بشارة الحرية !


بشارة الحرية !.

لأنه لا يستطيع أن يكون أنتم

Advertisements

العنصرية: مرض الإنسانية: زكريا علي (1)


زكريا علي.jpg2

“لقد اتبع والدي وفريقه أسلوب التسلل من الثغرات، التظاهر كان مسموحا فاستخدموا المظاهرات وسيلة للاحتجاج. وكان السود يمنعون من الجلوس في الباصات أو الأكل في المطاعم، فقاطعوا شركة الباصات لمدة 381 يوما حتى شعرت الشركة بالخسارة الكبرى، لأن السود كانوا 60 في المائة من الركاب، وبالتالي اضطر أصحابها للتفاوض معهم والسماح لهم بأمور كانت ممنوعة عليهم من قبل” كانت هذه العبارة جزءاً من مداخلة ابن المناضل الأمريكي الشهير مارتن لوثر كينغ عندما زار إمارة الشارقة في فبراير 2013 في سياق إجاباته على أسئلة الإعلامية منى الشاذلي  بخصوص ثورات الربيع العربي.

 عندما يسمع أحدنا اسم القس الامريكي مارتن لوثر كينغ (1929–1968)، يتبادر إلى الذهن مباشرة الإشكالية الكبرى التي ذهب الرجل ضحية لويلاتها، وكان ذنبه الوحيد أنه “صاحب حلم” يتمنى أن يتجسد على أرض الواقع، فمرض التمييز والفصل العنصري الذي استشرى في أمريكا ذلك الوقت، لم يترك له خياراً سوى أن يجهر بأفكاره ويبشر بحلمه الذي أصبح واقعاً؛ ولكن بعد أربعين سنة من مقتله، عندما قرر الأمريكيون أن يقطعوا صلتهم مع الإرث الثقافي الثقيل بانتخابهم لأول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

ينطلق الباحثون المهتمون بالدراسات الاجتماعية إلى اعتبار العنصرية أو فلسفة التمييز العنصري بأنها “أي تصور فكري ينطلق من الاعتقاد بتفوق مجموعة بشرية على غيرها ثقافيا وحضاريا بناءً على الاختلاف الجسماني كاللون والشكل أو العرق، وينزع إلى تفسير الاختلافات الثقافية بين البشر من خلال إرجاعها إلى أسباب بيولوجية، موروثة وخارجه عن سيطرة الإنسان“.

لا يكاد الباحث يجد مجتمعاً ذا خلفية حضارية تاريخية إلا وله من هذه الآفة نصيب، فالكثير من أفراد تلك المجتمعات مارسوا نوعاً من أشكال التعالي على الغير، عن طريق تضخيم ميزات الجماعة وخصائصها في مقابل تبخيس الآخرين والإصرار على دونيتهم! وهذه الظاهرة الاجتماعية تكاد تكون كونية، وتزداد كلما أوغل المجتمع في انغلاقه “حيث تتضاعف أوهام الامتياز لديه”! ولكنها ليست تجسيداً حقيقياً لكارثة العنصرية؛ وإن كانت تحمل في طياتها جذور بذرتها الأولى.

  فالعنصرية هي موقف فكري ابتداء قبل أن يكون سلوكاً اجتماعياً، وعلى الرغم من مناصرة الاتجاه العام للحضارة الغربية المعاصرة للعدل والمساواة والإنسانية في كل مكان؛ إلا أن التدقيق والبحث المتأني يكشف عن وجود بذور التأسيس الثقافي لفلسفة التمييز العنصري في الدراسات المعرفية لدى بعض فلاسفة التنوير الأوروبي، ممن فهموا الحياة بأنها صراع أجناس متحضرة ضد أجناس متخلفة، ولم يستوعبوا الطبيعة التعددية للحضارة البشرية، فافترضوا حتمية التخلف “البنيوي” لثقافات الشعوب غير الأوروبية، واختزلوا الإنسان إلى بعد مادي واحد يتم التعامل معه بلغة الأشياء، وأصبحت نظرية الانتخاب الطبيعي أداة منهجية في التمييز العرقي من أجل تبرير تقسيم الناس إلى بشر وأشباه بشر، مما مهّد الطريق لظهور النزعات العنصرية العالمية– كالفاشية والنازية والصهيونية – وأشعل حروباً كونية ونزاعات إقليمية وفتح الباب على مصراعيه لاستغلال الضعفاء حول العالم.

