اليمن

ربما تكون التجربة اليمنية في تحوّلها إلى دولة اتحادية ملهمة للصومال، التي يتعثر فيها التغيير نحو الفيدرالية منذ تبنيه قبل عشرة أعوام، فالفيدرالية التي استغرقت الكثير من الجدال بين النّخبة المثقفة في الصومال، لا تعني عند قوى وطنية في اليمن إضعاف الدّولة وتقسيم البلاد، وغيرها من الخزعبلات التي يرددها بعض من يتخوفون من شكل الدّولة الجديد.
في اليمن.. لا يقول الحوثيون الرافضون للفيدرالية أنّهم لم يوقعوا لمصلحة الوحدة اليمنية التي يؤمنون بها حتى النخاع، كما يفعل بعض من يقفون ضدّ الفيدرالية، بل أوضحوا صراحة أسباب رفضهم وعدم توقيعهم، وهو طمعهم بمحافظة حجة الغنية بالنفط المطلة على البحر، واحتجاجاً على ضمّ صعدة لإقليم صنعاء.
ولم يزعم المعترضون من الحراك الجنوبي على تقسيم الجنوب لولايتين أنّهم يعتقدون أن الفيدرالية تفتت الدّولة وتضعفها، مثلما يردد بعض الصوماليين ، بل قالوها صراحة: نريد الجنوب إقليماً واحداً، في حين يرى الأطراف الآخرون ضرورة تقسيمه لإقليمين تجنباً لإذكاء روح الانفصال عند بعض قيادات الجنوب.
في اليمن؛ أوصى مؤتمر الحوار الوطني الذي استمر عشرة أشهر باعتماد النظام الاتحادي (الفيدرالي) على أساس ستة أقاليم، وبعد أسبوعين أو أقل، أقرّ الرئيس التوصيات المتعلقة بالموضوع.
بينما في الصومال، قرر مؤتمر المصالحة الشهير امبغاتي الفيدرالية، وأصبح من أهم وظائف الحكومة الحالية تطبيق الفيدرالية رسمياً، وفق بنود موضحة في الدستور، وها قد مرّ عام وخمسة أشهر، دون أن تتحرك لجنة البرلمان الموكلة بهذا الأمر، بل وقد عمل الرئيس وحكومته على عرقلة الخطوات…
في الصومال يخجل المعترضون من التصريح بمخاوفهم، التي يتحدثون بها سراً وفي غرف المحادثات، وعبر بريدهم الالكتروني، ويرددون دون ملل ولا خجل أنّهم إنما يعترضون حفاظاً على قوة الدّولة (وكأن الدّولة الصومالية قوية) وعلى وحدة الشعب ( على أساس أن الشعب في أفضل حالة من حالات الوحدة) ويكررون ليل نهار أن الفيدرالية تناسب البلدان الكبيرة ذات الكثافة السكانية الهائلة، وتتعدد فيها الأعراق، والأديان… وكأنّه ليس ثمة سبب آخر…
الفرق بين اليمن والصومال هو الشجاعة، والوضوح، والرغبة في البناء والمضي قُدماً، بينما تتصف القيادات الصومالية بالجبن والضبابية، والحرص على إبقاء الوضع على ما هو عليه.
لقد حان الوقت للمضي قدماً… والكفّ عن استغلال اسم الوطن تارة والدين تارة للوصول لأطماع شخصية ومآرب قبلية بغيضة!


