Afgoye

Afgoye2

باكراً جداً بدأنا التحرك في طريقنا الطويل تجاه المدينة الخضراء، في تلك اللحظات كنت متحمسة لأن تسرع بنا السيارة ونتجاوز أميالاً لنصل أفجويي.
في الطريق التقينا بشباب بزي العساكر حاملين البنادق يوجهونها أينما شاؤوا قلت بلاوعي:
“كم أكره تلك الآلة وكأنها تقول لي ليس ببالي بل لست على إستعداد أن أختفي من حياتك لوقت طويل أريحي رأسك!”

وكان السائق يهدئ من روعي قائلاً بأنهم فقط يفتشون السيارات العامة، أو لعلهم يطلبون منهم مالاً!

زينب صديقتي تقول وعلى وجهها تعابيرُ إندهاش

“مررت هذا الطريق لمّا كان بيد حركة الشباب التي زعمت الجهاد واليوم ليسوا هنا، ألم يقل الله (وتلك الأيام نداولها بين الناس)”.

صديق آخر علق

“لو كانت لي سلطة كنت أقتل جميع من إرتكب جريمة، وأخطأ بحقنا وبحق الوطن وبعدها كان الجميع سيأخذ علماً بأن لا يستطيع أحد أن يفعل شيئاً هنا ويفلت من العقاب”.

رد السائق ساخراً:
“ومن منا لم يرتكب خطأ ما أو جريمة، في هذا الحال ستضطر أن تقتل الجميع”
.
نحن محترفو سياسة، هي هوانا، عادتنا اليومية، أي شيء في الشارع والبيوت، في السيارة وفي أماكن العمل له علاقة بالسياسة!!
وكالعادة كنا نحلل ونفصل ونتجادل ونروي ما سمعناه.. ثمة تسييس غير عادي لتفاصيل حياتنا وكل ذلك نغلفه برغباتنا وأحلامنا.

على أعْتاب أرض خضراء نقفْ، وأخيراً.. وصلنا ورحبوا بنا كأجمل ما يكون الترحيب، وبدأت أنا أصور الخضراء وكل جميل رأته عيناي حينها.
لِلحظة شعرت بغبطة.. كم هم محظوظون أصحاب هذا المكان!!
شعرت بهدوء الأشياء حولي وسكونها، وتسلل إليّ هذا الشعور فغمرني، شعرت بأن لا شيء يضاهي ضيافة في مزرعة كهذه!!

قلت وأنا أمسك بيد صديقتي:

– هيا دعينا نتجول وسط الأشجار، هكذا سنكتشف طرقاً جديدة!

تسألني وهي تقف:

– ما سبب كل هذا الحماس؟

– لأن تلك الطرق أروع من الرحلة ذاتها، أنا أسير وأنت تسيرين والأزهار من حولنا، وغناء الطيور يرافقنا، ألا يبعث كل هذا حماسك؟!

مشينا صامتتين.. متأملتين تلك اللوحة الطبيعية.. السماء والعصافير والأرض الخضراء، ولم أستطع مقاومة قطف بعض الأزهار، همست صديقتي حين وصلنا إلى شجرة كبيرة
– أليس شعوراً رائعاً أن تبدأي نهارك بعطر الورود؟ أخبريني ألست أفضل هذا الصباح؟

– ليس ثمة شك بأنه الأجمل وخصوصا برفقة صديقة مثلك يا عزيزتي.

ثم بدأت في استدارجي مبتسمة

– أراكِ لأيام وأنت تكتبين أشياء عن الحب ما بك؟

قلت ضاحكة

– ماذا تعنين بقولك يا مشاكسة، تعرفين أنه لا يحتاج المرء ليحب حتى يكتب عن الحب!
تجيب بتخابث:
-أشك في ذلك.

ضحكت دون أن أجادلها أكثر..الجمال هناك فتح شهيتي للضحك..وملأت قلبي بمزيد من الأمل والفرح…وكنت على يقين حين آن وقت المغادرة أني لا بدّ سأعود إليها مجدداً!

Advertisements

صديقي المجاهد..