يأتي المفكر الألماني إيمانويل كانط (1724 – 1804)، على رأس دعاة تصنيف الأجناس البشرية بمعايير عرقية سافرة، وعلى الرغم من إضافته المهمة في نظرية المعرفة حيث خلق منظوراً جديداً في الفلسفة، إلا أنه قسَم الأجناس البشرية حسب اللون، وجعل أكثر الأجناس تطوراً وذكاء ومساهمة في بناء الحضارات هي الأجناس البيضاء، تليها الأجناس الصفراء، ثم الأجناس السوداء، ثم تأتي الأجناس الحمراء – مثل الهنود الحمر وشعوب القارة الهندية – كأسوأ الأجناس ذكاء وأقلّها تطوراً.

وبالغ المفكر الانجليزي ديفيد هيوم (1711 – 1776)، في إقصائه للأعراق غير الأوروبية حيث يقول:”أنا لا أشك أبدا أن الزنوج وجميع أنواع البشر هي بالطبيعة في مستوى أدنى من الإنسان الأبيض”! وفلسفة أخلاق القوة أو “الإنسان السوبرمان” التي صاغها الفيلسوف والشاعر الألماني فريدريك نيتشه (1844 – 1900)، صادفت هوى لدى الفاشيين لمبالغتها في إقصاء الضعفاء والمرضى، وتأثر بها مارتن هيدجر (1889 – 1976)، أهم فلاسفة القرن العشرين والذي كان يعتبره النازيون فيلسوفهم وكاهنهم الأكبر!.. وانضم إليه صديقه عالم الأنثروبولوجيا إيوجين فيشر (1874 – 1976)، المدافع بقوة عن فكرة تعقيم البشر والقتل الرحيم للمعوقين وإبادة اليهود.

خارج السرب

 ويعتبر صاحب نظرية “التكاثر السكاني” الاقتصادي توماس روبرت مالتوس (1766 – 1834)، من أوائل من أثاروا ضجة هائلة، نظرا لأطروحاته تجاه الفقراء باعتبارهم كيانا زائدا عن حاجة الطبيعة!.. ونظرية مالتوس السكانية أدت إلى حدوث كوارث إنسانية حيث اتخذت مبررًا للإبادة الجماعية لكثير من الشعوب، ويذكر آلان تشيس في كتابه (تركة مالتوس) إن أكثر من 63 ألف شخص قد جرى تعقيمهم قسراً في أمريكا فيما بين عامي 1907 و1964!

يؤكد كثير من الباحثين أن فكرة الامتياز العرقي التي اعتنقها هتلر وأصدر بسببها قانون “التعقيم لتحسين النسل”! عام 1933 تعود بجذورها إلى كتابات المفكر الفرنسي آرثر غوبينو (1816 – 1882) الذي كان يعتقد أن اختلاط الأعراق وتزاوجها هو السبب في انحطاط الحضارات، ويبدي غوبينو في كتابه (دراسة في التفاوت) قناعته الشخصية في أن المسألة العرقية هي “صانعة التاريخ”، ويظهر تعصبه للعرق الآري – أرقى السلالات البشرية كما يزعم – من خلال كلامه عن الفن حيث يقول: ” الآرية تنحدر عبر الاختلاط بالفنون الزنجية”!.. يتبع في الجزء الثاني

حروف وأفكار- للأستاذ زكريا علي!