flag-pins-somalia-yemen

أشعر بالسعادة لاتمام #اليمن عشرة أشهر من الحوار الوطني البطئ والمؤلم، حوار تخللته تحديات أمنية واغتيالات كان آخرها مقتل د. شرف الدّين في اليوم الختامي.
لم تخضع الأطراف للخوف ولم تستلم لليأس. فكان لهم أن قدّموا نموذجاً جديداً لبناء يمن جديد وسعيد أكثر. توافقوا على تبني النظام الفيدرالي، على أساس 6 ولايات.
وبالرغم من وجود من يعترض على الفيدرالية، فإن الجميع سيحترم هذا الاتفاق، ولن يضيعوا الوقت في التّرهات. ولن يخرج رئيس اليمن ليقول: لا تلزمنا أي اتفاقيات عقدت بين الأطراف. نحن ملتزمون فقط بالدستور،ثم يناقض نفسه ليقول: الدستور غير ملزم تماماً لأنه دستور مؤقت. كما يقول رئيس الصومال.
هذا يعيدني إلى واقعنا البائس، فكل مؤتمر مصالحة ينتج أي صيغة توافقية علنية، سواء في الخارج أو الدّاخل، ينقضه المؤتمرون، أو من يصلون للحكم. ويلغونه تماماً، أو يضحكون على الشعب البسيط، باستثارة عواطفه وتجييشه، حتى تعلو الأصوات الخادعة لتصم الآذان, دون أن تقدم أي حلول بديلة.
حين توصل المؤتمرون في عرتا 2000 لصيغة 4.5 لتقاسم السلطة، نسفه البعض، هم في الحقيقة تجاهلوا أن من أخذوا نسبة النصف لم يكونوا يحصلون على أي شيء من قبل، وأن الأربعة المفترض أن يحصلوا على نسب متساوية لم يكونوا متساوين إطلاقاً. وبدل العمل على تحسين الصيغة بجعلها متساوية، وتصبح 5/5
شيطنوها. ليس حبا ً في مبدأ المواطنة بل رغبة في استحواذ كل ذي منصب على كل شيء لصالح عشيرته.. ولكن صوتهم العالي خدع الناس.
وحين تم اقرار الفيدرالية 2004 لم نر أي نقاش جاد في دراسة التقسيمات الممكنة، بل أضعنا 10 أعوام على جيل كان سيصبح أول جيل محظوظ منذ عقدين أو يزيد.
الفرق بين #اليمن و #الصومال يكمن في عقلية من يجتمعون في المؤتمرات، وهم يكذبون على أنفسهم ويعلمون أنّهم سيخرجون بعد أيام لينسفوا كل ما اتفقوا عليه.
تعيس أنت يا صومال .


لا أفهم أبداً تركيبة عقل البعض ممن يزعمون أنّهم غيارى على الإسلام وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم،  وهم يمارسون كلّ ما يناقض روح هذا الدّين.

أي زلة أو خطيئة  يقع فيها الإنسان تصبح جريمة نكراء ينتفضون لها، ويرمون مرتكبيها بأقذع التّهم والشتائم ويطلقون عليه أحكاماً انتقامية، وينكرون أصلاً مبدأ أن ابن آدم خطّاء، ويكفرون بأن رحمة الله وسعت كل شيء، وينبذون التّوبة… لا يرضيهم سوى جزّ الرقبة بسكين غير مسنن.

أذكر في بداية قصة حمزة كشغري بعد تغريداته الشهيرة التي أثارت ضجة، مسحها بل أغلق حسابه. نصب المفلسون المتحجرون أنفسهم قضاة يحاكمون حروفاً مسحها.. والمسح دليل على التّراجع، ولم يرضهم إلا أن يرهبوه ويلعنوه ويلاحقوه..

هرب الشاعر الشاب لماليزيا التي ما لبثت أن سلّمته للسعودية…

وغيّبوه في السجون.. لا ندري على أي أساس حاكموه…

لمن لا يعلم، المملكة العربية السعودية دولة ليس لها قانون جنائي، يوضح الجنايات وما يوازيها من عقوبات. وعليه؛ فأن أي أحمق يفهم كلامك على مزاجه، يحق له أن يبلغ عنك، ولو كان له متابعون كثر على تويتر فعليك السلام، لأن هذه الدولة لا تملك مؤسسة تشريعية اسمها -مجلس الأمة أو الشعب- وبالتّالي يمثل المتوترون الناشطون الشعب، وهم جماعة الضغط المعتمدة.

والقاضي.. سيحكم عليك وفق فهمه للنص الشرعي واجتهاده الشخصي، فربما حكم عليك قاض 80 جلدة، وربما يأتي قاض آخر ليحكم عليك في الجناية ذاتها والحيثيات ذاتها بالإعدام.

