إنجازات المنظمة فبحساباتها الخاصة كثيرة ولكن قد لا يحسّ بها غيرها، كما أنها هى في مراحلها الأولى وهي تسير وفق  طريقها المرسوم المخطط لها ، وتؤمن أن التأني أفضل من الإستعجال .

  ماذا علّمتك سنوات إقامتك في الغربة؟  هل تغيّرت بعض تصوّراتك للحياة؟ وإلى أي مدى؟

نعم علّمتنى الكثير ولا تزال تعلمنى،  وطبيعى أن تتغير بعض صور الحياة في ذهن المرء عندما ينتقل إلى عالم آخر غير عالمه، ولا سيما إذا كان التعلّم سبباً لغربته، فهو يتعلم أكثر من غيره ويتأثر  بحكم مخالطته لمثقفي ومفكري هذا البلد الجديد، وإذا كان هذا البلد مثل مصر فحدوث التغيير لوافده الطالب أكثر حتمية من غيره لكون مصر ذات حضارة عريقة، فجدرانها وشوارعها  تعطي الدروس قبل مدارسها، وأكاد أجزم أن أي طالب تعلّم في مصر مستحيل أن لا تجد فيه بعضاً من تلك الميزات الخاصة لمصرمثل : الصبر، والاحترام أو المجاملة، تقبل أفكار الغير أو التسامح ، المراوغة والبطء في إتخاذ القرارات، وأنا من بين هولاء الوافدين لمصر، ما يصح فيهم على الأقل يصح بعضه فيّ أنا أيضاً، وبغض النظر عن إيجابية هذه الصفات أو سلبيتها فإنه ليس من الضرورة أن يتصف كل شخص عاش في مصر  بكل تلك الصفات المذكورة ، ولكن على الأقل تجد فيه واحدة منها، كما أن أسباب هذه الميزات في مصر يحتاج إلى شرح أطول، ولكن إذا أخذنا الأول الذي هو الصبر  فنجد أن المصريين يمارسون هذه الخصلة الحسنة أكثر من غيرها كما يعلّمون لزائريهم بصورة عملية. وأتذكر أني كنت أقدم طلبا للإقامة في مجمّع الخدمات الحكومية للجنسية والهجرة، فبعدما أكملت كل الإجراءات لتقديم الإقامة  وقفت في طابور طويل لأقدمه، ولثلاث ساعات، وأنا ورجل من الجزائر  واقفان نحن الإثنان فقط  قالت الموظفة لنا “تعالا بكرا” كلمة مشهورة لدى المصريين وتعود الزائرون لها وأزعجتهم كثيراً ، “وبكرا ستكون ثلاث ساعات أخرى أو أكثر وقد لا نقدم ويحصل ما حصل اليوم” هكذا تمتم الجزائرى وقد خرجت الموظفة من المكتب وهي تضحك باستهزاء وسخرية ، وبعد خروجنا من المجمّع تعرفنا الأستاد وقال لي:  “همّ بيعلّمونا الصبر يا عبد الرحمن” .          

 أنت مقيم في مصر، وعايشت ثورة 25 يناير، ماذا تعلّمت من ثورة الشباب المصري السّلمية؟ وما هي الرّسالة التي تودّ إيصالها إلى شبابنا؟

العيش في مصر بعد 25 يناير يعنى  تدريب سياسي، قانوني وإداري، هو فعلا كذلك، لأن ما حصل 11 فبراير 2011م،  ما كان ليصدقه أحد ولا يتخيله فرد أو مجموعة قبل شهر من ذلك التاريخ. وكل باحث تعايش مع المصريين في فترة حكم نطام مبارك يدرك ماذا تعنيه ثورة 25 يناير لشعب مصر،  فهي تعني تحرير شعب بأكمله والإفراج عنه من معتقل كبير يعذّب فيه بلا رحمة، الله أكبر وسبحان من يغيّر الأحوال ” وإذا أراد أمراً أن يقول له كن فيكون ” صدق الله العظيم .  هذه هى إرادة الله قبل إرادة البشر، أما فيما يتعلق بماذا تعلّمت منها أنا شخصيا؟ فهى كثيرة، وتعتبر بمثابة تدريب عملي، إذ تأكد لي أن إرادة الشعب لا يقاومها أي رئيس أو زعيم مهما بلغت قوة بطشه بشرط أن يأتي هذا الشعب بأسباب  النصر والتغيير، وأيضا تبين لي من دور الجيش المصرى في ثورة 25 يناير أن جيشنا هو الذي دمّرنا نحن الصوماليين، إذ أن الجيش لو كان أعطى ولاءه للوطن  لا لشخص وأجبر الديكتاتورعلى الرحيل وأجبر الجبهات على الانقياد للقانون – كما فعل الجيش المصري  لما حصل ما حصل بنا. وأيضا  تبلور لى معنى “الثورة السلمية” التى مسحت عن أذهاننا  صور الثورات الدموية أو الانقلابية والتى عهدناها خلال القرن العشرين، هذه الثورات التى جلبت لنا  استعماراً داخلياً أكثر مما حرّرتنا من الاستعمار الخارجي، ديكتاتوريات، تخلف ودمار، ونصيب شعب الصومال كان نصيب الأسد مما أنجبته تلك الأخيرة ولا يزال يحصد ثمارها المرّة.  أما رسالتى إلى شبابنا هى: أولاً: أنتم – وأخص أيها المغتربون –  سفراء الصومال في كل بلد أحسنوا تعاملكم مع شعب هذا البلد، واجتهدوا في دراستكم لأن الفاشل في دراسته لا يصلح لخوض معركة انقاذ وطن قد كاد ينقرض مثل الصومال. وثانياً: استعدوا لتسجيل تاريخ جديد غير التى ورثناها عن أجيالنا السابقة ( الانقلابية منها، الجبهات والجبهوية  ) وسجّلوا تاريخ توحّد الصوماليين ليعلو شأنهم وتدفن مساوئهم (القبلية والتعصب والتفرق) تحت الرمال وأحرقوه حتى لا ينبش مرة أخرى من جانب أى أحد قد يحاول استخدامها لتفريق المجتمع، إبدؤوا من أنفسكم، من أسركم، من جيرانكم  ومن زملائكم، لا تكون مقلِّدين لزعماء القبائل والجبهات، هؤلاء سجّلوا تاريخهم الدنيء فلا تصبحوا أنتم حطباً لحرائقهم المشتعلة، إن التاريخ لا ولن يرحم، فما سجّلتموه اليوم فيه يقرأ غداً للأجيال التى تليكم. وثالثاً: اتقوا الله حق تقاته ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) صدق الله العظيم .

 متى اكتشفت موهبة الكتابة عندك؟ ومن شجّعك عليها وهل تذكر أولى مقالاتك؟

موهبة الكتابة ليست شيئا يكتشف بسهولة، بل هي عملية  تراكمية تتبلور يوماً بعد يوم، فتبدأ بالرغبة، ثم القيام بالكتابة، ثم الاستمرار فيها لمدة من الزمن  حتى تتعرف أنت على نفسك أولاً، وعلى ميولاتك  وقدراتك الكتابية وذوقك ثانياً، وفي نفس الوقت تراقب ردود فعل المتلقين سلباً كانت أو إيجاباً لأنهم مرآتك ، وبعدها يمكنك تقويم ما إذا كنت تصلح أن تكون كاتباً محترماً في المستقبل  أم لا. وعلى هذا الأساس أعتقد أننى حتى الآن  في المختبر أو في المصنع إن صح التعبير؛ ولم تكتمل المراحل التي تؤهلنى إلى أن أعتبر نفسي ” كاتبا”، و أتمنى أن أكون منتجاً وناضجاً وصالحاً لهذا اللّقب بعون الله ونافعاً لدينه ووطنه. أما من شجّعنى  على الكتابة، فأنا أتذكرالصديق  الأستاد محمد عمرأحمد مدير تحرير موقع الصومال اليوم، كان  يقول لي عندما  ينشر بعض مقالتى في الموقع ” أي قهوة تشرب أثناء كتابة المقالات يا عبد الرحمن، كأنك كاتب مخضرم وكبير!” كنت أدرك أنه يعنى بذلك تشجيعاً، ووصلت رسالته والحمد لله، وكانت تلك الكلمات بمثابة جرعة ووقود. وأوّل مقال كتبته كان بعنوان ” دعوة إلى شباب الصومال لتجاوز مستنقعهم الحاضر بعد ماضيهم المجيد” وهو موجود في أرشيف موقع الصومال اليوم”.