يؤكد كثير من المراقبين أن هناك فروقا “نوعية” عميقة بين المجتمعات التي تقدمت قبلنا ومجتمعنا العربي مما يجعل نقل التجارب متعذرا، فصحيح أن تلك المجتمعات قد حققت تطورا كبيرا في تحويل رؤاها الكبرى ولكنها صادفت ظرفا تاريخيا استثنائيا جعلها قابلة لإحداث نقلة “نوعية” عميقة في تصوراتها ليس من السهل أن تتكرر لمجتمعات أخرى، فالرؤية الكلية للحياة والكون والإنسان التي يعتنقها سواد كبير من أبناء مجتمعاتنا العربية تنضح بمعايير وأسس من الصعب زحزحتها أو تغييرها لصالح رؤية إنسانية صافية.

وطبيعي أنّ اهتمامات الأفراد تحكمها تصوراتهم؛ فإن كانت منجذبة إلى عالم الواقع فإنها ستصبح قابلة للتغيير وإلا فينبغي تغييرها من الجذور، وهذا لا يتحقق إلا بثورة ثقافية شاملة تعيد تأسيس الرؤى والقناعات والأفكار، وقد قيل أن للأفكار تاريخ صلاحية مثل الغذاء؛ والإصرار على تلقينها والتّمسك بها بعد انتهاء صلاحيتها يصيب العقل بعطب شديد يتعذر إصلاحه!  وهذه الحقيقة البسيطة ظاهرة للعيان.

ليس من الحكمة في شيء أن يطالب عاقل بالديمقراطية في مجتمع خاضع لنسق ينتمي إلى ما قبل المدنيّة، فالديمقراطية هنا تعني ترسيخ ما يريد الجميع التّخلص منه! فلقد ألغى حاكم فيينا الأمير فرانسوا جوزيف إنتخابات شعبية جاءت برجل عنصري متعصب، وصفق له مثقفو النمسا – في ذلك الوقت– ومن بينهم عالم النفس سيجموند فرويد! وكان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة قد احتاروا حين تقريرهم لمبادئ الدستور الأمريكي بين الليبرالية الدستورية التي تثبت الحقوق الفردية تشريعيا والديمقراطية الشعبية التي تنتصر لرأي الأغلبية، حيث كانت أغلبية الأمريكيين – في ذلك الوقت – تؤيد استرقاق السود مما أجبر الرئيس إبراهام لنكولن على خوض حرب شاملة ضد الولايات الجنوبية المتعصبة لإجبارهم على هذا المبدأ!

فديمقراطية الصناديق ليست كل شيء، وقد قضت الديمقراطية على الجمهورية الثانية في فرنسا، وجاءت بالفاشيين في إيطاليا والنازيين في ألمانيا، وإذا كانت الأقليات في المجتمع المتخلّف تعاني من التمييز في ظل الإستبداد فإنها تحت شعار الديمقراطية ستواجه محرقة! ومن عجائب مجتمعنا العربي أنّ الدّيمقراطية التي أبدعها الغرب للحفاظ على الحريات أصبحت الآن سلاح المتعصبين للقضاء على الحرية نفسها! سياسة خلط الأوراق وتشويش الأفكار تتجلى في قيام من لا يؤمن بأبسط مبادئ الفلسفة الإنسانية الحديثة بتقديم نفسه تحت مسمى “حقوقيّ” !!

