في ذكرى 18 مايو


18 May

في مثل هذا اليوم من عام 1991م، أعلنت قوى من أبناء قبائل مناطق شمال غرب الصومال ميلاد جمهورية أسموها جمهورية صوماليلاند، وتناضل حكوماتها المتوالية منذ ذلك الحين لنيل الاعتراف بها جمهورية مستقلة ذات سيادة، بل أصبح الوعد الانتخابي المزمن لكل من يرغب في منصب الرئاسة فيها. ويجادل أنصار انفصال صوماليلاند بأنّ جمهوريتهم استوفت معايير الدّولة (statehood) الأرض والشعب والحكومة، كما أنّها شهدت انتقالاً للسلطة بطريقة ديمقراطية قل نظيرها في افريقيا بل والشرق الأوسط كذلك، وتعتمد الجمهورية كذلك نظام تعددّ الأحزاب، أليست جديرة بالاعتراف بعد كلّ هذا؟
طبيعة الاعتراف بالدّول وحالة صوماليلاند
يعتبر الاعتراف بالدّول خطوة ضرورية تثبت الشخصية القانونية القادرة على إجراء الاتفاقيات والمعاهدات وإقامة العلاقات الدبلوماسية والانضمام للمنظمات الدّولية. واعتراف الدّول بأي كيان جديد يعني رغبتها في حضور هذا الكيان على الساحة الدّولية. أمّا الاعتراف بالدول فيستند لنظريتين: نظرية الاعتراف المقرر (declaratory)، فالدولة وفق هذه النظرية لا تستمد كينونتها من الاعتراف، وإنما يأتي الاعتراف بها إقراراً لوجودها، بمعنى أنّ وجود الدّولة سابق للاعتراف. ونظرية الاعتراف المنشئ(constitutive)، بمعنى أن الدّولة لا تحقق لها الشخصية القانونية ما لم تعترف بها الدّول الأخرى.
وجدير بالذكر أنّ القانون الدولي لا يمنع الاعتراف بأي دولة، بل يترك القرار لكل دولة لتقرر موقفها، وغالباً ما يرتبط الاعتراف بمصالح الدّول السياسية والاقتصادية، فقد تتعامل بعض الدّول مع الحكومات القائمة في الدول غير المعترف بها دولياً دون أن يعني ذلك الاعتراف بالدّولة ككيان مستقل موجود على أرض الواقع. كما أن الاعتراف بالدّول لا يأتي دفعة واحدة من كل الدّول في الوقت ذاته، فكوسوفو على سبيل المثال خاضت نضالاً طويلاً، واعترفت بها منظمات دولية كالأمم المتحدة والاتحاد والبرلمان الاوربيين، ودول عديدة، ومع ذلك ما تزال دول كصربيا وسوريا وفنزويلا ولاوس مثلا أعلنت أنّها لن تعترف بها كدولة، واعتبرت روسيا انفصال كوسوفو والاعتراف بها كدولة سابقة خطيرة.
وفي حالة جمهورية صوماليلاند فهي وفق القانون الدولي جزء من دولة الصومال المعترف بها وفق نظرية الاعتراف المقرر، وكونها أعلنت الانفصال والاستقلال حقق لها الوجود المادي، دون أن لم يثبت شخصبتها القانونية، لم يجعل منها جمهورية ذات سيادية وفق النظرية الثانية (الاعتراف المنشئ) حيث أنّها لم تحظ لليوم باعتراف أية دولة.
لماذا تأخر الاعتراف بصوماليلاند حتى الآن؟
يعتبر هذا السؤال في غاية الأهمية، ولعلّ الإجابة عنه تكمن في الدّوافع التاريخية والسياسية التي تقدّمها صوماليلاند لدعم دعواها في حق الحصول على دولة معترف بها. تدّعي القوى الفاعلة في مناطق صوماليلاند أنّ جمهوريتهم كانت دولة مستقلة قبل قرار الانضمام للصومال الإيطالي، وأنّ خيار الوحدة لم يكن صائباً، بل هو خطأ تاريخياً وجب تصحيحه بالعودة للمسار الصحيح، ألا وهو إقامة جمهورية ذات سيادة، حرة ومستقلة، تكون حدودها ضمن حدود ما كان يعرف بالصومال البريطاني (المحمية البريطانية السابقة).