 أشرت في مقالات لك إلى ضرورة إيجاد تحالف لإعادة تحرير العقول ممن يصادرون الحريّة الفكريّة، ومانحي صكوك الغفران، ترى لماذا نرى في الغربة من يأيدون أؤلئك؟ وكيف يمكن تحرير العقول؟

الجهل، والتعصب، والأنانية، والحقد، والحسد وعدم فهم الواقع هي أسباب تأييد أولئك المخربين ، فأينما وجد الجهلاء والمتعصبون لا تنتظر منهم سوى التخلف وتخدير الفكر بما أفل نجمه من إيدلوجيات منكرة ومستحدثة ما أنزل الله بها من سلطان، فهم صيد ثمين سهل لأولئك المنادين بتكفير الجميع، وأضروا بالإسلام وأهله أكثر من غيره، كما أنهم فريسة للمتربصين على الإسلام وأهله، قد يصبحون لهم عملاء وجواسيس وخدم من حيث لايدرون أو  بمقابل ثمن بخس أو وطر زائل . أما كيفية تحرير العقول فلا يمكن هذا إلا بوسيلة واحدة ألا وهي: التعليم، ثم التعليم، ثم التعليم، وهى تجربة سودانية ناجحة،  فعندما كثر الشباب المتطرف فيهم في التسعينات فتحت الحكومة السودانية  الجامعات والمدارس مصراعيها لهم مجاناً، فقلّ التطرف وتراجع معظم أبنائه  بعد أن عمل التعليم عملية جراحية في أدمغتهم فوسّعها، كما أن بعضهم أرسل إلى مجمعات ومعسكرات شبابية وفّرت لهم فيها كل أجواء المتعة بما فيها السكن اللائق والطعام ووسائل الراحة الأخرى مثل الملاعب والرحلات الترفيهية، ورافقهم في تلك المجمعات تربويون متخصصون في علم النفس، وعلماء دين أجلاء ومفكرين يتحاورون ويتناقشون معهم  في المسائل الغريبة التى يرونها صحيحة وحرّفت اتجاههم، فنجح العلماء بعد ثلاثة أشهر في غسل أدمغتهم وعقولهم من دنس التطرف والتعصب حتى أصبحوا فيما بعد مسؤولين مرموقين في الدولة وفي مجال الصحة والإقتصاد والتعليم، وهذا ما أخبرنى به مسؤول سوداني كبير عندما زرت السودان  عام 2010م.

 ممّا لا شكّ فيه أنّ شبكتي الصومال اليوم، والشاهد، قدّمتا للكتّاب الشباب الصوماليين الشباب الفرصة لنشر أفكارهم، وطروحاتهم، وقد قلت مرّة في مقال نشر بتاريخ 31 ديسمبر 2008م، على الصومال اليوم ” كما نجد أحيانا من يحسن بضعة أعمال فيزعم نفسه من ساسة العالم أو يكتب عدة مقالات فيعتبر نفسه من قادة الفكر ولو آثر “الخمول”فترة ينضج فيها لكان خيرا له . ما ضر هؤلاء لو توارو قليلا أوكثيرا فلا يطلعوا على الناس قبل أن تكتمل قدراتهم والمؤهلات المطلوبة لفنون أعمالهم !”، فهل هناك فعلاً من تتمنى صمتهم حتى ينصجوا؟ وهل تظنّ أن رسالتك وصلت؟

لا، ليس هناك من أتمنى صمته حتى ينضج، ولكن كنت أقصد بتلك العبارات توجيه نصيحة عامة لبعض الكتّاب الذين ما قرأت مقالاتهم إلا وكانت تهاجم شخصية بعينها وتورد أقاويل لمحاولة فضحه ودون التّأكد من صحتها، مثلاً: أن يقول فلان كذا وكذا بدلاً من أن يستخدم ألفاظا أخرى ألطف منها  مثل: يُتهم أو يقال عنه… إذا أراد نقده مع توضيح مصدر تلك المعلومة، وشككت من أن فهمهم للكتابة أصلاً هو الشتيمة والتجريح بدلاً من النقد البناء المحترم والمؤدب، فهنا جاء ت تلك النصيحة، أما في مجال السياسة والفكر فهناك الكثير أتمنى صمتهم حتى ينضجوا ولا أهمية لذكرهم لأن معظم الساسة الصوماليين تنطبق عليهم تلك النصيحة. أما فيما يتعلق بوصول الرسالة لهم أم لا ؟ فالأمر يتوقف على قراءة المستهدفين، ولا أتصور أن معظمهم قد قرأ أصلا حتى يستفيد منها أو يرفضها.

 شخصيّاً تأثرت بمقالك المنشور على شبكة الشّاهد، ( ألم في الضمير.. وحكاية ناصح)، وشعرت بما شعرت به، وسط تلك الاحتفالية كان قلبك ينزف ألماً على شهداء شامو… قل لي أستاذ تورياري… كيف تشعر عندما ترى الصومال على هامش الأحداث، ولا يدري الكثيرون عنها شيئاً؟ ماذا تقول في ظلّ غياب الثقافة الصومالية عن المهرجانات الإقليمية؟ وهل تعتقد أنّ اللّغة هي العائق؟

نعم اللغة هي أحد العوائق، كما أن هناك عنصران آخران ساهما في غياب الثقافة الصومالية عن المهرجانات الإقليمية والدولية وهما: عدم وجود مؤسسات حكومية صومالية قوية تهتم بهذا الشأن والمتمثلة في وزارة الثقافة ومؤسساتها، لأن منظمات المجتمع المدني الصومالي مهما فعلت لا تصل لمستوى تغطية دور الدولة الذي هو كفيل برفع رأس وراية الصومال في تلك المحافل. وثانياً: ضعف قدرات الاتصال مع العالم الخارجي والأجانب لدى معظم الكوادر الصومالية الممثلة لمنظماتها في المشاركة في فعاليات العالم، حيث أن معظمهم لا يرون أنهم يمثلون كرامة شعب ودولة، وبدلاً من هذا تراهم متسوّلين باسم مصائب الصومال من المشاركين الأجانب في تلك المؤتمرات أو المهرجانات، ومثل هؤلاء الممثلون  لا ينتظر منهم إظهار قيم وثقافة شعب وبلد أمام مهرجانات ومنتديات لأنهم يبحثون عن عطف مشاركيها بعرض مأساته وصور مجاعاته أمامهم علّهم يحصلون من وراء ذلك بعض الدنانير والدولارات لجيوبهم.

 اسمح لي يا أستاذ تورياري بهذا السّؤال، قلت في إحدى مقالاتك المنشورة على الصومال اليوم أنّ: ” إن تحالف تحرير الصومال “جناح جيبوتي” حقق خطوات شاسعة في التقدم الفكري والسياسي جعله محطا لأنظار السياسيين والباحثين على السواء، ليس في الصومال والعالم العربي والإسلامي فحسب وإنما في دول العالم قاطبة”،  وبعد مرور عامين أو يزيد، هل مازلت ترى أثراً لهذه التّقدم الفكري الذي ترقّبه الكثيرون؟

