الصوت الخفيض والغضب المكتوم : وضع النّقاط على الحروف.


خارطة صوماليي الشتات

 في مقاله المعنون بـ (الصوت الخفيض والغضب المكبوت)، المنشور في موقع من أجل الصومال مؤخراً، زعم الكاتب أحمد عثمان أنّ الصومال أشبه ببيت العاهرة  للدلالة على أنّها مستباحة وملك مشاع للجميع، وبعيداً عن استهجان البعض لهذه العبارة، أرى ّأنّه بالغ في إبداء استيائه، فالأمر برأيي ليس كما وصفه الرّجل.  فجمهورية الصومال اعتمدت منذ الاستقلال مبدأ القومية الصومالية، (Pan Somalism)، والدّاعي لوحدة القومية الصومالية، وعلى أمل أن تنضم الأقاليم الثلاثة الباقية لجسد الجمهورية الصومالية. ولأجل هذا خاضت البلاد حربين عبثيتين ضدّ اثيوبيا، أولاها اندلعت والبلاد في 1964م، أي ونحن في طور النشوء، والثانية في 1977م. وتوارثت الأجيال الصومالية هذه الفكرة، حتى باتت اثيوبيا عدّونا الأوحد والأكبر. إن عدم اعتراف شرائح من الشعب الصومالي لواقع  ترسيم الحدود الجغرافية لدول شرق افريقيا، وإيمانهم العميق بما يسمى “الصومال الكبير” مستندة لفكرة قديمة وربما تكون أقدم من قيام جمهورية الصومال نفسها في مستهل الستينات من القرن الماضي. وأصبحت الصومال منذ الاستقلال مهوى قلوب الصوماليين، فهي ليست بيت العاهرة، بمعنى أنها ملك للجميع، بل بيت الأم الرؤوم التي يأوي إليها كلّ من نطق بالصومالية، ومن يشارك أبناء الجمهورية عرقاً ومصاهرة ونسباً. ولعل الأمر يبدو أكثر وضوحاً حين ننزل إلى أرض الواقع من أجل فهم علاقة الصومال بدول الجوار، فالصوماليون يعادون كينيا وإثيوبيا لسببين، أولها مباشر: (لأنهما -برأيهم- تحتلان أراضي صومالية) والسبب الآخر وهو غير مباشر: لا رابط عرقي بينهم وبين تلك الدوليتين.

القضية الأخرى التي تناولها المقال هو: لماذا يتولى أبناء الصومال الغربي مناصب سيادية في الصومال؟ واعتبر كاتب المقال أن فارح عبد القادر الذي كان ممثلاً عن الحكومة الفيدرالية رجلاً من اثيوبيا لأنه ولد في فير فير التابعة رسمياً وجغرافيا ًلإثيوبيا، وبالتّالي لا يحق له تمثيل الصومال في قضية “جوبا لاند”، وأن أحمد مذوبي  الممثل عن جوبا لاند أيضاً إثيوبي، هذه المسألة تتطلب مراجعة عادلة، فالصومال انتهكت حدود اثيوبيا في حربين، وتشرّد في الحرب الثانية (1977) أكثر من مليوني إنسان من هذا الإقليم، ودفعوا الثمن غالياً بسبب تهوّر القيادة العسكرية الحاكمة وقتها. وفما كان لهم إلا اللجوء للصومال، حيث استقر كثيرون في هيران ومقديشو وغيرهما، والصومال كما نعرف من الدّول الموقعة على ميثاق المفوضية السامية للاجيئن التابعة للأمم المتحدة، ما يمنح اللاجئين حق العمل والتعلم والتجنيس أيضاً، ولهذا حصل كثيرون من أبناء الصومال الغربي اللاجئين على الجنسية الصومالية، وحملوا الجواز الصومالي، وأصبحوا مواطنيبن صوماليين لهم ما للصوماليين وعليهم ما على الصوماليين، ومن غير العادل وصفهم بالأجانب، لما تشتمل عليه هذه الدّعوى من عنصرية ومعاداة، وهكذا فإن فارح عبد القادر رجل صومالي من مواليد فير فير، ويعمل رسمياً مع الحكومة الصومالية، وأما أحمد مذوبي، فلا يمكنني المجادلة في شأنه، فهو من عصابة حاربت اثيوبيا وشاركت في مليشيات لا أعترف بها كاتحاد المحاكم الإسلامية، ولم أسمع بكونه لجأ للصومال ونال بعد ذلك الجنسية أو الجواز.  مع العلم أن الصومال من الدّول التي تسمح بازدواج الجنسية.