اليوم، وبعد أن صب المساكين  لعناتهم على حمزة لعام وتسعة أشهر، وحرم من بيته ودفء أسرته وحريته، وطعامه المفضل، أفرج عنه…

لم يرضهم أنّه أمضى ما يزيد على 600 يوم في المعتقل، فارتفعت أصوات لا أقدر إلا أن أقول أنها عدائية للغاية تقول:” مبروك لكل ملحد .. وديوث وليبرالي ..وكاره للأسلام الافراج عن هذا القذر المتطرف”

وكأنّ وكيل حصري لله على الأرض، فإن كان حمزة قذراً متطرفاً، فمن يكون هذا الكائن التويتري؟ معتدلاً؟ محباً للإسلام؟

وآخر يقول موظفاً آية من سورة التّوبة نزلت في المنافقين بطريقة فجّة: (قل ابالله واياته ورسوله كنتم تستهزؤون لاتعتذرواقد كفرتم بعد إيمانكم)!

وأغرب من ذلك، من يتبتّل لله بدعاء شرير: “اللهم حيث عُطَّل هذا الحد فاقتص لرسولك من كل مارق على الكتاب والسنة وثوابت دينك”

ولا أدري عن أي حدّ معطّل يتحدث!!

كمية هائلة من الكراهية تعشعش في قلوب البعض، ولا يكتفون وإن سجن المرء 50 سنة، وجلد كل يوم 50 جلدة، وكأن الإسلام دين التعذيب والإذلال!

يزعجهم أن يروا الإنسان يخطئ ويتوب، يتهّور ويقول كلاماً غير مقبول ثم يمسحه…

وما لاحظته في تغريدات البعض استنكاراً مردّه لكون ذويهم وأصحاب لهم اعتقلوا دونما جريرة، ولم يفرج عنهم، بينما أفرج عن حمزة المعتدي على رسول الله..

كان الأولى بهم أن يسعدوا بخروج حمزة،  ويهنئوا والديه بعودته لهم، والدّعوة له بالصلاح، وأن يتمنوا للبقية بالخروج سالمين قريباً.. لا أن يروا في معتقليهم شعلة نور وإيمان وغيرهم شياطين مردة يجب أن يصفدوا.. ما أدراكم أن حمزة الآن أقرب لله منهم؟

وأكثر من أشفقت عليهم، مغرد يقول: “انا عن نفسي منب راضي عنه الا اذا الله سامحه”

كيف ستعرف أن الله سامحه يا عزيزي؟

هل سيوحى إليك مثلاً؟

أنا حزينة جداً لأنّ من بين المسلمين نماذج مسئية للإسلام وسماحته، قلوبهم لا تفهم سوى إن الله شديد العقاب، ولا يمكن أن يفهموا أن الله غفور رحيم، ولا يتصورون معنى قوله تعالي: ورحمتي وسعت كل شيء. ولا يعرفون أننا لسنا فضاة على البشر… وهناك هيئة قضائية تبت بالأمور، وإن كانت عرجاء خرقاء حمقاء، وخصوصاً وأن الرجل لم يقتل ولم يسرق ولم يخطف أو يغتصب.. أو حتى يدهس الناس بسيارة في حادثة تفحيط لا يدينها هؤلاء المغردون الصارمون جداً.

هؤلاء المغردون لا يرون بأساً في وضع صورة بن لادن كصورة شخصية لهم أو يضعوا رايات سوداء… وكأن فعلهم هذا لا يسيئ للدين الإسلامي الحنيف.

يكفي حمزة ما قاساه في معتقله ذاك… يكفيه أن عانى من تطاول الكثيرين عليه وكأن شتمه وقذفه ليسا خطيئة، سؤالي هو: ما هي العقوبة التي تسحقونها أيها الكارهون للإنسان؟ كم عاماً من السجن؟ كم جلدة؟

ومن قلبي أهنئ والدته ووالده وجميع أفراد أسرته وأصحابه… وأتمنى الفرج القريب لكل معتقل.

ملاحظة: إن كان حمزة قد أساء للرسول… فأني وجدت قصيدة منسوبة له فيها اعتذار لحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم.. أبيات مؤثرة وصادقة… حاولوا أن تفسحوا لها صدروكم…

 قصيدة-حمزة-كاشغري

بيان مجموعة “شباب صوماليون ضدّ مجازر الإنقلابين في مصر”!


شباب صومالين ضدّ المجازر

إن الأحداث الدامية التي تجري في مصر وتناقلت وسائل الإعلام صورها ومشاهدها المروعة؛ دفعتنا أن نعلن -نحن مجموعة شباب صوماليون- ما يلي:

• استنكارنا للأحداث الدموية الجارية، ورفضنا القاطع للاستخدام غير المبرر للعنف ضد المحتجين السلميين وارتكاب جريمة ضد الإنسانية بحقهم.