 في البداية، كان هذا الجناح يبدو هكذا كما وصفته، وكان جلّ الباحثين الصومالين يحسّ أن هذا الجناح قام بإنجاز كبير عندما أتى بدبلوماسية مرنة وهادفة  سهّلت خروج الإثيوبيين من الصومال، وما ظهر فيما بعد من ضعف التماسك الداخلي  لتلك المجموعة، وإخفاقهم في تنفيذ وعودهم هو ما لا يمكن تجاهله رغم أنني أعتقد أن التحديات الداخلية والخارجية التى واجهوها كانت أكبر من طاقتهم باعتبارهم تحملوا مسؤولية بلد دمّر بالكامل وأصبح مسرحاً تتصارع فيه قوى وأيدلوجيات العالم الوحشية، حيث تقوم القوة الغربية وجماعة “القاعدة”  بتصفية حسابتها في أرض وبحر الصومال، ولوكانت المعارضة التى واجهتها حكومة مجموعة “جناح جيبوتى”  معارضة عادية – قبلية أو سياسية – لكان نقدي عليهم أشدّ وأسخن، أما معارضة مسلحة دولية  كما هو الحال في الصومال، وتربص القوة الغربية وعرقلة أي تقدم من قبل الحكومة، إضافة إلى بدء كل شيء من الصفر، وانعدم الخبرة في ممارسة مهام الدولة قد يعطى لتلك المجموعة بعض المبرارت أو بتعبير آخر أنها بين “وحشين مفترسين “، وكان بعض الكتّاب قد أشاروا مسبقاً بأن نجاح تلك الحكومة سيكون من المعجزات  لصلابة التحديات والمشقات التى تقف عائقاً في طريقها، وإن كانت أخطاء جناح جيبوتى وتفليتهم الفرص المهمة حسب اعتقادى قد غطت كل محاسنهم وأبت قبول كل أعذارهم. أما اليوم  فنرى منهم تحركاً إيجابياً  وخطوات مهمة  نحو الأمام ولو أتت بعد فوات الأوان أو يكاد، وعلى الأقل فضحوا نوايا ما يسمى “المجتمع الدولي ” على إصراره انعقاد مؤتمر نيروبى المفتت والمعرقل، وهو ما أكسبهم من جديد  شعبية أيأست من تقاعسهم وتقصيرهم بعدما رفضت الحكومة والرئيس المشاركة في هذا المؤامرة المسماة بالمؤتمر.

 سمعت بعض المتعلّمين الصومالين يقولون أنّ الحديث عن وضع مسودّة لدستور جديد للبلاد ليس أوليّة أولى، إذ يجب تحقيق الأمن أوّلاً ثم مناقشة هذا الأمر. وبما أنّك  طالب قانون، وترى سيادة اللا قانون في البلاد، كيف يمكن أن نحقق الأمان والسّلام من غير وجود قانون نحتكم إليه؟ وهل ترى أن النّظام الجمهوري البرلماني أنسب لنا من الجمهوري الرئاسي؟ ولماذا؟

أولا: الصومال ليست وليدة اليوم بل كانت دولة لها مؤسساتها الدستورية والسياسية قبل كثير من الدول الراقية والمستقرة اليوم، هناك دساتير وقوانين، مثل دستور 1960م، والذي بعده ووضعته ثورة سياد برى،  وهناك ميثاق “إمبغاتى” الانتقالي، ولذا اعتقد أن الإنشغال بوضع دستور جديد في هذه الفترة الحرجة غير منطقي وغير ضروري وهناك من المهام ما هو  أهم منه، كما لا يمكن إستيفاء شروط وضع الدستور قبل إحلال الأمن وبسط السيطرة  على البلاد كافة لأن الدستور يحتاج إلى استفتاء عام من قبل المواطنين قبل دخوله حيز التنفيذ، هل هذا معقول في الفترة الحالية؟ طبعا لا، إضافة إلى هذا أن وضع دستور جديد يحتاج إلى مؤسسات قوية ومتخصصين وتكلفة هائلة ولا يبدو أن الحكومة الحالية مستعدة لتلك المهام، بل إنها في حالة حرب وفي معركة إستعادة الأمن وهيبة الدولة، لذا ينبغى حسب رأيى تأخير وضع دستور إلى ما بعد تحرير البلاد والعمل بقانون 1960م، للفترة الانتقالية لأنه هو الأنسب والأقدم من بين تلك المواثيق والدساتير المشكوك في سياسة وضعها أصلاً. أما ما يتعلق في أيهما أنسب الجمهوري البرلماني أم الجمهوري الرئاسي؟ فأرى أن الجمهوري الرئاسي أفضل للصومال للأسباب التالية:-

1.نحن في بلد قد انهار ويبدأ كل شيء من الصفر، فأي نظام يتولى المسؤولية يحتاج إلى قرارات سريعة وخطوات عاجلة ومتتالية لاستعادة الأمن والاستقرار أولاً، وبناء ما دمرته الحروب ثانياً، وإعادة الانضباط إلى المجتمع ثالثاً، فإذا أعطينا القوة إلى البرلمان فإن أي خطوة من قبل الحكومة ستحتاج لموافقة البرلمان ، وهذا سيعقّد ويؤخر سرعة المعالجة التعافي من جديد كما أنه يبطئ التحرّر.

2. في الأونة الأخيرة سئمنا ومللنا من جدلية القوة بين البرلمان والحكومة، والسبب أن ميثاق “إمبغاتى” يعطى لكل جهة صلاحيات متناقضة مع الجهة الأخرى، وقد أصبح استعراض عضلات كل من رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية استنادا إلى أنه هو المرجع والمؤثر ظاهرة، ممّا عرقل إنجازات كثيرة وأفشلت حكومات متعاقبة ابتداءاً من عبد القاسم ومرورا بعبد الله يوسف والآن بين الشريفين ، فأرى أنه للتخلص من تلك الظاهرة ينبغى إعطاء القوة لشخص واحد يسأل أمام الله وأمام الشعب عن أخطائه ويتحمل مسؤوليته دون عائق أو مدعٍ معه للسلطة التنفيذية في الدولة، وهذا الحل يتمثل في النظام الجمهوري الرئاسي دون غيره.

 3. وأخيراً، أي تفتت للمسؤوليات الكبيرة أو تقاسم للسلطة الفعلية التنفيذية في مجتمع قبلي مثل المجتمع الصومالي، بؤدي إلى تفتت ذاك المجتمع وتكوين محاور جذب وشدّ ، لأن كل قبيلة قد تحرض أو تحاول إقناع مسؤولها الأول في الحكومة  بأن رمزها في الدولة هو المتمثل بشخصه ولذا يجب إظهاره وعدم الخنوع لأوامر مسؤول آخر يمثل قبيلة أخرى في الدولة، ومن هنا يأتى الإصطدام والتناطح بين القبائل ومن ثم يضيع الوطن والشعب.

 ألا تظن أن النّظام الجمهوري يكرس الديكتاتورية وأن النّظام البرلماني هو الأقرب إلى الديمقراطية التي يحتاجها الشعب الصومالي؟

باعتقادي أن النظام البرلماني ليس وحده صمام الأمان للحيلولة دون تكريس الديكتاتورية وتغليب الحكم الفردي على الحكم المؤسساتي، بل إن أهم وأول وثاني وثالث ضمانة لتكريس النظام المؤسساتي غير الفردي تتمثل بالقواعد الدستورية القوية والصريحة التى تحدد الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها من قبل أي مسؤول مهما كانت قوة سلطاته واختصاصاته المنصوص عليها في الدستور، إضافة الى المجتمع الحضاري الناضج الذي يعرف ما له وما عليه ويدرك أهمية موقفه وتحركه لتشجيع المصلح إن أصلح أو لتقويم المفسد إن أفسد ودعت الضرورة إلى تقويمه. ومن هنا أرى أن القواعد الشرعية الدستورية أقوى من الأشخاص المتمثلين بأعضاء البرلمان لردع المتسلّط، كما أن مراقبة الشعب للمسؤول التنفيذى أقوى أيضا من مراقية بضع مئات من أعضاء البرلمان ولا سيما برلمان مثل برلمانات الصومال السابقة والحالية واللاحقة التى انتخبت وستنتخب على أسس عفا عليه الزمن مثل: المحاصصة العشائرية والجهوية والجبهوية لا على أساس الكفاءة والثقة والفهم والعلم والإخلاص للدين والوطن، وكم أدركنا هذه الأيام حقيقة همجية ووقاحة تلك الأسس القبلية التى بنيت عليها عضوية البرلمان الحاليين حيث إنهم محل سخرية لدى عامة الناس قبل النخبة حتى وصل الأمر لدرجة وصفهم كأنهم “جوال يحتاج منك شحناً فقط لتستخدمه، وكلما زدت رصيدهم زادت شعبيتك لديهم ” يا لها من خيبة أمل كبيرة .