ومنذ فجر التاريخ وسنة التدافع والتنافس تتحكم بسلوك الكيانات البشرية كافة، صغيرة كانت أم كبيرة، متجاورة كانت أم متباعدة، فقيرة كانت أم غنية وهي في مآلها النهائي إنما تبغي الحفاظ على المكتسبات الموروثة، وإثبات السّيادة أو التّوسع والهيمنة فهي حلقة مفرغة لاتنتهي إشكالياتها إلا لتبدأ من جديد! والغرب لم يكن يختلف في مسلكه هذا عن الامبراطوريات الغابرة، مثل الاسكندر المقدوني والفراعنة وملوك بابل وآشور وخلفائهم في محاربة وغزو الشعوب من أمثال أمراء المغول وأكاسرة الفرس وقياصرة الروم وسلاطين المسلمين وغيرهم ممن تدفعهم إرادة غامضة للسيطرة على الشعوب طوعاً أو كرهاً! ولكن المشكلة التي يعاني منها العقل العربي في عصرنا هي أن نقده لتجاوزات الغرب كان على حساب السكوت عن “نقد أخطاء الذات”، وتحميل الغرب كل أوزار التّخلف المدنيّ والتهميش الحضاري للأمم العربية والإسلامية! كتب مثل (مشكلات الحضارة) و(واقعنا المعاصر) و(ظلام من الغرب) والتنظير للسقوط الغربي الوشيك مثل (أمريكا:سقوط من الداخل)!! دليل واضح على أن هناك هوساً عجيباً بمطاردة انحرافات الآخر ورصد عيوبه وجرد اخطائه، مع تجنّب فعل ذلك مع “كوارث الذّات” التي لا زالت تترنح في صحراء التخلف والانحطاط.

وتم التعاطي مع المنجز الحضاري الغربي بإزدواجية مؤلمة، تستفيد من تقنياته وترفض منجزاته الثقافية خوفاً من ذوبان ثقافي مزعوم واستلاب ذاتي متوهم وغيرها من الكوابيس المصطنعة!   

ومعضلة الهوية أعتبرها شخصيا إشكالية “مفتعلة” يرددها مجموعة من المثقفين العرب لتبرير عجز الإنسان العربي عن صناعة مصيره وتحمل مسؤولية هذا الوجود الذي يعيش فيه.. وعندما قال الفيلسوف الفرنسي كوندورسيه مقولته الشهيرة “أنا إنسان بالضرورة وفرنسي عن طريق الصدفة”! فإنه يؤكد هامشية الهويات الثقافية بالمقارنة مع قداسة البعد الإنساني للبشر.

ومعضلة الهوية لها ارتباط خفي بإشكالية النسب في الثقافة العربية، مع أن النسب “شيء وهمي لا حقيقة له” كما يقول العلامة ابن خلدون ولكن يبدو أن معضلات الثقافة العربية القديمة لا زالت تمارس حضورها بـ”لباس ثقافي حديث” تحت مسميات متعددة تخفي ارتباطها الحقيقي بنسق ثقافي بائس لا يمكن إغفاله

لا يليق بعاقل يرى أوجاع هذا العالم أن يزعم لنفسه صفة “أنثولوجية” تمنحه الإصطفاء في هذا الوجود كأن يقول أنه نال مبتغاه بمجرد أن رفع يديه إلى السماء، فالتقليديون بحّت أصواتهم عندما رفعوا أكفّ الضراعة في مواجهة عدوان الجيش الروسي على الشيشان، لكن الحال انتهى على غير ما يشتهون! والمظلومون في فلسطين لم تفلح ابتهالاتهم في إيقاف مشروع القوى العظمى الذي كان يستهدف بلادهم لأهداف استراتيجية بعيدة المدى! والعطشى الجياع في أفريقيا يتجهون بعيونهم الدامعة إلى السماء لكنها لم تسعفهم سوى بكسرة خبز مشروطة بمنفعة يسعى إليها أقوياء هذا العالم!