أرض مهجورة

صديقي المجاهد

في ذات نهار وأنا احلم بأن يكون لي صديق جديد، أذكر ملامحه عند لقائنا الأول، في حينا الذي فر منه الكثير من الأهالي بسبب حروب أليمة لم يكن أحدنا يعرف قواعدها ولا حتى اسبابها، لم يبق غير القليل، في البيت أنا وخالتى وامي بقينا بسبب ظروف دراستي، كذلك بعض القطط تأكل عندنا،، وفي المساء أذهب الى بيت جارنا اقطف بعض الفواكه وكثير من الجوافة، سأعمل منه مشروبا لثلاثتنا يا خالة، صدقني.. وأدعوه قائلة: “أتذهب معى هذا المساء؟”

خالتى زينب هي صديقتي أيضا، لا فارق في العمر بيننا وكنا ندرس نفس التّخصص. صار من كان بقي في الحي أقرب إلى بعضهم أكثر من السابق، ويشمل ذلك حتى القطط والحيوانات الأخرى،، كل الصباحات كنت أرى رجلاً طويل القامة، هادئ الحركات، بشوش الوجه يطعم القطط والطيور ويفعل هذا لوجه الله، وحين أنظر اليه من النافذة كلّ  صباح، أجدني أدعو الله له …لأن الرب رحيم.

ذلك الشاب يمر أمام بيتنا يومياً، وتعرفنا على بعضنا بسبب الحرب، كنت أعيش بتفاصيل ساخرة ومربكة تلك الأيام، أعجبتني ضحكته الراسخة، ملامح الوسامة في وجهه الوضيء، “صادق” اسمه وتبادلنا الأرقام، كان حديثنا طويلاً ذلك المساء، تحدثنا عن اشياء كثيرة، وطبعاً عن السياسة والجماعات الدينية في الوطن.

عن مقديشو المدينة تلك التى تقع تحت تعويدة الموت وسخرية الحياة في آن تكثر فيها الأزهار لكنها كثيرة الأشواك، كاملة الحزن وجمالها أليم، كلما حاولت أن أفهمها تضاءل فهمي لها، بالطبع أيامي هنا بهيجة، تمنحني بداية جديدة، ترفقت بي ومنحتني كثيرا من البسمات علمتني كيف أكون قويه كلما هبت اعاصير الحب أو الحرب، باختصار أنا تلك الروح التى تعيش في عاصمة الجحيم وتعرف كيف تستمر في العزف باعتدال بين زخات المطر وإزيز الرّصاص.

عادت المياه الى مجاريها وعاد الناس إلى بيوتهم، واشتقت لحديث صادق في الرابعة مساءاً كل يوم، مع أنه اختفى أياماً إلا أنه هاتفني في الأخير……

وللقصة بقية..


*هي مقديشو مهما جري فيها لا يزال المقدشاويون ترتسم البسمة على محياهم الجميل ولا تزال تلك المدينة مثل القمر المضيء في نظرهم ورمضانهم فيها يطل ملونا برونق خاص لا يشبه أي مدينة أخري.

* الإحتفال بقدوم شهر رمضان، وتهنئة الناس بعضهم البعض، الإجتماع حول مائدة قد أعددناها بمهارة والإفطار معا، الذهاب إلى صلاة التراويح جماعات، شم رائحة السمبوسة والأطباق الرمضانية الشهية حين تسير في الطرق وأزقة الأحياء، كل هذا من مميزاتالشهر الفضيل في مقديشو.

صورة

*رمضان ما أحلي لياليه في مقديشو، لأنه الشهر الحبيب، من الفجر نبدأ بصيامه وعندما تغيب الشمس وأفطر مع أخواتي نعمل

ماتبقي من اعمال البيت كي نستعد للذهاب ونصلي التروايح… وصلاة التراويح في مقديشو لها نكهة خاصة حيث تعلو أصوات أئمة المساجد فوق أي صوت كما يمتلئ المساجد عن بكرة أبيها بالرجال والشباب وحتي النساء والفتيات، وفي تلك الأجواء الرمضانية تستشعر الروح معهم حالة الهدوء والطمأنينة، طمأنينة عظيمة

استمر في القراءة

هذيان فتاة في مقديشو….


