المتعبون أمثالي – خاطرة


ClimateSecurity_main_1129

الأشخاص المتعبون أمثالي، لا تراهم يضحكون كثيراً، في اللحظات القليلة التي لا نكدح فيها، نكون غارقين في نوم عميق.
ترف هو السهر على أنغام موسيقى افريقية على شواطئ المدينة، حيث تجد العشرات ممن اعتادوا الاكتفاء باستنشاق رائحة البحر لثمانية عشر عاماً، دون أن يملكوا الحق في الاقتراب منه.
في هذه المدينه، وحدهم أؤلئك المنتمون لعالم الـ VIP يحضرون المنتديات، والملتقيات الثقافية، أمّا المتعبون البائسون أمثالي، فهم منفيون عن هذه الاجتماعات. لا أحد يحب أن يرى قميصي المخطط بآثار العرق الجاف، ولا وجهي الذي لوحته الشمس، فرسمت فيه بالتعاون مع القهر أخاديد قاسية، ولا يتخيلون أن يداً غليظة متشققة مثل يدي الوحيدة تمسك بالقلم أو تداعب أزرار لوحة المفاتيح.
أمثالي ممن تركوا التنظير واختاروا أن يعرفوا معاني الأمور التي يدافعون عنها أولاً هم مجانين العصر. كيف تدافع عن الفقر، وأنت لم تعرفه، ولم تعش مع فقير يوما واحداً؟
هل تدري ماذا يعني أن تحسب كم لقمة يجب أن تكتفي بها اليوم، ليكون لدى ابنك كوب حليب، ولزوجتك رداء تستر به نفسها؟
هل تدري ماذا يعني أن تكون مريضاً، أو مسئوولا عن شخص مريض، ولا تملك جواز سفر أجنبي أو دبلوماسي، يساعدك على إرساله للعلاج في الخارج، وتكون محكوماً بالبقاء حيث لا علاج ولا دواء؟
كيف تناضل من أجل المسحوقين وأنت تعلم أن هذه المنطقة تعتبر سجناً لأشخاص فرّوا من المجاعة ليقعوا بين أيدي أنذال يتاجرون بجوعهم؟
تقول عن نفسك مثقف يناهض الظلم والجور؟
تقول عن نفسك وطنيا غيوراً ورجل سلام؟
ضميري ما عاد يحتمل الاكتفاء بممارسة دور المثقف عاشق التنظير والثرثرة! ثمة وجع أطبق على روحي، وما وجدت له فكاكاً. فاعتزلت عالم المثفقين الرخيص.
في البداية، قاطعت الانترنت، والكهرباء والهاتف المحمول، وبدأت أعمل بيدي، أعيش تفاصيل حياة الطبقة الكادحة التي طالما تظاهرت كغيري في الدّفاع عن حقوقها.
وتعمّدت ذات لحظة جنون الذهاب لمنتدى من أجل السلام، نظروا إلي شذراً وقالوا للأمن: أعطوه طبق من الأرز واصرفوه!
قلت لهم: إنما أريد الاستماع للمناقشات.
قالوا لي: هل تنصرف أم نفرغ في صدرك خمس رصاصات؟
منتدى للسلام إذاً!!!
ومرة أخرى ذهبت لمشاهدة رقصات شعبية بحضور العمدة وكبار شخصيات المدينة.. نظروا إلى ملابسي، ودفعوني.. وجدتني ألعب بورقة اللغة الأجنبية التي أتقنها، فقال أحدهم: لقد تعلمها من الأفلام الرخيصة التي تعرض في الأحياء, إنّه جاهل فاطردوه!
لم أندم لأني غادرت سكة المتظاهرين بالثقافة والتمدّن.. متعب ومنبوذ نعم! غير أني أنام بعمق دون أوجاع!

Advertisements

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s