لن نستطيع القيام بنهضة حضارية حقيقية حتى نفهم قوانين الحياة التي ينبع جمالها الخلاب من إصرارها على معاندة الكوارث والنكبات وعدم الاستسلام لقوى الهدم والدمار، الشتاء القارس ينتهي بربيع زاهر والليل البهيم ينبلج بفجر مضيء والأرض القاحلة تستجيب بالاخضرار مع نزول الأمطار، وفهم هذه الجدلية هو ما ينقصنا! فالبداية تكون بتعديل تصوراتنا وأفكارنا حتى تتناسب مع قوانين الوجود، فالبقاء للأصلح والعزة لمن كان إيقاع تصوراته متناغما مع حيوية هذا الوجود الذي ينفر من التقاعس والاتكال بمثل نفوره من القولبة والتنميط (فالتنوع جوهر الدنيا) ولايمكن تحقيقه إلا بمستويات عالية من التسامح وتقبل الآخرين، فالإنسان صاحب كيان ذي طبيعة مزدوجة (روح ومادة) يعملان بطريقة متوازية وبقوانين مختلفة لا يمكن اختزالها في منطق كلي واحد حتى لا يتعرض للاضطراب، ومن الخطأ محاولة إضفاء نزعة عقلانية لفهم تجليات جوهر “لاعقلي” مثل الروح، كما هو الحال تماما في عبثية التفسير اللاهوتي لتجليات جوهر”مادي” كالطبيعة! من الخطأ تفسير كارثة طبيعية كالزلازل والبراكين بعلل ماورائية ولكن من الخطأ أيضا تفزكريا علي.jpg2سير دوافعنا الداخلية العميقة بعلل مادية تختزل كياننا العميق والغني بالأبعاد الإنسانية المتعددة إلى مجرد بعد واحد!!..

فالإنسان صاحب كيان ذي طبيعة مزدوجة (روح ومادة) يعملان بطريقة متوازية وبقوانين مختلفة لا يمكن اختزالها في منطق كلي واحد حتى لا يتعرض للاضطراب، ومن الخطأ محاولة إضفاء نزعة عقلانية لفهم تجليات جوهر “لاعقلي” مثل الروح، كما هو الحال تماما في عبثية التفسير اللاهوتي لتجليات جوهر”مادي” كالطبيعة! من الخطأ تفسير كارثة طبيعية كالزلازل والبراكين بعلل ماورائية ولكن من الخطأ أيضا تفسير دوافعنا الداخلية العميقة بعلل مادية تختزل كياننا العميق والغني بالأبعاد الإنسانية المتعددة إلى مجرد بعد واحد!!

 

فطوبى للمنبوذين


 

زكريا علي.jpg2

 

 

 

 

 

 

 

يملك عينين واسعتين تشع منهما نظرات ملؤها السكينة والمرح، ينصت لك بأدب جم وإهتمام شديد حينما تتحدث معه، يتكلم بكل تواضع وهضم للذات على الرغم من غزارة معارفه وإطلاعه الواسع، يقترب عمره من مشارف الأربعين، مجتهد في عمله، ومحترم بين زملائه، ويحسن إلى الناس جميعا دون تمييز، يمتلك روحا تمتلئ شبابا ونضارة وحيوية، ولثغره إبتسامة هادئة لا تفارق محياه..لكنه أقدم على إتخاذ قرار يعتبر جريمة في مجتمعه التقليدي، أقدم على فعل يستقبحه أقرباؤه ويكرهه أقرانه وينزعج منه الدهماء في قومه أشد ما يكون الإنزعاج!!.. لقد قرر صاحبنا هذا أن يكون إنسانا مستقلا بذاته، فردانيا في معتقداته، حرا في إعتناق ما يعجبه من أفكار وما تطمئن إليه نفسه من قناعات!!.. لقد قرر صاحبنا ألا يؤجر عقله لأحد، وألا يخضع كيانه لأحد، وألا يسمح لأي مخلوق كائنا من كان بإسترقاق عواطفه الصافية ومشاعره البريئة بدعوى أوهام مقدسة أو تقاليد بالية!!.. لقد قرر صاحبنا أن ينظر نظرة متصالحة مع نفسه من خلال فهم هذه الحياة كما تتجلى في قوانينها وسننها وتقلباتها، وليس كما يريدها ويظنها ويتخيلها أو يتمناها..

 تلك هي خطيئته الكبرى وخيانته العظمى التي كلفته حريته الشخصية وحياته العائلية ووظيفته المهنية بل ووحقوقه كإنسان كامل الأهلية في مجتمعه، ولكن لماذا حصل هذا؟!!.. قد يقول قائل أن من السمات الأزلية لأي مجتمع تقليدي هو “المقاومة الشرسة لأي محاولة للخروج من القطيع”!.. ولكن واقع الأمر فيما يخص صاحبنا هو أن مجتمعه بالذات يتميز بخصائص فريدة من نوعها..