Image

في مقديشو1
أن تكون طالبا جامعيا لا تقوي على سداد أقساطك الجامعية، وتذهب لجامعتك بمصروف شخصي يكفي لمواصلاتك فقط، وترسب لأنك ليلة الإمتحان كنت مشغولا طوال الليل في الحديث مع حبيبتك التي أحببتها كي تجد منفدا للسعادة من خلالها وفي نهاية حديثكما تتشاجران لأنك لا تملك رصيد ما يكفي لترد على رسالتها، وتذهب لجامعتك في التودد لهذا وذاك كي يساعدوك في العبء الدراسي، وفي الأخير يأتي هذا الصباح أحدهم ليدخل جنة الله بسببك ويستهدفك ويدفن أمام جامعتك متفجرات لكنها تنفجر بنفسه، تراه متناثر هنا وهناك ولا تبكي عندما تراه لأن نبأ الموت عاديا وخبر الإنفجار عاديا عندك، أن يحيطك كل أنواع الفكر والثقافة بأدني مستوياتها وتكثر في رأسك المصطلحات المعقدة وأن تكون مجبرا على التعاطى معها جميعا، وتخشي التخرج من الجامعة كي لا تكون من عداد البطالة، وكلما رميت نفسك من فوق ألف طابق أمسكوا بك وقالوا ما زال هناك أمل.
في مقديشو2
كثيرا ما يوبخك الناس حين خطئك، ويضربك القوي حين خطئك، ويعتقلك الجندي حين خطئك، ويسجنك السجان حين خطئك، ويوبخك أبوك حين خطئك، وتتركك شريكتك حين خطئك، وينفيك المجتمع حين خطئك، وتطرد من العمل حين خطئك، وقلما يشكرك أحد حينما تصيب أو تفعل صالحا!
في مقديشو3
لم يعجبني منظره على الإطلاق وكذلك حال جميع من في الباص، يحمل بندقية كما يحمل سكينا وكان واضحا أنه لم يكن بوعيه، فجأة أخرج من جيبه متفجرات يلعب بها بكلتا يديه، هاهو الموت إذن، لكن لم يعد الإقتراب من الموت تثير في نفسي مشاعر مربكة، الرغبة الحاسمة بالإنتهاء من هذه المرحلة المشؤومة لبدء مرحلة جديدة مليئة بالمفاجآت السعيدة تصبح سيدة الموقف، وأن تكون في صحبة الموت تتجرع هلوسات الإقتراب من خط وهمي يفصلك عما سيكون ليس حدثا عاديا، ففي كل مرة يكون له وقع خاص ويترك إنتهاءه ندبة واضحة في الروح.
في مقديشو4
لا يهمني طالما الشمس مشرقة، لا يهمني مادمت أستيقظ بكل فجر في تسابيح وتهاليل المصلين، أصحو مع الشمس في صباحاتي وأذهب إلي دراستي في ذلك الطريق الطويل المتعب كل يوم، لكن يبدو أن التعب لن يفارقني ويبدو دماره وتهالكه يكون سببا في تأخيري وأكثر تعقيدا من إبتسامتي التي ترسم علي وجهي المتعب كلما رأيت المحاضر ورفقائي يحدقون بالنظر إلي، هكذا إذن أعتزم إحتراف هندسة الطرقات كلما تأخرت عن الحصة كي أبني من جديد… أواصل المسير.
في مقديشو5
بداية جديدة ومنزل جديد في بلدي الذي أصبح جديدا وجميلا حيث الشمس مشرقة دائما، يا إلهي ماذا فعلنا لنستحق فرصة ثانية؟ كان ذلك شيئا عظيما فيما يري النائم من الأحلام ليس إلا.
في مقديشو6
لو لم تكن هكذا الأشياء لأن الحلم الذي تجرأت أن أحلمه ذبح بقساوة منذ ولادتي في ذات صباح أو ذات مساء لا أدري؟ لكني متأكدة من شيء واحد أن هناك الكثيرين مثلي
في مقديشو7
صباحي هذا ككل صباح لا يفرق معي أي شيء، أذهب إلى دراستي كالعادة، أنظر حوالي كما أنظر أناس المزدحمة بالشارع، وبالفعل الحياة تشبه تلك التي تبدو لنا أو ما تراه في نفوس أهل هذه المدينة والتي تكون جميلة على نحو ما، لأنها تحلق حاملة مشكاتها بغير توقف أعلى وأسفل الدهاليز المعتمة
في مقديشو8
هنا من يفعل كل قبيح لأجل أهدافه، يقتل هذا، ويسب هذا، ويضرب هذا، ويأكل مال هذا، أو ربما يذبح هذا، تراه غير آبه لما يحصل على أي حال، يتركنا نظن ما نشاء طالما الأمر مناسب لغاياته، ويدوس بقسوة على مشاعرنا طالما هو يحصل على ما يريد.
في مقديشو9
في حينا سكون الليل يلف أرجاءه يكتم أنفاس الضجيج المستمر، لم ينتصف الليل هنا بعد، نظرت إلى النافدة بصمت مهيب تسربت إلي سمعي أصوات الأصدقاء وأطراف أحاديثهم وإلى قلبي تلك الأغنية التي خفت صوتها في ذاكرتي: Soomaaliya dhankeedii dhawaq farax leh mooyee, dhiillo kama sugaayee. للفنان حسن آدم سمتر وألفها الشاعر محمد علي كارية بمناسبة حبه للفنانة شنكرون أحمد، لم أنتبه إلا وأنا أغني شيئا بقي في أذني: “Duhurkiyo habeenkii Alla og sidaan ahay waxaa la i dulkeenaa dagmadaad ku nooshahay” … لا زالت في القلب بقية، بقية عظيمة وربي!.
في مقديشو10
حتما سيأتي ذاك اليوم الذي فيه نسير على درب الحب وعلى الطريق حتما سنلتقي مجددا، هناك وفي تلك المدينة سننسي كل الآلام والأحزان وستختفي الكراهية بيننا، سنضحك عاليا، سنتمايل طربا. وتلك الأغنية حتما ستتحقق: Neyruusku waa ciid, waa nagi aduunyadu nasiibow, waa nagi aduunyadu nafteydow

