لقاء حصري مع سيد محمد عبد الله حسن (الملا المجنون)


sayidka

sayidka2

سيد محمد عبد الله حسن، هل تدري ماذا يقولون عنك هذه الأيام؟ يسمونّك نسخة تاريخية عن حركة الشباب المجاهدين، فماذا تقول عن ذلك؟

يبدو لي هذا الاسم غريباً.. من تكون هذه الحركة يا بنتي.

حركة الشباب المجاهدين ظهرت لتدافع عن الدين، وتقاوم الامبريالية، والنّظام العالمي الجديد، هي حركة لا تؤمن بالقومية الصومالية، وتؤمن بأن حدود الإسلام لا متناهية، من راس كمبوني وحتى الآسكا.

عدت ذات مرة للصومال، فرأيت الإنجليز يعاملونني كأجنبي لحظة نزولي من السفينة. كنت أقاوم أن أصبح غريباً في بلادي. والاستعمار في أيامنا كان يمثل النّظام العالمي المعمول به، كل تلك الدّول الكافرة الشجعة أرادت استعباد البشر والعبث بمقدرات الأوطان، وجعلنا سوقاً استهلاكية رخيصة وعمالة لا تكلف شلينغاً واحداً. لكني حلمت دوماً أن يعقل الصوماليون ويتّحدوا ويكفوا عن عمالتهم للمستعمر. لدي قصيدة عبّرت فيها عن رغبتي في رفع علم الصومال في كل بقعة من بلادنا.. آمنت بمصير مشترك لهذه القومية.. آمنت بذلك حتى النخاع.. أما حدود الإسلام فهي قلب كل المسلمين.. ما هي الآسكا؟ لا أعرفها..

يقولون أنّك كنت فتّاناً، تشعل الفتن بين القبائل، في إحدى قصائدك تنعى شاباً قوياً وسيماً جسيماً، قتل غيلة وتركت جثته للذئاب، لماذا لم تدعُ قومه للمصالحة بدل دعوتهم للثأر؟

يبدو أنّ منسوب الكرامة ينخفض في الصومال منذ قتلوني. كنت أتوقع أن يقولوا لماذا لم تدعُ قبيلة القاتل للفظ ابنها القاتل! هل يُطالب الضحية بالعفو والتعايش مع القهر، وإعلان السلمية ونبذ المقاومة؟ أتعرفين؟ لو كانت قبيلته عزيزة ولا تقبل الضيم لما تجرأ حفنة من أوغاد قبيلة تسكن معه على ذبحه، ولما تركت جثته تلفحها الشمس نهاراً وتعبث بها الذئاب ليلاً. تعساً لكم من جيل!! أفيكم من يقول هذا؟

لماذا قمت بعملية إبادة ضد الإسحاق؟ ألم يكن بإمكانك المقاومة دون سحق غيرك؟ وهل يجب أن يكون الجميع مؤمنين بمقاومة الإنجليز؟

ألم يخبركِ أحدهم أن الإنجليز الأوغاد جلبوا أحد جنودهم من الهند، وكان اسحاقياً، فنصبوه سلطاناً على الاسحاق، ليكسروا ظهر المقاومة، وفعلاً مال أبناء الإسحاق لسلطانهم الجندي البريطاني، وحاربوني وحاولوا إسقاط مشروع المقاومة, ألم يكن من حقي الدّفاع عن مبادئي وإن حوربت أن أرد الضربات التي أتلقاها. ليؤمنوا بعدم المقاومة والتّماهي مع المستعمر. هذه طبيعة الشعوب القابلة للاستعباد. ولكني ما كنت سأقبل أن أتركهم يرفضون المقاومة ويفرضوا عليّ ذلك. إن كانت الحرية للجميع، فليكن لي حق المقاومة، وليكن لهم حق رفض المقاومة، ولو لم يحولوا بيني وبين الإنجليز لما قاتلتهم.