 في مجتمع صاحبنا.. إستقالة العقل هي عنوان الفضيلة والأخلاق الحسنة والسلوك القويم!!

 في مجتمع صاحبنا.. المعبد يأتي قبل مراكز الأبحاث ومعاهد المعرفة بل ومقاعد الدراسة!!

 في مجتمع صاحبنا.. لن يلتفت أحد لكلامك ولن يحفل أحد بعلمك ولن يعبأ أحد برأيك إذا لم تكن ممن يقدس كلام الأموات!!

 في مجتمع صاحبنا.. لا تكتمل آدميتك كإنسان كامل الحقوق إلا بقدر نصيبك من إنكار الذات في رحلة “الإنبطاح” التامة لما يردده أصحاب الكهنوت!!

 في مجتمع صاحبنا.. قد تُطلق من زوجتك وتحرم من رؤية أبنائك وتطرد من عملك بل وتهان كرامتك لأنك تجرأت أن تكون إنسانا مستقلا!!

 في مجتمع صاحبنا.. لا قيمة لما يقوله الطبيب أمام الراقي ولا قيمة لما يقوله الفيلسوف أمام الواعظ ولا قيمة لما تردده مراكز الأبحاث العالمية أمام هيجان خطيب على منبره!!

 في مجتمع صاحبنا.. النفاق سيد الموقف لدى سواده الأعظم، والصدق أقصر الطرق وأسرعها إلى المهالك، والحرص على مصلحة المجتمع هو مدعاة لسخرية الناس وتندرهم، والبحث عن الحرية هو البطاقة الذهبية للحاق بقافلة المنبوذين!!

 كان أول بند أقره توماس جيفرسون – ثاني رؤساء الولايات المتحدة – في الدستور الأمريكي هو أن “الناس ولدوا جميعا متساوين لهم الحق في الحياة والحرية والبحث عن السعادة”.. والفردانية هي السمة المثلى للإنسانية لأن كل إنسان يولد حرا، وبمقدار ما يفقد الإنسان جزءا من هذه الفرادة يفقد – بالضرورة – جزءا من إنسانيته في هذا الوجود!!.. والأصل في هذه الحياة هو التنوع والإختلاف وليس التشابه والتماثل، وهذا ينسحب على الإنسان الذي تتجلى فيه هذه الخصلة في كل صغير وكبير من شؤون حياته!!.. وإذا كان بمقدورنا ملاحظة حجم الإختلاف الخارجي الكبير في الأشكال والألوان والأعراق والإثنيات التي لا تخطئها العين؛ فإن حجم الإختلاف الداخلي اللامرئي في الصور الذهنية والمعتقدات الروحية والقناعات الفكرية والميول النفسية أكبر بكثير وأشد تباينا وأقوى دلالة على فطرية “الفرادة” في أعماق الإنسان، تلك الفرادة التي تمنحه ماهيته الحقيقية في هذا الوجود!!..

 ولكن صاحبنا كان يخوض معركة صعبة، وذلك عندما أراد أن ينخرط في مجتمعه ويحاول في نفس الوقت المحافظة على إكتشافه لفردانيته التي طمرها هذا المجتمع بخصوصيته المزعومة!.. حاول صاحبنا أن يكشف للناس خطورة التنازل عن فردانيتهم، حاول أن يلفت إنتباههم إلى أساليب “المسخ” والتنميط القسري الذي يُمارس عليهم، ذلك التنميط الذي يقتل جوهر إنسانيتهم ويمحو فرادتهم ليحبسهم في إسار العقل الجمعي لثقافة القطيع!!..