  قلت أنّ دستور 1960م، هو الأنسب لأنه الأقدم، لكن الظروف وقتها لا تشبه هذه الظروف اليوم ولا يمكن أن يكون الشعب الصومالي هو نفسه في ذلك الوقت، والثورات تلغي ما قبلها، وذكرت مثياق امبغاتي، الذي يكرس الخلافات، ألم يكن من واجب هذه الحكومة انجاز الدستور الجديد كما هو مقرر وتعمل على بسط الأمن، ثم ما الفرق بين أفغانستان التي عاشت 30 عاماً من الفوضى والحروب والصومال؟ لماذا أمكنهم وضع دستور هناك ولا نحتاج إلى دستور؟

عندما قلت أن دستور 1960م، هو الأنسب كنت أقصد من كلامى هذا أنه هو الأنسب خلال المرحلة الانتقالية “مرحلة تحرير البلد” وإعادة السيطرة على جميع أجزائه، وإنشاء الأحزاب السياسة بدلاً من نظام “4.5” المتهالك، هذه المرحلة التى قد لا تزيد عن سنتين أو ثلاث سنوات بالكثير، ولم أكن أقصد ضرورة كونه دستوراً دائماً لنا، بل وأؤمن بضرورة وضع دستور جديد ولكن  بعدما تقوى شوكتنا ضد العدو وتكتمل مؤهلاتنا الإدارية والسيادية، كما أنه لا ضرر بإضافة بعض البنود الضرورية المرحلية إلى هذا الدستور ليتماشى مع هذه الفترة الزمنية ومع تفكير وحياة الشعب الصومالي الذي يعيش الآن في محيط عالم اليقظة الشعبية لا في محيط عالم الثورات العسكرية في الستينات التى أعادتنا عشرات العقود الى الوراء، وهذا أقل كلفة من هدر الوقت والجهد لوضع دستور جديد آخر لا يخلو من نفس العيوب التى أدت إلى رمي المواثيق “العرتية والإمبغاتية” في سلّة المهملات. أما فيما يتعلق بالفرق بيننا وبين افغانستان أعتقد أنه ليس هناك فرق يذكر، إذ أن دولة أفعانستان أيضاً ليس لها حتى الآن دستور بمعنى الكلمة أو بمفهوم الدستور العصري أو مقوماته  لأننا نعلم أن بعض الأقاليم الأفغانية مثل إقليم “هلمند ” لا تستطيع الحكومة أن تحرك فيه ساكناً، وأخبرنى مسوؤل صومالي عمل في أفغانستان مع منظمة الصحة العالمية أنه رأى بعينيه محاكم “طالبانية” في كابول العاصمة يتحاكم إليها الناس بدلاً من محاكم الحكومة لأن الشعب لا يثق بها، وبما أنه لا وجود لسيطرة فعلية للحكومة الأفغانية على أراضيها فكيف يمكن لها وضع دستور فعلي وموثوق به من قبل جميع الشعب؟ هناك برلمان مثل برلماننا ومجلس ” لويجرجا” مثل زعماء العشائر عندنا وحكومة رمزية مثل حكومتنا وبلد محتل من قبل الغرب والإرهابيين مثلما نحن ولا غير.          

 ختاماً يا أستاذ عبد الرحمن، شكراً لك على وقتك الثمين وآمل أنني لم أرهقك بأسئلتي ….

أشكرك أيضا على جهدك وأتمنى لك التوفيق والنجاح .

لقاء مع الصحفي عبد الفتاح أشكر


                           لقاء مع الصحفي عبد الفتاح أشكر

لم تتعدّ معرفتي بهذا الكاتب الصوماليّ مقالاته المتنوّعة على شبكة الصومال اليوم، فتجده تارة يحاور الأعلام أمثال اللواء علي إسماعيل والدكتور أحمد حاجي عبد الرحمن، وتراه مرّة ينقل لنا صورة مدينة شبه منسية – اسكوشبن- فيخيّل لنا أننا نعيش فيها، وأحياناً يرسل لنا تقارير عن أنشطة الحياة والأخبار من الوطن، ومرّات يشارك بمقالات تحليليّة عن مشكلة الصومال التي لم تشخّص بعد، ولا يقصر اهتمامه بالصومال بل بالمنطقة، ويطرح لنا صورة سباحة جنوب السّودان ضدّ التّيار … أردت أن أعرفه أكثر وأعرّف القارئ الصوماليّ به أيضاً فكان هذا اللّقاء:

 بداية أستاذ عبد الفتاح أشكر… عرّفنا بك، من تكون؟ أين نشأت؟ وكيف؟ وحدّثنا عن مسيرتك الأكاديمية؟

اسمي هو عبد الفتاح نور أحمد من مواليد عام 1984م، في مدينة مقديشو في مستشفى المدينة لأمومة والطفولة، من أسرة متوسطة الحال لأب عصاميّ – رحمه الله-  خطّط لمستقبله بنفسه حيث عاش طفولة كادحة، توصف بأنّها كانت حياة شاقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وارتحل إلى أرض السوفيت والمانيا من أجل اكتساب المعرفة والتّعليم الأكاديميّ، وفي نهاية المطاف أرست سفينة حياته في ميناء المؤسسات الدولية ومنظمات الغوث الإنسانيّ في مقديشو. وقبل انهيار الحكومة الصومالية بقليل التحقت بإحدى خلاوي القرآن في حي (مدينة) بمقديشو، بالتحديد في Booli_qaran ، عند المعلّم محمود القارىء الذي كان يعلمنا القرآن بأسلوب الصومالييّن المعروف – باللّوح وبالمداد- وفور انطلاق شرارة أزمة الصومال فاضت روح والدي إلى بارئها بعد أن أصابته إحدى الشّظايا مما أدّى إلى وفاته بعد أسابيع من إصابته بهذا.

ولجأنا كباقي الصوماليين إلى مدينة بوصاصو السّاحلية في شرق الصومال ولكن لم نلبث فيها كثيراً، حيث قررت أمي ان نلجأ إلى اليمن للدّراسة ولتوفير أساسيات العيش فيها، وأبحرت بنا إحدى السفن بعرض البحر المتلاطم الأمواج حيث شاهدت مناظر من معاناة بعض الصّوماليين على متن السفينة من حالات وفيات وإغماء. وتعرضت سفينتنا لعطل فنيّ مما أدّى إلى انقطاع المؤن عن السفينة. وقد بادرت قوات خفر السواحل اليمنية إلى إنقاذنا وإحالتنا إلى هيئات إنسانية والتي بدورها سجلتنا في مخيمات اللجوء في مدينة الشعب باليمن الشقيق.

وأثناء تواجدنا في مخيم “مدينة الشعب” انضممت إلى مدرسة إبتدائية وأنهيت في هذا المخيم الفصل الأوّل الإبتدائي والثاني، وبعدها نُقلنا إلى مخيم آخر وهو مخيم “مدينة الكوت” قرب مدينة أبين في إقليم زنجبار وتلقيت أثناء تواجدنا في هذا المخيم دروساً إضافية حيث كانت والدتنا تسعى جاهدة  لتثقيفنا، وكانت تتابع مستوى دراستنا عن كثب وكانت تزور معلم القرآن بصورة منتظمة للإشراف على سير تعليمنا.

وفي أثناء تواجدنا في هذا المخيم اندلعت الحرب الأهليّة اليمنيّة بين علي عبد الله صالح وعلي سالم البيض، وكان الحرب بينهما ضروساً استُخدمت فيها أنواع من الأسلحة الفتّاكة وتمّ قصف مخيمنا أكثر من مرّة وفررنا إلى الأدغال القريبة من المخيم مشياً على الأقدام وقضينا في العراء أسابيع وبعدها نُقلنا إلى مخيم “الجحيم”. وبعد جهود مضنية بذلتها هيئات الأمم المتحدة تمّت إعادتنا إلى الصومال بناءاً على رغبتنا.