في شعرك قصائد هجاء وكراهية لمحافظة بري، والملك عثمان. أليس هذا دليلاً على تفرّدك بالرأي، وطغيانك، رفض الرّجل إيواءك فهجوته وشرّدت قومه.

(ضحك طويل)
خدعوكِ يا بنت أختي. عندما دحرني الاسحاق المتعاونون مع المستعمر، أرسلت رسالة للملك عثمان، وطلب منه اللجوء لمملكته، فقبل وقال: إنما نحن إخوة لك، وأرض دارود أرضك، وهنا لا وجود للانجليز، وميناء بندر قاسم تحت خدمة سفنك. وما أن أشرفت على محافظة بري، حتى فوجئت بجيوش الملك تحاصرني من كل مكان, وقتلوا فينا أكثر مما فعل الإنجليز, لاحقاً علمت أنّ الطليان هددوه بنقل المملكة للملك علي يوسف ملك هوبيو. فأراد هو الآخر إثبات ولائه للطليان!! هذا الشعب يعشق العبودية يا بنتي، والمناصب ولو على جماجم الآلاف. هنا استدعيت جنودي في الإقليم الأوغاديني ومن غيرها من المناطق، وجهزّت لأغزو المتآمر بُقر عثمان. أذقتهم أمّر مما أذاقوني، وهذه كانت بداية انتقال نضالي للصومال المحتل من قبل الطليان، إن لم يكن لهم قبل بتحمّل نتائج هجائي ومقاتلتي فلماذا يستعدونني؟

يبدو لي أنّك تجيد الدّفاع عن نفسك، لكن ماذا ستقول عن محاربتك لأتباع الطريقة القادرية وتكفيرك لهم؟ وقصيدتك المهينة عن واقعة مقتل الشيخ أويس؟ مرة أخرى.. تُتهم بمحاربة غير لمجرد اختلافه معك.

لا أظنك تتوقعين أن أسمع هذه الاتهامات التي تلقينها أمامي وأصمت أو أطأطئ رأسي وأقول: أنا مذنب.. فأحرقوني. قصتي مع القادرية بسيطة، شعرت القادرية بالتهديدن ظهور طريقة ثورية قوية ترفض الدّروشة المتصنعة، أفتوا بكفرنا، وخروجنا من الملة، ودرا بيننا سجال قد تجدونه في الكتب ويتناقلها رواة الشعر, كنت أجلدهم جلداً مبرحاً بشعري (ضحكة قصيرة)، ثم انتقلنا من تبادل التكفير والتفسيق الكلامي لساحات القتال. وقتل شيخ أويس.. ارتاحت حركة المقاومة من متآمر آخر عليها, لم نكن نحن من بدأ اطلاق الفتاوى وتجييش الناس ضد أحد. كلّ همنا انحصر في كسر الاستعمار. هل سمعت مثلا من يدينون الحركات التحررية الأخرى؟ كل حركة تحررية لديها أعداؤها. لم نكن قضاة على الناس، لكن أعداءنا لم يكونوا المستعمرين فقط. بل من أبناء جلدتنا وديننا. ليتهم لم يحاربون نيابة عن الطليان.

لماذا وصفت لغة ماي ماي بلغة الكفّار؟ هل للغة أديان يا سيد محمد؟ كيف ستدافع عن نفسك أمام هذه التّهمة؟

(أطراقة طويلة) كما تعرفين، ما تسمينها لغة ماي ماي لم تكن مألوفة لي، حين أتيت إلى أؤلئك القوم، ما كانوا يتكلمون اللغة الصومالية المشتركة بين العرق الصومالي كله، كان كلامهم غريباً كلياً، واعتقدت وقتها أن هذه لغة من لغات المستعمر. وحدهم من نطقوا بغير الصومالية. اللغات لا أديان لها.. غير أن التّقاليد الصومالية تصف اللغات الأجنبية والأجانب بالكفر. لا أملك ما أدافع به عن نفسي هنا.. سأطأطئ وأقول: أخطأت في تقديري وقتها.. وكان الجهل بهم وبلغتهم سبباً في ذلك، فلو أقمت فيهم دهراً، دون أن أكون مثقلاً بذاكرة من الخيانات والمؤامرات لفتحت لهم قلبي ولأمنتهم. الجهل والشك والخوف حملاني على ظلمهم.