 كان العقل الباطني (اللاشعور) لمجتمع صاحبنا يرتكز على مفاهيم إنغلاقية تتعلق بـالأنا والآخر، ويتداول أفراده مفردات تكرس أوهاما بالتميز والأفضلية على الآخرين!!.. ولهذا العقل نسق خاص يشده إلى الماضي ويقدس آراء الأوائل والأسلاف كما يقدس الفرد في القبيلة ذكرى الآباء والأجداد!!.. كما أن تصوره للعالم ليس قائما على حقائق موضوعية بل على خيالات عاطفية، ويتعامل مع الأفكار لا بوصفها ذات جدوى ولكن بمدى قربها أو بعدها من عالمه الوجداني!!.. والخروج من قبضة هذا المجتمع التقليدي ليس سهلا، فحدوده مغلقة وخطوطه الحمراء كثيرة وهي محروسة بتابوه كثيف ينذر بالإحتراق والنبذ لكل من يفكر بمجرد الإقتراب منه!!..

 وقوائم المنبوذين في مجتمع صاحبنا طويلة جدا، فالبنية الذهنية العامة في ذلك المجتمع هي بنية إنفصالية شرسة في إقصائها للمخالف، وهي مستعدة لمناصبة العداء لكل من يتجرأ على محاولة الخروج من أقفاصها أو تجاوز حظائرها، ولا تسمح أبدا بوجود فكرة مختلفة في محيطها او غير منسجمة بشكل تام مع يقينياتها، ومحور التقييم لأفراد مجتمعها لا علاقة له بالمعاملة الراقية والأمانة والصدق وإتقان العمل وبذل الخير ومحبة الناس – كما هو حال صاحبنا المنبوذ! – بل بمدى تماهي هؤلاء الأفراد مع العقائد الأساسية و”الأوهام” الرسمية التي يعتنقها سدنة ذلك المجتمع!!..

 لقد ظن صاحبنا أن حب أصدقائه السابقين له كان لذاته وشخصه، ولكنها إنقلبت إلى نفور وبغض بعد أن أفصح عن قناعاته!!.. إعتقد صاحبنا أن إعتزاز عشيرته وعائلته به إنما كان تقديرا لمكانته بينهم فانقلبت إلى قطيعة وهجران بعد أن اكتشفوا أفكاره!!.. خُيل لصاحبنا لوهلة أن إحترام رؤسائه وزملائه له إنما كان تعبيرا عن رضاهم وإستحسانهم لإجتهاده ومثابرته في العمل والإنتاجية؛ لكن الإحترام – وياللعجب – غدا إحتقارا وكرها عندما تناهى إلى أسماعهم ما ارتضاه صاحبنا لنفسه من معتقدات لا تخص أحدا من العالمين غيره!!..

 لا عجب أن يصبح الإنسان الحر منبوذا في ظل ثقافة مجتمعية يهيمن عليها مخزون رهيب من كراهية الآخر حتى أصبحت من ملامحها السلوكية العامة، ولا شك أن هيمنة بعد لاإنساني كهذا سيؤدي بالضرورة إلى أن ترتد الكراهية على الأنا، فتتسبب في انشطارها محدثة سلسلة طويلة من الأزمات التي قد تنتهي بتآكلها من الداخل!!.. إن مجتمع صاحبنا لا يزال قابعا في الطور البدائي للمدنية والحضارة؛ على الرغم من أن أفراده يقتنون أحدث الأجهزة ويركبون أفخر السيارات ويستخدمون آخر صرعات التكنولوجيا!!.. ولذا لا بد أن يفهم أفراده أن أمم العالم المتحضر أدركت – منذ زمن بعيد – أن كل شيء من تحول إلى تحول، وأن القانون الثابت الذي لا يتغير هو القانون الذي يقول: “كل شيء يتغير”!!.. فالوجود الإنساني دائم التغير في منظومة لا تستقر على حال، ونظرا لظروف عالمنا المعاصر الذي تهدد تحولاته السريعة من يرفض اللحاق بركب التقدم؛ فإنني أخشى أن يأتي ذلك اليوم الذي يضرب فيه القدر ضربته وينشب أنيابه في أجساد المجتمعات التقليدية (الفخورة بتأخرها وتخلفها!) فيغدو أصحابها – بفعل كارثة التهميش الحضاري – من المنبوذين!!.. بل من الخاسرين