وفور وصولنا إلى مدينة بوصاصو في نهاية عام 1994م، انضممت إلى مدرسة الإمام النووي الإبتدائية، وبدأت حفظ وتعلّم القرآن عند الشيخ العالم الربانيّ عبد الرحمن البخاريّ والذي لا أنسى حتى الآن حرصه على طلبته وحبه الشّديد لحفظهم القرآن وكان يوصينا كلما اقترب موسم الصيف بالانضمام إلى خلوة أثناء موسم الصّيف والذي تلجأ الأسر  فيه إلى المناطق المجاورة والأقل حرارة من مدينة بوصاصو الملتهبة في وقت الصيف، وإضافة إلى دراستي النظامية في مدرسة الإمام النووي كنت أجتهد للإستزادة العلميّة النابعة عن رغبتي الشّخصيّة، ولم تكن تصدر عن أحد من أقاربي ما عدا الوالدة التي كانت تراقبني وتتابع سير دراستي.

وأظهرت أثناء دراستي تفوقاً ملحوظاً في  فنون اللّغة العربية حيث كنت شغوفاً بقراءة ما يصدر بالعربية والاستماع إلى إذاعة بي بي سي العربيّة، وبدأت أنتظم عند الشيخ العالم الجليل عبد الحي يوسف في مسجد الرّحمة والذي كان يشجعني عندما أبادر بالإجابة عن أسئلته في قواعد اللّغة العربيّة. وأتذكر أنه كان يشرح يوماً المعرفة والنكرة ولتبسيط الفهم للطلبة استدل ببيت من الشعر ورد في كتاب العمريدي في النحو حيث يقول البيت:

آلة التعريف “أل ” ومن يرد      تعريف كبد مبهم قال الكبد

وسألنا اليوم التالي عن البيت فبادرت بالإجابة فشكرني ودعا لي، وكانت لي ميول للإعلام، حيث كنت أصدر جريدة أضواء المستقبل في عام 2001م، وكانت تجد رواجاً عند الطلبة وكان يدعمني أحد أعمامي، وبعدها أصبحت من مؤسسي مكتبة الإرشاد والتي كانت تصدر مجلة الإرشاد الثقافية وكانت تجد هي الأخرى رواجاً لا مثيل له عند الطلبة بحكم الجوائز التي كانت تعطى للطلبة عندما يجاوبون الأسئلة الثقافية الواردة في ثنايا المجلة.

وفي عام  2003م، سافرت إلى السودان وكانت رغبتي هي الالتحاق  بكلية الإعلام والصحافة وكان الجميع يتعجب عندما أقول لهم أريد الالتحاق بهذه الكلية إذ ان أغلب الطلبة يرغبون بالانضمام إلى الكليات العلميّة كالهندسة والطّب. وقدمت طلباً لجامعة إفريقيا العالمية وتم قبولي بكلية الإعلام وفرحت جداً بهذا القبول. ولم تكن دراستي للإعلام تقتصر على تلقّي الدّروس من الجامعة بل خضت العديد من الكورسات في مجالات الإعلام المختلفة من العلاقات العامة عند الملحق الثقافي الليبي بالخرطوم، والتّحرير الصحفيّ من وكالة الأنباء السودانية، والتصوير الإلكتروني من الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وإعداد البرامج التلفزيونية من تلفزيون الخرطوم.

 متى بدأت الكتابة؟ ولماذا تكتب؟

لا يمكن تحديد وقت معين، بل يمكن القول أنّ إرهاصاتها ظهرت في نهايات القرن المنصرم وبداية القرن الجديد، وشجعني الجمهور الصومالي والمحيط الثقافي والدراسي الذي كان يحيط بي على الكتابة، حيث كانوا يشجعونني ويثنون على موهبتي، فبدأت الكتابة في جريدة أضواء المستقبل ولكن كتاباتي في جريدة الأمل التي كانت تصدر من ملتقى الشباب الصومالي بالخرطوم وجريدة الوطن الصادرة من الاتحاد العام للطلاب الصوماليين تُعتبر البدايات الأولى في مضمار الكتابة.

وفترة إقامتي في السودان تعتبر فترة مشجعة ومحفزة وخصبة فكرياً، وهناك علاقة طردية بين الكتابة والقراءة بدأت أول ما بدأت بقراءة الروايات بدءاً من رواية (الشيخ والطاغية) للشيخ يوسف القرضاوي، وروايات بيار روفايل. ومن ثم بدأت قراءة الكتب الفكريّة والدينيّة ولازمت مكتبة الدار السودانية للكتب، وكلما سنحت لي الفرص كنت أزور المكتبات السّودانية لاقتناء كتب تروي غليل ظمأي للقراءة الهادفة، وكنت أشتري الجرائد والمجلات الصّادرة في السودان وخارجه، ومن حيث لا تدري ترى نفسك وقد تناولت القلم لتسطر مقالاً بمفعول الكتب والجرائد التي قرأتها. وكنت أكتب في جريدة الخرطوم وكانت لي زيارات للصحفيّ الكبير صاحب جريدة الوطن السيد خليفة وصاحب عمود “صباح الخير يا وطن” وتناقشنا كثيراً حول كتبه منها كتابه من (كوبر لسجن)، وعاش في الصومال سبعة عشر عاماً وجمع عن منطقة القرن الإفريقي معلومات قيمه ومفيدة رحمة  الله كان شفافاً وصريحاً لا يخجل بأن يحدثك عن حبيبته عائشة والمغامرات التي عاشها في الصومال.

وأكتب لأجل التنفيس عن المشاعر التي تختلج في صدري وعدم البوح بها بأسلوب كتابي يعتبر كبتاً واضحاً وجلياً للمشاعر، فتشجيع ثقافة الكتابة والحد من أسلوب المشافهة لعرض الأفكار والأراء تساهم في بسط السلام وسط المجتمع الصومالي وتقلل من الأزمات، فكلما توغل الإنسان في عالم الكتابة الواسع الرحب يكتشف الكثير من التجارب وتدفعه إلى معرفة الكثير من الكتّاب وقراءة خلاصة تجاربهم الإنسانية وهذا ما يجعلك هادئاً وميّالاً لحلّ القضايا بعيداً عن العنف والغوغائية.

ومن تبنّى قلمك شجّعك على الكتابة؟

موقع الصومال اليوم يعتبر هو الموقع  الذي احتضن مقالاتي والأستاذ محمد عمر أحمد -أطال الله عمره- من الشخصيات التي تأثرت بهم في عالم الكتابة ولا أنسى فضله ما دمت حياً، يفيدني دائماً بخبرته الطويلة في مجال الكتابة والتدريس، وأخبرني بأنه كان يكتب في بداية التسعينات من القرن المنصرم فكتابته ليست وليدة انطلاقة موقع الصومال اليوم، كثيراً ما يصوّب كتاباتي ويضيف إليّ من خبرته ويصحّح مقالاتي ويشجعني دائماً، ويتّصل بي ويقول لي أقترح بأن تجري حواراً مع شخص نتفق أنا وأنت بمساهمته الفكرية على السّاحة الصوماليّة، ويدربني حتى الآن وكثيراً ما يتواضع ويجعل نفسه في صف طالب علم مثلي وينأى بنفسه عن أي لقب يصدر مني من باب الاحتفاء به، لكنني أعتبره أستاذي ومعلمي في مجال الكتابة  وأذكر قبل فترة قليلة من الآن أن اتّصل بي وبأسلوبه المعهود أخبرني بأن أغير من نمط كتابتي شيئاً حيث أرسلت للموقع مادة كانت عبارة عن جمع آراء عينة من المثقفين الصوماليين حول أثر الثّورات العربية على الصومال، وفي خضم  المشغوليات اليومية أرسلت المادة بسرعة ولم أنتبه لوجود أخطاء لغوية فيها خاصة بالمهارات الكتابية من تنصيص وفواصل واستخدام الأقواس، المهمّ نبهنّي، لكن بأسلوبه الأخويّ اللطيف، والذي لا تشعر معه بأيّ حرج، ويحب اكتشاف مواهب شابة تقدر على حمل أمانة القلم.

