>درب الأحلام … قصة أخرى !!


>


ما بين وجع الحب ووجع الفراق أكتوي، أدركت بعد غياب طيفك وراء زحام ركاب القطار السريع أنني من غيرك حتماً سأضيع في كوالا لمبور. جلست على أحد المقاعد الحجرية وأخرجت منديلي أنتخب دون أن أعبأ بمن سيراني في لحظة ضعف. لعل أجمل ما في هذه المدينة تلك اللامبالاة العميقة التي يواجه بها الناس غيرهم وذلك البرود المتأصل، وهذا ربما ما دفعني للانهيار في مكان عام، أوازن ما بين القهر الذي أورثه حبك في أعماقي، وبين جرح فراقك والوحدة التي سيخلفها غيابك.
في دنيا حبك كنت أميرة مدللة، تحظى بكل أنواع الغنج الممكن، أحسد نفسي على شاعري الذي لا ينشد الشعر سوى في حضرتي، ولا يغني طرباً إلا حين نلتقي، في عالم ورديّ عشت…صحيح..لكنه كان محض خيال. أردتك أن تحبني على الملأ، أن تأخذني إلى الملاهي وأعود طفلة وأمرح… وأمرح…وأمرح ، حلمت أن نقيم حفلاً أسطورياً يلائم مزاج أديبة وجنون شاعر… لكنّك رغبت في عيش الأسطورة وبقاء قصتنا بين دفتي كتاب، وعلى طاولة مطاعم المدينة النائية. فرق كبير بيننا يا شاعري، المرأة في داخلي تأبى إلا أن تكون امرأة لها عنوان وأطفال ورجل تريح رأسها المتعب على كتفه، رجل تتشاجر معه ويصالحها، لا شاعر تجرحه أبسط التعليقات ويعيش وهم جمال حياة الوحدة.
ستغدو أيامي بعد فراقك خاوية يا شاعري الجميل، لن أسهر على ضوء الشموع وصوت القصيد، ولا على أوتار عازف في أقصى ركن في كوالا لمبور، سأشتاق لك، وكلما انحشرت بين الزحام في قطارات المدينة سأذرف دمعة على مشاويرنا التي لن تتكرر، الآن أدرك خيبة من يمشي في درب ظنّ أنها تؤدّي إلى أحلامه ليكتشف فجأة أنّه ضلّ الطريق ولم يعد يجدي العودة للبحث عن الدرب الصحيح… هذا ما يسمّى بالتيه!!! وأنا تهت ..تهت وأنا على علم بأنني قطعاً سأجد الطريق إليك، وكلّما عنّت قصيدة ما على خاطرك… ستكتبها على وقع ألم الفراق، وستبحث عنّي … لألهمك كما كنت تقول دوماً… وربما ستكون البطل الأوحد لرواياتي وقصصي وبأسماء وأشكال تختلف عن بعضها البعض، وستجمعنا المطارات ومحطّات القطارات، نحن اللّذين لم يعرفا الاستقرار يوماً!

تموز 2009، كوالا لمبور 
تمت
Advertisements

>على الشرقة المنسيّة !!


>

الشرفة المنسية
على هذه الشرفة المنسية أنسى أنني وحيدة تماماً وأنني أعيش على هامش الدنيا، أحمل بين ضلوعي همّ جيل أو جيلين وفي العين دائماً دمعة ضلتّ طريقها، أجلس وبين يدي فنجان قهوة بدأ يبرد وأمامي حاسوبي المحمول أتصفح مواقع الأخبار وآخر التقارير، ولا أَمَلُّ من الدّهشة أمام الزيف والازدواجية التي تسود العالم، وأعود باستمرار إلى شرفتي المنسية أطلّ على وجوه الناس السائرين على عجالة، والضائعين مثلي ربما، لا يملكون سوى التمتمة في أعماقهم بهموم صامتة ولا يجدون أصدقاء ينصتون لهم، أغيب وأغيب ثم أعود …ولا أملّ.
هذه البقعة التي اعتبرها اكتشافي الشخصي بامتياز، وحدي أجلس هنا، أبكي بصمت عندما أعود لقراءة الايميلات القديمة لأحباب أصيبوا بفقدان ذاكرتهم العاطفية، ونسوني تماماً، ذات يوم بينما كنت جالسة في شرفتي المنسية تلقيت اتصالاً غريباً من الوطن، كان الصوت قاسياً والخبر صاعقاً :” أنت يا من تستمعين باستنشاق هواء الكفّار … سأزفّ لك خبر استشهاد شقيقك المجاهد عبد الله حسين.”
شعرت وكأني أطعن في الصميم، للحظة شعرت أني استفيق من كابوس، أردت أن أنهض  من مكاني ولكني شعرت بأطرافي ثقيلة، وظل هاتفي يرن، أنظر إلى أسماء المتصلين، أبي …أمي… شقيقتي، ابن أخي الأكبر، زوجي، أصدقاء العائلة، ولا أقدر على الرّد، حجزت للتوّ على متن الطيران القطري ورتبت لرحلة لأرض الوطن لأصطحب شقيقي الأصغر الذي لم يتجاوز العشرين لأعيده لأحضاننا، ألحّت عليّ أمي لأخوض هذه المغامرة لإنقاذه من موت محقق، وعلى باطل بيّن!
أذكر بحزن ومرارة روحه المرحة وبراءته و ضحكاته التي طالما أضاءت وجهه الأسمر الوسيم، أحسست بدموعي تحرق خديّ ووضعت رأسي على طاولة الشرفة وطفقت أبكي، ماذا سأقول لابنتي الصغرى التي تعشق ملاعبته لها، كيف أعزّي صديقته الصغيرة الجميلة مريم؟ كيف سأعزّي أمي التي لم تقرّ عيناه برؤية ابنها الأصغر يكبر ويكوّن أسرة، أذكر كيف توسّل لي لأقنع والدي بالسماح له بزيارة الصومال قبل تخرّجه، أخبرني أنّه سيجري بحثاً ميدانياً هناك لأجل العلم، لم أشكّ للحظة أنه سيرافق أولئك الضّالين ويكون عضواً في حركة الشباب المنحرفين!
لشرفتي المنسية خصوصية سمحت لي بالبكاء كما أشاء على مقتل أخي الذي لا أدري ماذا قالوا له لينصرف عن عائلته ودراسته ويتجّه للتدمير والانتحار والقتل؟ أيّ قوم هؤلاء الذين اغتالوا فرحتنا بهذه الطريقة البشعة. عدت أدراجي إلى منزلي غير قادرة على السيطرة على دموعي الحارّة، وقلبي يردد: سامحه يا رب!
وأفكر بالصوت الكريه الذي نقل لي خبر مقتله بتلك القسوة وذلك البروة. المشكلة ماذا أقول لأبي؟ ماذا أقول لهم وأنا من أقنعهم بالسماح له بالعودة! سامحوني يا أهلي … سامحني يا عبد الله وغفر الله لك!
16 آب 2009