• تأكيدنا وحرصنا على وحدة الشعب المصري وتضامننا معه في محنته التي يمر بها، والتي نرجو له تخطيها بالعودة الى المسار الديمقراطي، وكف أيادي قوات الشرطة والجيش المصري عن دماء الشعب، وألسنة الإعلام عن التحريض على القتل.

• إننا كشباب صوماليين، ندرك قبل غيرنا أن إراقة الدم لن تأتي بحل سياسي ناجع في أي مجتمع بشري، ويؤسفنا أن يوجد من يعتقد بنجاعة القتل لحسم الخلافات السياسية في بلد عظيم كمصر.

وختاما نحيي كافة الدول والمنظمات التي وقفت ضد الممارسات القمعية وكل إنسان انحاز لصوت الضمير أمام الدم المراق.

كم مشروع قاتل لدينا؟


 

 

 

 

 

 

 

حرام

الرّوح أمانة الله، يودعها لدى مخلوقاته وقت يشاء، ويستردّها عندما يشاء، وعليه فلا يحق للناس انتزاع هذه الأمانة دون وجه حق، أي النفس بالنفس، وحتى في هذا يجوز ترك الرّوح والاستعاضة عنها بالدّية أو بالعفو عن القاتل. ومن المؤسف حقاً أن يقتل الإنسان أخاه الإنسان ويجد آلافاً يبررون له ويرفعونه إلى مراتب الفاتحين الشجعان.

 

من يلق نظرة على ما يكتبه البعض على صفحات التّواصل الاجتماعي تفاعلاً مع اقتحام الغوغاء من أهالي قرية في الجيزة منزل حسن شحاتة الشيعي وقتل أربعة من أتباعه، سيجد كمية كبيرة من الكراهية في كلماتهم وإدراجاتهم، وهذا ما يثير الخوف في قلب أي إنسان حقيقي.

 

بعد نقاش غير مجدٍ مع المبررين لهذه الجريمة النكراء، وجدتني أمام أسئلة منها:

 

كم مشروع قاتل لدينا؟ سؤال مرعب، تخيلوا لو أتيحت الفرصة لكلّ منهم ليفرغ غضبه وكراهيته فيمن حوله؟ كم روحاً كانت ستزهق؟

 

السؤال الآخر، من زرع هذه الكراهية في قلوبهم؟

 

التربية الدينية المتشددة التي انتهجها معلّمو هؤلاء هي السبب، فقد كبروا وهم يسمعون: الرّافضة زنادقة، كفار، مرتدّون، دمهم حلال. فإذا بهم يتحولون من دواجن لدى أصحاب اللحى والسروايل القصيرة والأصوات المرتفعة المزعجة، والعقول الضيقة إلى وحوش قاتلة مفترسة، تقتحم البيوت دون مراعاة لحرمتها، وتقطف الأرواح.

 

الغريب أنّ من يعتبرون هذه الجريمة مفهومة وقابلة للتبرير، متعاطفون مع الثورة السورية المباركة ضدّ الجزّار بشار الأسد، وغاضبون من تدخّل حزب الله على خطّ القتال، على أساس أنّه تدخل طائفي بغيض، فلماذا يقبلون مقتل حسن شحادة ولا يرون فيه هجوماً طائفياً على رجل ينتمي للأقلية الشيعية في مصر؟

 

إن من يتفهم إزهاق روح في بيت له حرمته وفي ظل وجود قضاء وأجهزة مختصة مهما قيل أنّها فاسدة، ويفرح بمثل هذه الجريمة، فليراجع الضمير الإنساني لديه، وليتأمل أسباب استنكار الأزهر والرئاسة المصرية وكل عقلاء الأمة وليقل لي ما دينه؟ الكراهية والهوى أم الإسلام دين الرحمة والعدالة؟

 