الاغتراب سمة لازمة للسّواد الأعظم من المثقفين الصوماليين. فماذا علّمتك الغربة؟

نعم، الاغتراب سمة واضحة ولازمة للصوماليين، حتى أنهم أصبحوا قوة سياسيّة واجتماعية وثقافيّة، وظهر إلى الوجود مصطلح  Diasporaوجُلّ السّياسين الصوماليين في الوقت الحاليّ من هذه الفئة. قد نقول أن تمتّعهم بالجنسيّة المزدوجة أو مستوياتهم الأكاديمية العالية فرضتهم كقوة لا يستهان على المجتمع ويتّحدثون باسمه، فانهيار الحكومة المركزية أدّت إلى اغتراب قسم من المجتمع الصومالي  عن الوطن، فبقدر تداعيات الاغتراب السّلبية على المجتمع الصومالي، كانت هناك تداعيات إيجابية منها حملهم لثقافات وتجارب الأمم ويمكن الاستفادة من تجارب المغتربين في بناء صومال متعدد الأراء والأفكار.

وعلمتني الغربة دروسا كان يصعب علي استيعابها إذا ما كنت مقيماً في تراب الوطن لأجل هذا قلت ان للغربة إيجابيات كثيرة علينا نقلها إلى الصومال فالغربة لها فوائد كثيره كما قال الإمام الشافعي في بيته الشعري: اغترب عن الأوطان : ففي الغربة لها خمس فوائد

تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِيْ طَلَبِ العُلَى     وسافِرْ ففي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِـدِ

تَفَرُّجُ هَـمٍّ، واكتِسَـابُ مَعِيْشَـةٍ     وَعِلْمٌ ، وآدابٌ، وصُحْبَـةُ مَاجِـدِ

هل تعيقك القيود المذهبيّة، أو الرأي العام السّائد من تقديم مقالات قد تصطدم به؟

نعم تعيق القيود المذهبية أو الرأي العام السائد من نشر مقالات أو دراسات خوفاً من أن تصطدم مع  المجتمع، أعرف شخصياً كتّاب صوماليين لا يستطيعون المجىء إلى الصومال بعد نشرهم مقالات وكتابات يرى البعض بأنها معارضة لأفكارهم وتوجّهاتهم الإيدلوجية، على الأغلب لم يتلقّوا أيّ تهديد من جهة معينة بتصفيتهم جسدياً، بل عقدة الخوف من المخالفة تؤدي أحياناً إلى تبني اعتقاد لدى الكاتب بأنه مطلوب جسديا، ويمثل خصماً لدوداً لجهة معينة، وهو ما كرّسته بعض الممارسات عند المجتمع الصومالي. والأجدر أن لا تؤدّي المخالفات الفكريّة والتّوجهات إلى إقصاء المخالِف بل أعتقد أن تنوّع الأفكار هو سرّ الوجود وبقاء الأمم، وعلينا أن نؤمن أنّ الاختلاف هو سمة التعافي الأساسية وبها تقاس سلامة الأمم من الآفات والتبعية، ومهما اختلفنا فلابد أن نجعل أجسادنا حيادية كما يقول الكاتب والمفكر السوري د.خالص الجلبي.

 بمن تأثرت في مسيرتك ككاتب شاب؟

تأثرت بالكثيرين في مجال الكتابة منهم شخصيات صومالية وأخرى غير صومالية، تأثرت أول ما تأثرت بأسلوب كتابة هاني النقشبدني في مجلة النيوز ويك الإسبوعية ومجلة سيدتي، وتأثّرت بأسلوب كتابة الشيخ محمد الغزالي، وخالد محمد خالد حيث يتمتعان بسحر بلاغي فريد ويحلقون بك في عنان سموات الإبداع، وتأثّرت كذلك أسلوب أنيس منصور وخالص جلبي حيث كنت أقنتي بصورة منتظمة أعداد مجلة المجلة وكنت أقرأ عموده المعنون بالعوالم الثلاثة وهو الكاتب الوحيد الذي أتباع مقالاته حتى الآن حيث أنّني عضو في مجموعة مراسلاته الدّائمة، وتأثّرت بأسلوب كتابة بعض كُتّاب الأعمدة السّودانيين أمثال صاحب عمود /شهادتي لله/ الشاب الهندي عز الدين وصاحب عمود الأكثر قراءة في السودان /حديث المدينة/ المهندس عثمان ميرغني وصاحب عمود /زفرات حرى/  المهندس الطيب مصطفى. وزكريا بشير إمام صاحب المؤلفات الشيقة والقيّمة في عالم الفلسفة وتعجبني كثيراً النظرة الفلسفية البعيدة للحياة والغور في عالم الفلسفة التي هي بالمقام الأوّل عقلانية والتمركز حول التنوير العقليّ, والكاتب العالمي صاحب عمود الأخيرة في مجلة المجلة والذي كان يتناول الصومال في كثير من الأوقات بأسلوب أدبيّ رائع ويتحدث من مفاتن جمال طبيعة الصومال. ولا زلت أكتشف يومياً أقلاما عالمية وعربية في مجال الكتابة.

  لماذا لا نرى أقلاماً نسائية صومالية تساوي أو تقارب الأقلام الرّجاليّة؟ وما هي العراقيل  التي تعترض طريقهن؟

المجتمع الصومالي من المجتمعات الشّرقية التي لا تعطي للنساء حقّهن ويتعرضن كثيراً لهضم حقوقهن.  أنّ الكتابة النسائية  في العالم العربي  قطعت شوطاً لا بأس به، إذ كنت أقرأ بنهم لعائشة بنت الشاطىء صاحبة كتاب زوجات الرسول، ولزينب الغزالي صاحبة كتاب أيام من حياتي، وهبة عزة روؤف المحاضرة في جامعة القاهرة، وأقلام نسائية كثيرة من السودان، إلا أننا في الصومال لم نجد أقلام نسائية توازي أو حتى تُقارب تلك الأقلام ما عداك أنت والأخت الفاضلة فاطمة الزهراء وقليلات أخريات. وعزوف النساء عن الكتابة يعود إلى طبيعة مجتمعنا المحافظ والمتطرف في اليمينية حتى في هذه المجالات.ويفرحني بشدة وجود بنات كاتبات إلى جانب الرجال.

  أجريت لقاء مع رمز من الرموز الفكريّة في الصومال هو د. أحمد حاجي عبد الرحمن، فكيف ترى تأثير الشيوخ على الأمم عامّة، وعلى الصوماليين خاصّة؟

العلماء والشيوخ لهم تأثير واضح على الأمم، وكما تعلمين فإن المجتمع الصومالي ينتسب إلى الإسلام بنسبة تبلغ 100%، لذا يصبح صوت العلماء مدوّياً في آذان المجتمع الصومالي ولا يخفى عن الأنظار دورهم الإيجابي .

 تناولت في إحدى مقالاتك مسألة تحسين الإعلام الصومالي. كيف ترى دور الإعلام في تكوين الرأي العام الصومالي؟

الإعلام مهنة من لا مهنة له في الصومال وهو عنوان مقال للأخ زكريا، المحرر في موقع الشاهد الإخباري, وحقاً أصبحت مهنة الإعلام بيد من لا يمتلك الرصيد المعرفي الكافي والخبرة العملية المؤهلة، فتسمع تحليلاً سياسياً عند قضية معينة يعتقد معدّه بانها مادة دسمة توقظ الرأي العام الصومالي وهو ومن حيث لا يدري يصب الزيت على النار. فالإعلام عندما يمارس نشاطه في الصومال لابد وأن يكون له أهداف وأولويات، وعلى الإعلامي والمؤسسة التي يعمل لحسابها أن تنظر ما هي الحاجة الخبرية للمجتمع الصومالي؟ هل أتناول القضية من منظور سرد الأخبار وتقصي الحقائق على الأرض؟ أم اتناول من باب الحذر من الفتن والوقوع في شرك الاقتتال الداخلي؟ هنا تظهر براعة الصحفي والمؤسسة كيف توفق بين ذكر الحدث ومن ثم استضافة علماء الدّين والشيوخ ليحذّروا من الفتن وأن دم المسلم غالٍ ولا  يجوز التّهاون من شأنه، وللوصول إلى هذا المبتغى لابد من وجود كادر مؤهل ومعد إعدادا جيداً وأكثر ما يميز الصحفي هو مدى إطلاعه وثقافته إلى جانب تحمله وصبره فسأل الصحفي الكبير المرحوم حسن ساتي عن ما هو المطلوب من الصحفي ؟ فأجاب: “بحسب خبرتي أوصي بأن يقرأ الصحفي خمسة كتب في في كل شهر” لأن الإعلامي مسوؤل عن عقل المجتمع فكلما كانت السطحية بادية على الصحفي كلما كان شعبه جاهلاً وغير واعي، فمهنة الصحافة تتمتع باحترام غالباً عند بعض الشعوب حيث تجد من يصفها (بجلالة صاحبة البلاط) وتجد من يصفها إيضاً (بمهنة المتاعب) إلا أنها في الصومال لا تلقى الاحترام المطلوب.

