مذكرات عبد الله يوسف -3- زمن البطش


ciidan

 

صحيح أن سياد بري كان دكتاتوراً يقتل ويصلب ويعتقل من يشاء في الوقت الذي يشاء، وشمل القمع الجميع، إلا أن هناك محافظات صومالية كان لها النصيب الأكبر من ظلم الدكتاتور، وأفراد عانوا التعذيب والقتل بأبشع الطرق كبعض قادة الجيش الصومالي ، ليس لأنهم ارتكبوا جرماً، وإنما لأنهم قالوا” لا” للديكتاتور..

محافظة “مدغ” نمودجاً:

أرسل سياد بري كتائب من الجيش الصومالي إلى محافظة “مدغ”، وأمر ها بقمع الناس هناك ، قام الجنود بأعمال سلب ونهب واسع وقتلوا أعدادا كبيرة من المدنيين، لأتفه الأسباب. حكي لي جدي أنه عاش في هذه المحافطة فترة الظلم، وكان شاهد عيان على الفظائع التي ارتكبتها القوات الحكومية ضد المدنيين. قال :”ابنتي .. كلما تذكرت ما حدث في ذلك اليوم أجد عيناي تدمعان وقلبي يحزن حزناً شديداً، أتصدقين يا بنتي أن القوات ألقت القبض على 100 من رعاة الابل في منطقة تبعد حوالي 110 كم عن المدينة، وكانوا يرمون جثة بعد كل كيلومتر على طول الطريق العام؟ أتعرفين ماذا كان ذنبهم ؟ طلب الجنود من رعاة الإبل إعطاءهم إبلهم فرفض الرعاة ذلك” كان جدي يبكي عندما يحدثني عن هذه الواقعة المؤلمة. وقال وهو يواصل حديثه “ليست هذه الحادثة الوحيدة، بل هناك الكثير من الحوادث الأليمة التى وقعت هذه المحافظة والتى تدمي القلب”. ويقول بعض المحللين إن القوات الحكومية قامت بهذه الاعتداءات لإخافة السكان وترويعهم. وفي مذكراته “نضال ومؤامرات” يروي الرئيس الراحل عبدالله يوسف احمد أكثر من قصة مؤلمة ، يقول: “وقعت في هذه المحافظة عمليات اغتصاب واسعة النطاق استهدفت طالبات المدارس في “مدغ” وذلك بعد أن قامت عناصر من القوات الصومالية بعمليات اغتصاب ضد طالبات في المراحل الدراسية “الابتدائية والاعدادية”، أتذكر يوم ملأت القوات سيارة بطالبات تتراوح أعمارهن ما بين 14-15 سنة، وألقت إحدى الطالبات نفسها من السيارة لتهرب من اغتصاب القوات، وفعلا نجت لكنها فقدت بصرها نتيجة السقوط، وهي الآن على قيد الحياة وتعيش في إحدى الدول الأوروبية”. ليست محافظة “مدغ” وحدها من عانت ويلات التعديات التى قامت بها القوات الصومالية، إلا أن هناك محافظات صومالية أخرى وقعت فيها شتى أنواع من التنكيل بالمواطنين وترويعهم. وهذه التعديات حملت السكان في محافظة “مدغ” على الانضمام إلى صفوف الجبهات المسلحة المعارضة للرئيس سياد بري والتي انتهت بإسقاطه بعد حرب طويلة وطاحنة راح ضحيتها آلاف من الأربرياء الصوماليين. بعض اصدقائي ناقشوني في موضوع سياد بري وقالوا “إن سياد بري ترك كل هذه الابنية والشوارع الجميلة، لكن لسوء الحظ قامت قبيلة هويي بتدمير كل ما بناه لأجلكم”. قلت: “ذلك جزء صغير من الحقيقية، والحقيقة أن ظلم سياد بري أدى إلى أن يكره الناس لكل ما له صلة بنظامه، فمباني الوزارات والمنشئات شكّلت مصدراً للظلم.  إن جمال المدن والشوارع لا يسمن ولا يغني من جوع، إذا حرمت من حقك في الانتفاع بها، ولن يكون لوجوده أي معني فهي جدران للظلم والفساد ويجب أن تسقط.

ولكن ثمة أمر ينبغي أن نتذكره حقاً، وهو أن ظلماً كبيراً وقع على المحافطات الشمالية بيد سياد بري، وبعد سقوط النّظام، لم تدمر تلك المحافطات، بل حافظ أهلها على المؤسسات، وبذلوا جهدهم كي تبقى كما كانت، على العكس من أهل الجنوب، حين أسقطوا النطام، دمروا معه كل شيء، وكأنهم يثأرون من سياد بري بأفعالهم، فوضعونا في مشكلة لها بداية وليس لها نهاية.

Advertisements

1 Comment

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s