لماذا كنت تنشد الأشعار فوق جثث قتلاك؟ ألا تعتقد هذا منافياً للدين والشرف؟

ربما تقصدين قصيدتي الشهيرة عن قتل كورفيلد، قتل في معركة بيننا وبينهم، ولم نأخذه غيلة ونمثل بجثته. مات وهو يقاتل في سبيل الظلم ودفاعاً عن اغتصاب وطنه لوطني، فهل تتوقعين أن أرسل للملكة خطاب تعزية ورثاء لبطولات الكورنيل؟ أردت أن أطبع في ذاكرة الإنجليز مقتله، كان مشاركاً في احتلالهم لجنوب افريقيا ونجيريا، ووضعت حداً لجبروتهم. أردتهم أن يتذكروا كلما ذكروه كيف قتلناهم. كيف هزمناهم، وكيف يزهق الباطل, هم يمنحون مقاتليهم أوسمة لأنه بقروا بطن امرأة حامل، أو قتلوا أطفالاً أبرياء، أو قنصوا مواطنين عزل. ولا يدينهم أصحاب الضمير النقي ممن يرون في إنشاد قصيدة فوق جثة مجرم سفاح، كان يريد قتلنا عملاً وحشياً. هذه هي طبيعة العبيد والمنحطين!!

حسناً.. لماذا لا نجد مناضلين صوماليين من أمثال محمود حربي، وعلي سمتر، وأحمد جري، وحتى حسن برسني متهمين بكل ما ذكر؟ كانوا مناضلين، ولا أحد يتهمهم بكل ما اتهمت به من عداء للقبائل، والطرق الصوفية وغيرها. لماذا أنت فقط؟

الفرق بيني وبينهم يكمن في الشّعر، كنت شاعراً.. أحاربهم بالكلمة وبالسيف، وسيخلد التّاريخ الشعر الذي هجوت به من خانوني وأرادوا الركون للاستعمار, سيأتي أحفادهم وأحفاد أحفادهم والعار يملؤهم، سيكرهونني أكثر جيلاً بعد جيل. أغلبهم سيقتبسون مقالات وكتابات لجنود ومحاربين انجليز أو امريكين، لن يقبلوا أن يقال أني سيّد، وأنّهم وضعوا رقابهم بين أيدي المستعمرين. للشعر شيطان.. وقد أوتيت شعراً لم يؤتَه صومالي قبلي، وهبني الله لغة كالسيف مضاء وقطعاً. بعضهم تمنى لو أفنيت نسله كاملاً بدل من التشهير بخيانته في قصيدة ستبقى خالدة أبد الدّهر.

إنك متفاخر يا سيّدكا.. وهذا يثير حنق الكثيرين، هم يرونك نسخة عن المليشيات القبلية التي حاربت الصوماليين وقتلتهم على الهوية والانتماء، لماذا برأيك؟

ربما لإخفاء بشاعة ما فعلوه يا بنتي، يريدون طرح شخصية مثلي وذكر المعارك التي خضتها ضد الصوماليين ليبرروا لأنفسهم فضائحهم, وسيلعنهم التّاريخ.. ولن يجدوا لهم مبرراً واحداً، ولن يقدروا هم على الدّفاع عن أنفسهم أبداً.. وسيتضاءلون أمامي حين يقارنون بي.

( فجأة توارى ظله القابع أمام مكتبي، ليترك بعض الأسئلة الأخرى معلقة…)

Advertisements

8 Comments

  1. ثورة الدراويش أنقذت أجيالا من الأطفال خاصة في مدينة بربر الوقوع في براثن التنصير، جهودها تستحق أن تكتب بماء الذهب، تاريخ الدراويش تعد صفحة بيضاء ورصيد تاريخي، ولايعني أنها تخلوا من أخطاء

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s