في مقديشو11

 أنا وضوء القمر، وحافة الوقت وبداية حب، والإنتظار والأمل، والشفاه المطبقات على سؤال فوضوي، والصمت والموسيقي والحياة أو .الموت، والإحتراق في درب الحرب، والليل والإدمان، والوطن وعدم التوافق، ورائحة إنفجارات ، كلنا معا في مكان ما من تلك المدينة
 في مقديشو12
يموتون في سبيل شيء أحترمه، يموتون لأنهم طلاب ويموتون لأنهم صحفيين ويموتون لأنهم علمائنا ويقتلون لأنهم نخبة المجتمع، .لنحييهم في قلوبنا ولنزرعهم في رحم هذا التراب المليئ بالنزيف، فدائما يوجد لهم متسعا لقلوبنا ولتلك الأرض
في مقديشو13
على بعضنا أن يستيقظ مبكرا في صباحات مقديشو وينتظرهم طريق طويل للذهاب إلى دراستهم. أستعد لأكل وجبتي الخفيفة، بيضة مسلوقة أعلق بصوت عال “البيض أرخص!”. أذهب إلى الجامعة وبقايا النوم عالقة على جفوني، أركب الباص وأجلس جوار النافدة.. أفكر تارة فيما أراه من عيون أهل مقديشو وما أكتسبوه وتعلموه بالفعل من هذه المدينة..وتارة أخرى أفكر في الله وأدعوه بشدة.. أسمع ضجيج ماتور الباص وضجيج الناس في الشارع هنا وهناك، إلا أنني أكره الهدوء في رأسي ولا أطيق البقاء فيه يوم الجمعة، فبالفعل تضيع جنتي الماتورية والضجيج.

حكايات الفرح المسلوب


حكايات الفرح المسلوب

مقديشو المدينة البسيطة، البرية، البحرية، الصدفية، الليلية لها وجه آخر، وبالرغم من الألم ينبت في قلوب المقدشاويين أمل في حياة أخرى ملؤها السعادة والرضا، لا يضيرهم الرزق القليل ولا يعجزهم الحزن على موت الأحبة والأسرة عن مواصلة الحياة، ولا تمنعهم الحواجز من اختراق الأرض لاستكمال رحلة العمر.
يصنعون من الحزن فرحاً … ومن المعاناة أملاً …  فيحتار فيهم من يأتي متسائلاً: ” كيف لهم في ظل المعاناة أن يعيشوا؟ وكيف لهم أن يدرسوا وكيف وكيف؟”

وهناك يظهر التغير الإيجابي الذي طرأ على المدينة -المدينة الأجمل من بين مدن الصومال ليست لأنها الأجمل بل لأنها الأقبح في عيون الكثيرن-  بعدما قامت بلدية مقديشو بتركيب لوحات إنارة تعمل بالطاقة الشمسية؛ فأضاءت شوارع المدينة، وجعلت الخروج أكثر سهولة ليلاً والبقاء خارج البيت حتى العاشرة مساء، وهناك حكايات الليالي الهادئة دون ضجيج  ولا صراخ ، كما أدّت إلى فتح المحلات وصار بالإمكان التسوق ساعة تشاء على العكس من الماضي القريب جداً،  وتحسن العمل ، ثمة من يتحركون إذن، وتلك القلوب ربما رأت كهرباء جديدة وسماء جديدة ربما، ولعل تلك الصورة النابضة بالحياة والأمل رغم كل التحديات تجعلنا نقول بأن مقديشو تعيش وتبدو أجمل مما كانت عليه لسنوات خلت.