 في وجود مواقع صومالية ناطقة بالعربيّة، برزت عدّة أسماء شابّة، متباينة الرّؤى، فكيف  ترى مستقبلها؟ وهل هذه ظاهرة صحيّة أم لا؟

بالطبع وجود أقلام شابة تعتبر ظاهرة صحية ومؤشر تعافي المجتمع فكرياً، وخاصة إذا ما استمر الوضع  على ما هو عليه الآن واجتهد الجميع لانتشال قلم صومالي مجهول له مساهمات مثلاً في مجلات الحائط في المدارس أو له مذكرات شخصية يجمعها في دفتر مذكراته اليومية، وكثيراً ما تنتاب الكاتب المبتدئ فوبيا من الكتابة في المواقع والمنتديات الكبيرة، لذا علينا المساهمة بقدر الإمكان في بعث هؤلاء وتشجيعهم وتصحيح كتاباتهم، وبتعاقب الأيام والسنين نجد أنفسنا وقد حظينا بأعداد هائلة من الكتّاب في الصومال، وحينها تقدر ككاتب أن تقوم بالاستفزاز الفكريّ من باب تحريك المياه الراكدة، أما الآن فكثيراً ما تذهب صرخاتنا أدراج الرياح دون أن تلامس شعور الآخرين، لأن الجميع لم يتعوّدوا على سياسة الحوار الكتابي _والتي تعني_ الهجوم والهجوم الكتابي المضاد. وبين ضربات اتجاهات الفكر المعاكس تخرج أنصع الأفكار وأجملها.

 نشكرك على منحنا هذه الفرصة على الغوص في عالمك…! 

لقاء مع فاطمة الزهراء علي شيخ أبو بكر


تزدان المواقع الصومالية النّاطقة باللغة العربية بالأسماء الشّابة الموهوبة التي أثبتت جدارتها ولمست أقلامهم الجراح التّي طالما تجاهلنا أنّها آلام، أقلام أعادت لنا الإيمان بأن للصومال قلب حيّ ، وفتحوا لنا طاقة أمل.. منهم الأستاذة الكاتبة فاطمة الزهراء بنت عليّ شيخ أبوبكر. هذه المقابلة من نوعٍ خاص، مع فتاة من طراز خاص، فجاء اللقاء شيّقاً… فقد طرحت هذه الأسئلة :

1-  أخت فاطمة الزّهراء... أتسمحين لنا باختلاس النّظر لبطاقتك الشخصيّة؟

2- كيف اكتشفت موهبتك؟ ومنّ أوّل من شجّعك؟

3-  هل تذكرين أوّل ما كتبته؟ ومن كان أوّل قرّائك؟

4-  أنت ابنة أحد أبرز المثقفين الصوماليين، ورئيس جامعة مقديشو، إلى أيّ مدى تأثرت به؟

5-  حدّيثنا عن تجربة نشر كتابك ” السّياسات الأمريكية تجاه الصومال( 1960-1991″، هل واجهتك صعوبات؟

وماذا كان شعورك وأنت ترين كتابك؟ وهل كان الكتاب الأول؟ وهل تُعدين لنا كتاباً آخر؟

6-  أنت ممن نشأ في الخارج،  فماذا أضافت لك الغربة ؟

7-    ذكرت أنّ مقديشو أحبّ مدن الوطن إلى قلبك، وتحدثت عنها في أكثر من موضع، فماذا أعطتك؟ وماذا تعلّمت من

إقامتك فيها؟

8-  نرى أحياناً ردوداً وتعليقات غريبة أو مستفزّة على مقالاتك، بم تفكرين حين تطالعك تلك الردود؟

9-  أخت فاطمة… كيف ترين العلاقة بين المثقفين الصوماليين؟ هل هي علاقة تعاون وعمل مشترك؟ أم علاقة

تنافسية؟ أم ماذا؟

10- يعتب بعض المثقفين الصومالين على الإعلام العربي ويشيرون إلى عدم الاكتراث بالقضية الصومالية، فما

السبب؟ أهو تقصير من الإعلام العربي؟ أم هو ذنب الصومالي الذي لم ينحج في إيصال صوته؟ أم أنّ هناك أسباب

أخرى؟

11- ما هي الرّسالة التي توجهينها للشباب الصومالي المتعّلم؟11-

12- ما هي أحلامك وطموحاتك؟

فكانت إجاباتها هكذا …

صومالية أنا..أجواء مدينة الحبيب المنوّرة أول ما استنشقته من هواء الدنيا..عليه صلوات ربي وسلامه..درست الإبتدائية والإعدادية في الرياض، بالعربية السعودية..في حين أكملت الثانوية الأدبية في مقديشو..ودراستي الجامعية كذلك.

التاريخ والحضارة الإنسانية هو تخصصي الذي تخرجت به في جامعة مقديشو..أما آخر محطة دراسية نظامية لي فقد كانت في الخرطوم..حيث نلـت الدبلوم العالي ودرجة الماجستير من جامعة النيلين في العلوم السياسية..وإن كنت أؤمن أن طلب العلم لا يقاس بالشهادات فحسب..ولازلت أتعبد في محراب العلم..!

بدأت الكتابة في المرحلة الإبتدائية..ضمن مواضيع الإنشاء في المنهج الدراسي..وتتطورت إلى كتابة خواطر ومذكرات في المرحلة الإعدادية والثانوية..ممتنة أنا في المقام الأول لوالدي الحبيب الذي حفّز فيني القراءة والكتابة في سـنّ صغيرة..وغرس فيني حبّ العربية الفصحى..والإعتزاز بها كجزء لا يتجزأ من اعتزازي بهويتي الإسلامية..

لازلت أتذكر كيف كان يخصص لي وقتا أسبوعيا من جدوله المزدحم بالأعمال لنقرأ سوية كتابي الرافعي: من وحي القلم.. وتحت راية القرآن.  كتابان قيمان..زاخران بروائع العربية وكنوزهما..ومدينة لهما بالكثير حتى اليوم..ولكل كتاب عربي جميل قرأته ذات يوم.

وأتذكر جيدا..وبامتنان عظيم تلك العادة التي ابتكرها أبي لتصحيح قراءتي العربية..وظل مداوما عليها حتى وصلت للصفّ السادس الإبتدائي..وهي أن أقرأ عليه  بصوت عال وبصورة عشوائية مقتطفات من منهجي الدراسي..ومن شتى المواد بما فيها المواد العلمية..فيصحح لي ما أنطقه خطأ من المفردات..وساعدني ذالك على تكوين حسّ سماعي جيد للعربية في صغري..رغم أنني لست ضليعة في فنّ النحو والإعراب..وهو أمر كان يحرص والدي أن يبقيني بعيدة عنه..إلى حد ما! إيمانا منه أن حفظ القواعد المجردة وتسميعها فقط لن يخدم عربيتي..وهذا ما أدركته لاحقا !

في المرحلة الثانوية بدأت أكتب في مجلة حائطية في مدرستي..وتابعت الكتابة بعد أن التحقت بجامعة مقديشو..ونشرت بعض القصص القصيرة في نشرة الجامعة..وكنت أنشرها أيضا في مجلة “الأمة” التي كانت تصدر من مركز القرن الإفريقي للدراسات والإعلام (هاجس)..بالإضافة لبعض المواضيع الإجتماعية والسياسية..وإن كان تركيزي في تلك المرحلة منصبا على القصة القصيرة.

حاليا أكتب بصورة منتظمة في موقع الصومال اليوم..وأغتنم الفرصة هنا..لأعرب عن شكري العميق لأخي الفاضل محمد عمر الذي فتح لي برحابة صدر أبواب شبكة الصومال اليوم..وأتاح لي فرصة التواصل مع جمهور واسع من قراء العربية الصوماليين..الذين أكـنّ لهم كل الاحترام..اتفقت معهم أم اختلفت.