وثمة حقيقة أخرى علينا الاعتراف بها: إن كثيراً من أبناء جمهورية الصومال حصلوا على جنسيات كينية وإثيوبية، وأصبحوا مواطنين لدول أخرى، فهل يعني هذا أنه بمرور الوقت لن يحق لهم الحصول على منصب في البرلمان أو مجلس الوزراء أو في مراكز إدارية أخرى؟

وأيضاً، هاجر كثير من الصوماليين لأوربا، وتجنسوا، فهل يعني هذا أنّهم أجانب لا حق لهم في الحصول على مناصب في الصومال؟ أو بما أنهم من أصول صومالية،  رغم جنسياتهم لا يحق لهم امتلاك طموح سياسي في البلدان المستضيفة؟ بمعنى أنّ كونك من مواليد جمامي لا يمنح الحق في الترشح لرئيس بلدية في النرويج ( بلدك الآخر) أو لا يحق لك منصب سياسي سيادي أو غير سيادي فقط لأنك مواطن دولة أخرى؟

أقول: لو وسعنا القياس ليشمل صوماليي الشتات، وكل من لديه جنسيتان، لوجدنا مثلاً أن وزيرة التنمية مثلاً مواطنة أجنبية، وعليها العودة لبلادها (السويد)، وأن أي صومالي يشغل منصباً رسمياً في الدول المضيفة يجب أبعاده.. لأنه ولد في الصومال؟!

ويلخص الكاتب فكرته أكثر في فقرة تقول😦 ما شأن إخواننا الناطقين بالصومالية والقادمين من دول الجوار فشأنهم في جمهورية الصومال يجب ان يكون شبيهاً بشأن المواطن العربي المهاجر من بلده إلى إلى بلد عربي أخر، فهو هنا أجنبي وضيف على البلاد لا اكثر رغم أنه يشاركهم في اللغة ويصلي معهم جماعة وقد يكون خطيبهم في المسجد.)

إن كانت تلك الدّول تعاملنا على أساس قوانينها، فعلينا أن نعامل غيرنا على أساس قوانينا لا قوانينهم هم. قلت في مقالة لي نشرت في موقع نون بوست بعنوان ( المثقفون وجدلية شرعية الدستور المؤقت) http://www.noonpost.net/content/60  أن الدستور المؤقت فيه ميزات لا تتوفر في أغنى الدّول العربية،  كحق الجنسية لمن يقيم خمس سنوات في الصومال أو من يولد على التّراب القومي، أو بالزواج من مواطن صومالي، دون التمييز بين ذكر وأنثى، ولو أنصفنا أنفسنا لوجدنا أن المقارنة ظالمة، فلا نرضى بالمقارنة بدول ترمي من يعلّم أبناءها ثلاثين عاماً خارجها دون احترام، ولا أدري كيف يقبل الكاتب المشهور معاداته لربط اسم الصومال بالدّول العربية، أن يطالبنا بمعاملة الوافدين من صوماليين كأجانب على الطريقة العربية المعروفة بالعنصرية واللا إنسانية في معاملة الوافدين.

وإن حكّمنا منطق المعاملة بالمثل، فعلى الدّول  الغربية أن ترمي الصومالي بالحجارة وتضطهدهم كما يفعل الصومالي بهم عندما يأتون للزيارة، لكنهم يحكّمون قوانينهم حتى على الإسلامويين الراغبين في تدمير أوربا. وهنا يكمن الفارق بين من يريد الارتقاء بوطنه ليكون على مصاف الدّول المتسامحة، وبين من يريد الانحطاط، وبتقليد الدول المتخلفة المنغلقة.

أما بخصوص قضية تهجير صوماليين إلى Lawye Cade، وعدم تقديم جيبوتي لهم أي تسهيلات لتحسين ظروفهم، فاسمح لي أن أقول: ماذا كان على جيبوتي ذات الأعوام الثلاثة أو الأربعة أنّ تقدّمه لمن أسميتهم مهجّرين؟ هل كانت الدولة حديثة الولادة تتمتع بتنمية ووسائل معالجة حالات كتلك الحالة؟ إن جيبوتي حتى اليوم تفتقر للتنمية المتوازنة، فما بالنا بتلك الحقبة؟ وللحقيقة هذا ليس ذنب جيبوتي بقدر ما هو ذنب النظام العسكري البائد، ولا أعلم لماذا هجّر الناس من أراضيهم؟ ولماذا لم يحسّن ظروفهم؟

على الهامش:

إن فكرة المعاملة بالمثل تخلّف خاسراً واحداً، هو ابن جمهورية الصومال، فنحن ندرك عنصرية الصوماليين تجاه أبناء إثيوبيا وكينيا، وبالتّالي لا يحق لأي صومالي التّذمر من قتل اللاجئين وسوء معاملتهم، لأننا نعاملهم هكذا في بلادنا، والواقع إن دول الجوار تعاملت مع الصوماليين باحترام خلال أزمتهم الممتدة، إذ استضافت كينيا الآلاف وكذلك إثيوبيا، ورغم اختلاف العرق واللغة والدين، سمح للتجار الصوماليين واللاجئين، وغيرهم بالحياة على أراضيهما. كما حصل العديد منهم على الجنسية، دون أن يكون للأصوات العنصرية لضيقي الأفق بالحؤول دونها، فما أقسى صومالياً يرفض منح هذا الحق لصومالي فضلاً عن أبناء تلك الدول من غير الصوماليين! وما أبعده عن حقوق الإنسان وكل القيم الإنسانية.

Advertisements

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s