هذه الصورة تزيل ستائر العتمة عن سر الحياة الجميلة التي يعيشها المقدشاويون رغم الموت، غير أنهم يقطفون الحياة بين أنياب الموت.

وبالرغم أن العالم كله يظن أن الحرب أنهاها إلى الزوال ، غير أن حبهم للحياة حول بحر المعاناة والمأساة اليومية إلى بحر من التحدي تتشكل في لوحة من الأمل.‏

وبالرغم من ضربات الألم المتلاحقة على قلوبهم غير أنهم يحبون الحياة أكثر من الموت،  ولم يعد لليأس  مطرح هنا، لا لم يعد.‏‎

دعوني أنزف بسلام !


ضوء آخر النفق

ومضة من الأمل ولدت في صدورنا بشأن الحكومة الصومالية وخروجنا من الفترة الإنتقالية..إلا أنها ماتت خلال وقت قصير..
لعل أحلامنا كانت أكثر من اللازم أو كانت فارغة تماما.. خصوصا مع تفشي حالات الإغتصاب وانتهاك حقوق المرأة الصومالية هذه الأيام..
إلا أن الحكومة التي لا يهمها أمرنا في قليل أو كثير تبرأ جنودها الكرام.. وتتهم الذين يهمهم أمرنا وتسجنهم ولربما تقتلهم مثل الصحفي عبدالعزيز كرنتو..ولربما أيضا يبلغ بنا الأمر إن لم تعد الحكومة إلى رشدها وعقلها – إن كان بقي لها القليل من العقل – أن يموت تماما ذلك الصوت الذي يتحدث عن قضايانا قريبا..
بدأت هذه المرأة وهي تلملم بقايا كرامتها..أو بعض احترامها لنفسها..لا أدري! بدأت تقول وهي ترحل بعيدا..في رحلة كسيرة..يمكن أن نسميها رحلة إلى الماضي:
أنا أعيش حياة برزخية في انتظار البعث..كان لي يوما عالم محدد المعالم..يقف فيه الأبيض ناصعا ويرمقني فيه الأسود من البعد..
كان لي يوما ابتسامة بريئة..بها بعض البلاهة..لكنها كانت خالية من السموم والأحقاد..وأيضا العنف..
كان لي يوما روح تعبث كالأطفال..وتلبس رداءا واقيا من الاحتباس الحراري..وتغرف من نبع من النور أغتسل فيه كل صباح تحت ألوان الشفق الآتية برتابة..لكن بوقار..
وكنت أنا شمسا تشرق بنور..وتحرق بنار تختبئ منها أشباح العتمة..
واليوم أنا منفية في داخلي..أصارع ظلاما لا يكلّ..أنا اليوم بلا نور يشرق ولا نار تحرق..أنا لستُ سوى بقايا بلاهة كانت يوما براءة بيضاء.
أصبحت علامة سؤال تصارع واقعي..أمشي على قدمين لا أعلم أيا منها هي أنا..لكنني أصارع لأبقى وأقف..
ربما كان هذا الجسد المترهل لي..لن أرفضه..فإن كان لي سيستجيب حتما للياقة روحي الأولى..
يقولون إن وجهي كان جميلا..لكني أشك إن كان الآن كذلك..وأشك إن كان لي أصلا.
بعد الحرب والإغتصاب..وكل حالات العنف التي تعرضت لها روحي..تضرر جزء كبير من منشآت حالتي الشعورية..وأصيب العمود الفقري لوعيي إصابة بليغة..أنا ضائعة في حالة شعورية غير مستقرة!
وبسبب شح الطاقة..أستعين الآن بنور نجمة بعيدة..أخشى أن تقرر إطفاء نورها فجأة وبلا مقدمات..أو ربما ستكون هناك مقدمات لن أنتبه لها بسبب رداءة جهاز الإستقبال الفطرى لدي في الوقت الراهن..
وبما أن تلك هي حالتي..وبما أنهم لا يتوقفون إطلاقا عن العنف ضدي.. فسأستسلم مؤقتا للسبات..
يرجى عدم الإزعاج..دعوني أنزف بسلام.