كما أكتب في موقع الجزيرة توك..وأنشر كتاباتي في مدونتي “ينابيع” وفي الفيسبوك..الذي وفر لي مناخا رائعا التقيت فيه بأقلام عربية..صومالية..وغير صومالية..جميلة بكل ما يعنيه الجمال من معنى..و أقرّ هنا أيضا أنني تعلمت منهم الكثير ولا أزال..وقد أتحدث عنهم جميعا بشكل مفصل في وقت آخر..بإذن الله.

أما كتابي: السياسات الأمريكية تجاه الصومال (1960_1991)..فقد كان في الأصل البحث الذي تقدمت به لنيل درجة الماجستير في العلوم السياسية..من جامعة النيلين..لم تواجهني أيّـة صعوبات في طباعته في القاهرة..أو نشره..وأفكر في إصدار الطبعة الثانية منه..مع بعض الإضافات إن شاء الله. هو كتابي الأول..ولا يوجد حاليا على الطاولة الكتاب الثاني !

الكتاب يتحدث عن المؤثرات الداخلية والخارجية التي شكلت سياسات واشنطن تجاه الصومال في حقبة الحرب الباردة..وكيف أدارت الحكومات الصومالية حينها العلاقة مع أحد قطبي الصراع العالمي آنذاك..هو محاولة لبحث مكامن الخلل والقصور..استغرقت في جمع معلوماته وكتابته ما يزيد على العامين..حاولت كثيرا ألا يكون فضفاضا..غارقا في السرد الذي يعيد نفسه..وبالرغم من دسامة الموضوع وقلة المصادر التي توفرت لي..لكنني أعتقد أنه يمثل بالنسبة لي بداية مشجعة..وتجربة سعدت بخوض غمارها..

موضوع العلاقات الأمريكية الصومالية بصورة عامة هو من ضمن المواضيع التي ما تزال بحاجة للمزيد من الأبحاث والدراسات الفاحصة..بعيدا عن العواطف المنجرفة يمينا أو يسارا !

وبالإضافة لوالديّ العزيزين..فأحب أن أشير إلى التشجيع والدعم الذي تلقيته من أستاذي الفاضل الدكتور عبدالرحمن معلم عبدالله (باديو) منذ اللحظة التي اخترت فيها الكتابة عن الموضوع..وحتى أتممت طباعته.

الإغتراب عن الوطن..والعيش خارج أسواره مكلف جدا..لكنه ككل شئ في الحياة له إيجابياته وحسناته التي قد لا تتوفر لدى من أمضى  حياته داخل وطنه وبين أهله وبني جلدته.

أنا شخصيا.. أستطيع أن أقول أن أيام حياتي التي عشتها في السعودية بكل محطاتها وذكرياتها وأفراحها وصدماتها ساهمت بصورة كبيرة في تشكيل وعيي الإنساني بصورة عامة..والوطني بصورة خاصة..ولا أنكر أنها قذفت بي في وجه تساؤلات ربما كان بعضها أكبر حجما من عمري آنذاك..وسببت لي قلقا معرفيا أو سلوكيا أحيانا..لكنها منحتني إلى حد ما نضجا..لست متأكدة من توفره لي فيما لو لم أعش تجربة الاغتراب تلك!

وأودّ أن أنبه هنا إلى دور الآباء والأمهات في رفع سقف مناعة أبناءهم في الغربة من بعض الصدمات التي تعترضهم بين الفترة والأخرى من ناحية..ودفعهـم نحو الانفتاح على الآخر بأريحية وإيجابية ودون تكـلف أو انعتاق ذميم من هويتهم..

مقديشـو تعني لي الكثير..فهي أول بقعة وطأتها قدماي من تراب الوطن الغالي..إثر انتقالي إليها مع عائلتي..هي اللقاء الأول مع حبيب..لم أفطم من هواه..وستظل محتفظة بمكانها الأثير في فؤادي!

لن أقول أنها كانت كما تمنيتها حين التقيتها أول مرة..لكنني أرى جمالها يتسلل من بين تلك الغيوم السوداء التي تحيط بأجوائها..هي المدينة التي لا تعترف بالموت..شئ في داخلها يرفض أن يخبو بالرغم من كل شئ..

ما كنت لأكون أكثر سعادة لو أنني أتممت الثانوية والدراسة الجامعية خارج وطني..وفي أرقى المؤسسات التعليمية العالمية! وحين تتسع الدهشة في عيون من أقابلهم هنا وهناك..وأخبرهم أنني تعلمت في وطني..وتحـت دويّ حرب مسعورة بين أشقاء فقدوا عقولهم منذ زمن..أدرك أن مقديشو لم تمـت..ولن تموت بإذن الله !

مقديشو..وأهلها الطيبون الذين غطت وجوه الحرب القبيحة طيبتهم وجمالهم..أعطوني الكثير..ولا زالوا يعطونني بسخاء..أدرك معه أن لي وطنا أفخر به..وأنتمي إليه..وأحمد ربي عليه!

المثقف الصومالي هو أولا جزء لا يتجزأ من مجتمعه..وبالتالي فإن حديثنا عنه بمعزل عن السلبيات أو الإيجابيات التي تواجه مجتمعنا هو حديث ناقص.

ولذلك فأنا لا أستغرب كثيرا من التعليقات التي تكون خارج النصّ أو غير لائقة أدبيا..والتي قد يكتبها البعض تعليقا على ما أدونه أو يدونه غيري..بل إنني أحيانا أتلقى على بريدي الإلكتروني رسائل غريبة وصادمة..وأعذر كل من كان ذالك نهجه..فكـلّ إناء بما فيه ينضح!

وللأمانة، فلابد أن أذكر أن حجم التعليقات غير اللائقة التي تصلني بصورة أو بأخرى قليلة..مقارنة بتلك التي – حتى وإن اختلفنا عميقا في وجهات النظر-  تبدو مرتفعة السقف أخلاقيا.

غير أنني ألاحظ أن تغييرا إيجابيا يحدث في المواقع الصومالية عموما..وأن البعض صاروا يتجهون إلى الاحترافية والموضوعية حتى في الردود النقدية..وإن كان الأمر يسير بخطى بطيئة..

نحن بلا شك بحاجة للمزيد من التجارب الحية..المتمرسة على الموضوعية..والتي ترى ذالك الخط الرفيع الفاصل بين الإسفاف والتجريح والنقد البناء ومحاولات التصحيح..الأمر الذي سيرتقي بكتاباتنا وحواراتنا حول قضايانا المختلفة.

أمامنا – نحن الشباب الصومالي المثقف – تحد صعب..وامتحان عويص..

بعيدا عن الحديث بحرقة عن أوجاع الوطن..وهمومه في الداخل والخارج، ماذا سنترك وراءنا من آثار تدل على أننا لم نكن فقط رقما يحسب في قائمة الباكين الشاكين من أبناء الوطن ؟

المبادرات العملية الملموسة..والمحسوسة على أرض الواقع..هل نحن أهـل لها؟ كمـا أثبت شباب تونس ومصر أنهم أهـل لها؟

نحتاج لقلوب تعترف صدقا بالجمال والحياة..وسواعد قوية..وعقول مفكرة..وهمم تناطح السحاب..نحتاج إلى الكثير الذي لا تجمعه العبارات..ولا تصفه الأقوال..فقط الأفعال هي من ستكون سيدة الموقف!

أما عن التقصير في طرح قضايا الصومال في الإعلام العربي..بل والعالمي..فأنا لست ممن يحبون توزيع اللوم والاتهامات..وأعتقد أن علينا أن نعتـرف بأننا لم نحسن تسويق قضايانا كما يجب..حتى الآن !

أما أحلامي وطموحاتي..فربمـا نتطرق إليها بعد حين بإذن الباري.

الشكر كله لك أختي سمية.

تنويه: اعتذرت الكاتبة عن الإجابة عن بعض الأسئلة فحذفت تلك الأسئلة

شكراً لك أختي الكاتبة فاطمة علي شيخ أبوبكر على هذا اللقاء الشائق …