الإدّعاء الآخر هو: أن النظام الديكتاتوري ارتكب مجازر ضدّ أبناء قبائل جمهورية صوماليلاند، ولا حلّ يشفيهم من جراح الماضي سوى التّخلص من الانتماء لدولة الصومال، سياسياً واقتصادياً، ونفي كل ما يرمز إليها من علم وشعارات وهذا لا يتحقق إلا بإقامة دولتهم المستقلة.
ولكن ماذا يقول الواقع؟
تقاسمت الدّول الاستعمارية (فرنسا وإيطاليا وبريطانيا) الأراضي الصومالية، فنسبت كل دولة نصيبها من الصومال إليها، (الصومال الفرنسي)، (الصومال الإيطالي)، (الصومال البريطاني)، وهذا ينسف من الأساس مقولة (كانت صوماليلاند دولة مستقلة) كانت إذاً حزءً من الصومال المقسّم. وفي الخمسينات وضع الصومال البريطاني والصومال الإيطالي تحت الوصاية الإيطالية.. ما يعني أن الإدعاء بحدود المحمية البريطانية يتضعضع، لأن كل ما عرف لاحقاً بجمهورية الصومال كان واحداً تحت الوصاية الإيطالية، قبل أن يحل السادس والعشرون من يونيو 1960م، فمنح الصومال البريطاني استقلاله، ولم يعلن نفسه جمهورية مستقلة، بسبب الاتفاقية المعقودة بينه وبين الصومال الإيطالي بالوحدة بعد استقلال الأخير.. ولهذا لا يمكن القول بأنها كانت دولة مستقلة لأربعة أيام وفق الدّعاية الصوماليلاندية لأنّها لم تصبح دولة بحكم نظرية الاعتراف المقرر الذي يجعل الاعتراف بالدّول تلقائيا بعد استقلالها.
أمّا الإدّعاء الآخر بأن النظام الديكتاتوري ارتكب مجازر ضدّ أبناء المنطقة، فهذا واقع لا ينكره أحد، وهذا طبع كل نظام ديكتاتوري، وقد عانى منه الصوماليون أفراداً وقبائل، فهل الانفصال هو الحلّ الوحيد؟ كان بإمكان القائمين على جمهورية صوماليلاند طلب الاعتذار والتعويض من الحكومة الصومالية بعد استقرار الوضع، ويحق للحكومة تطبيق (التمييز الإيجابي) لصالح أبناء هذه المنطقة، والحصول على حكم ذاتي.. وفتح الباب للتعايش مع باقي الصوماليين، فالأذى وقع عليهم من قبل نظام لا من قبل المواطنين، وقد باد ذلك النّظام واندثر. وعلى العموم، يبدو الإدّعاء الثاني أقرب للمنطق من سابقه، غير أنه سبب لا يرقى لطلب الانفصال.
في رأيي؛ لم تكن قيادات صوماليلاند جادّة بما يكفي بخصوص موضوع الانفصال وإقامة دولة ذات سيادة، بل أرادات أن تلفت النّظر إليها بوصفها قوة فاعلة في جمهورية الصومال وأن يمنحوا مناصب سيادية كانوا يطمحون إليها منذ الاتحاد بين الإقليمين، ولم يصرّحوا بذلك. وأستند في ذلك لمحاولة الانفصال الأولى بعد عام من الوحدة، إذ حدث أن أقال الرئيس آدن عدي رئيس الوزراء عقال من منصبه، وعيّن شرماركي الأب مكانه، ما استفزّ أبناء الإقليم، وأشعرهم بالإقصاء. غير أن استمرار الوضع السيئ مدة أطول وظهور جيل نشأ على كراهية كلّ ما يمتّ للصومال بصلة جعل نغمة الانفصال تأخذ منحى أعمق وأكثر جدّية, وفي المقابل، نجد أن الأصوات المستهجنة للانفصال من ابناء الصومال الإيطالي تنخفض ولا سيما من أبناء جنوب الصومال ممن أرهقتهم حالة الفساد والإفساد المتعمّدة، ومع نزوح أصحاب رؤوس الأموال من مقديشو لصوماليلاند بدأ التوتر حيال الموضوع يتلاشى… ولا سيما وسط فئات الشباب، الذين يتبارون في التهنئة صوماليلاند بيوم الاستقلال المجيد.

Advertisements

1 Comment

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s