أطفال أم أبطال؟!


أطفال أبطال

مازلنا في الصباح مع بدء الحرب وهموم الناس في ازدياد..يحاولون التأقلم مع مفردات الحياة الجديدة لكنهم لا يأمنون ما سيحدث..
كان الأطفال قد أتوا من المدرسة خائفين..يسألون الذي جرى..والأسئلة الأكثر قلقا حول ما الذي سيجري لنا ولماذا يقصفوننا؟

هي أسئلة ليس لك أن تلهيهم عنها إلا بابتداع القصص والحكايات البعيدة عما يدور..
ببساطة: لا يعرف التلاميد ما يفعلون..أيدرسون أم لا يدرسون؟

السبت المقبل أول امتحانات نصف السنة الدراسية..وهم سرعان مايشدونك بسؤال مفاجئ: “هل سنذهب للمدرسة بكرة؟”..
وبكرة يوم آخر..لا أحد يسمع فيه جوابا..

يتمنون أن لا تعقد الامتحانات في مثل هذه الطروف..ثم يعلق أحدهم: “فليحاسبونا على أعمالنا الشهرية فقط..أو يؤجلوا الامتحانات”!

ثمة بعض الجيران الذين انتقلوا من بيوتهم آملا بأن لا يسمع أطفالهم الأصوات العالية للرصاص..التي توقظهم من نومهم مذعورين..

لم يعد بإمكاننا أن نعد أطفالنا بأن الغد سيكون أفضل من اليوم والأمس..ولعله يكون كذلك..من يعرف؟!

توقف الأطفال عن السؤال متي ستنتهي الحرب..ومتى يستطيعون عيش حياتهم الطبيعية مثل بقية أطفال العالم؟ كما توقفوا أيضا عن البكاء عند سماع الإنفجارات..كأنهم فقدوا الإحساس، وعندما هدأت الأوضاع جاء أخي الصغير ليهمس في أذني: “هل ستبدأ الحرب ثانية؟” سؤال أردت أنا أيضا أن أسمع جوابا له!

هؤلاء المقاتلون علمونا كيفية الكره بشدة، كما علمونا معنى الخوف الحقيقي، مما جعل أخي الصغير يصرخ ردا عليهم إذا ما بدأت الحرب ثانية قائلا: “سأركض إلى أول مكان يدخله المقاتلون حتى أقتل..فلا أضطر لمعايشة لحطات الخوف والرعب التي عايشتها في الحروب السابقة!”.

تمنيت بداخلي لو أني أملك من الجرأة ما يملكه أخي لآخد نفس القرار لإنهاء مجرد إمكانية المرور بحرب أخرى.

أفضل شيء أن ننام!

كان هذا اقتراحا ينقذ الجميع من ورطة الحيرة، وذهب الأطفال إلى غرفتهم، وجلست أنا أحاول أن أقرأ شيئا..جلست أقلب صفحات الكتب..أتذكر أني أريد أن أقرأ هذا الكتاب أو ذاك..والذاكرة لا تخونني فحسب..بل تصر أن تقف على النافذة..تحدّق في العتمة..كانت تبحث عما سيلحق من أحداث..وصوت القصف أيقط مجددا أخي الصغير..عندها لم يكن من الممكن تلهيته بلعبة القصص الوهمية..إذ أنه يرى اللهب المتصاعد من منازل الجيران..

كلنا خائفون..لم يكن أخي وحده خائفا.
كانت منطقة ياقشيد بأيد المقاتلين “الإسلاميين” حينذاك..والأغرب ما قاله أحد أمرائهم: “لن نستسلم، حتي لو أبادونا !”
من تحدث عن الإستسلام؟ وماذا عن الإبادة؟ على الأقل..الكثيرون مثل أخي يريدون أن يعيشوا..لا أن تتم إبادتهم..فلربما صلحت بهم الحياة لمستقبل أفضل!

ذهبنا للنوم معا..الأطفال والكبار في غرفة واحدة..كانت عيوننا جميعا مفتوحة..مشدودة لنافدة الغرفة المضاءة بلهب الإنفجارات..
ياااه..ما أطول الليل، النهار يصلح لأشياء أقل رعبا!