انتهى

حلب … حبيبتي


تتسلل إلى روحي مثل نسمات الصيف في الشام، تتخلل عظامي، تصيبني بالصمت حيناً وبالغضب أحياناً أخرى! هل تذكر تلك الليالي الصيفية التي سهرناها معاً أيام لا همّ ولا غمّ! وأنغام القدود الحلبية تصدح وجيراننا المزعجون لا يتعبون من الطرب! ويرددون باستمرار أهل حلب أهل الكبب والطرب!!
أضحك بيني وبين حالي على طفولتنا الجميلة والسعيدة، أتذكر حين كنا نصحو باكراً في الصباح لنذهب للمدرسة بعيون لمّا يغادرها النّعاس بعد، ننتظر الباص وصوت مقرئ عذب يأتي من محل قرب الموقف يتلو آيات من الذكر الحكيم!! هذه حلب الغريبة تنام على الأنغام وتصحو بآيات من القرآن.
أذكر ذات صباح أنني ذهبت برفقة ابن شقيقتي وبدل الذهاب إلى المدرسة اتجهنا صوب الحديقة العامة، وشربنا السحلب وأخذ لنا مصور عجوز صوراً لنا أعتبرها الأجمل! وفيروز تداعب أسماعنا ونردد بطرب لا نقوى على مقاومته ” قديش كان في ناس عالمفرق تنطر ناس!” أوه ليت الأيام تعود بنا إلى تلك الصباحات الرائقة!
وحدها شوارع حلب تثير في النفس هذه المشاعر! كل النشاطات كانت ممتعة والأروع هو ذهابنا إلى المكتبات المنتشرة خلف الفندق السياحي إذ ننزل إلى القبو ونتفق مع صاحب المكتبة أن نعيد الكتب ونستبدلها بأخرى مقابل عشر ليرات فقط! والعم اللطيف يقبل بسرور! أما مكتبة الأصمعي على بسار ساحة سعد الله الجابري فهي قصة أخرى! كانت المتعة الكبرى، وحتى الرجل صاحب الكوفية الذي يبيع كتباً عتيقة ومجلات وصحفاً بالكيلو كان مصدر بهجة!
أمام سنوات المرح أعني أيام الجامعة اكتشفت أشياء أخرى، اتحاد الكتّاب العرب، حيث تعرفت وقتها على ليلى المقدسي، تلك السيدة اللطيفة الرقيقة الرومانسية، وملك حاج عبيد وآخرون! فأدمنت دنيا الأدب منذ أول يوم وطأت فيه قدمي أرض مقر اتحاد الكتّاب العرب! في ذلك اليوم غضبت مني الوالدة عندما طرت إلى مدرج الطب الكبير لأحضر أمسية شعرية لمظفر النّواب في رمضان بدل الذّهاب لصلاة التراويح! كالطفلة الصغيرة ركضت بسرعة لأسبق الجموع إلى أعلى السّلم لأسلّم على الشاعر الكبير، امتلأت القاعة ولم أجد مكاناً سوى الوقوف في الخارج مع الجموع واستمتع بقصائده الساخرة وخصوصاً تلك التي مسحت بالقمة العربية الأرض!
مهووسة بعالم الأدب الجميل كنت، وسعيدة جداً، ومتحمسة للغاية لدرجة أني أخذت دفتر خواطري لأريها للدكتور عيسى العاكوب رئيس قسم اللغة العربية الذي سألني بعدها إذا كنت أحفظ شيئاً من القرآن وما إذا كنت معجبة بأبي القاسم الشابي!! الحقيقة لم أعرف كيف أدرك ذلك! لكني كنت سعيدة ولم أفكر بأكثر من كونه قرأ لي وأطرى على لغتي!
حلب يا حلب يا حلب! كم أحبك يا حلب الشهباء، كم أعشق لهجة أهل حلب التي لم أتقنها وشعرت بأن مخارج الحروف عندي لا تقدر على قول ” ايش دقلك” ولا حتى أسماء الإشارة الحلبية اللذيدة! أصابتني بعشقها تلك المدينة الساحرة الوادعة وعجز بعدها عن حب مدينة أخرى!
حلب… أخشى أن تفقدي معالمك مع التّدمير المستمر! حلب… أخشى أن أعود يوماً ولا تعرّف على معالمك التي عهدتها!
حلب .. أحن إلى رائحة الخبز في الصباح وصفّه على الجدران ليبرد قليلاً قبل أن نضعه في الأكياس!
حلب … أحن إلى الأجبان والألبان… لم أستسغ غير ما عرفته فيك!
حلب… أحن إلى كلّ شيء فيك .. كل شيء فيك حتى الوجع!
دمرّ الله من دمّرك يا حلب!