في ضيافة الصومال اليوم -مايو 2013


 

سمية عبد القادر شيخ محمود شولى من الأقلام الصومالية الشابة الجريئة وقد بدأت كتابة المقالات في وقت مبكر ؛ فقد كانت تميل في بدايتها إلى الكتابة القصصية والأدبية ، ثم انضمت إلى عالم السياسة ؛ ونشرت مقالاتها في مواقع متعددة ثم أنشأت مدونة خاصة لها.

بالإضافة إلى الموهبة الكتابية تتميز الأستاذة سمية بالتفكير القوي والإبداع الجميل والخيال الواسع وإدراك أفق القضايا الشائكة وتتصف بالشجاعة والجرءة وتستخدم أسلوب الساخر في الكتابة ؛ أعجبني مقالها المنشور في شبكة الشاهد ( خارج النص غالبا ! ) والذي أثار ضجة كبيرة وردود متغايرة .

ولكونها كاتبة متميزة، وتعلم كثيرا عن قضايا الوطن، وبحكم تجوالها في محافظات متعددة من الصومال أجرينا هذا الحوار الشامل مع سعادتها على أمل أن نستفيد من تجربتها الميدانية وفي العملية التدوينة.

وفي زيارتها إلى الوطن مؤخراً، التقيت الكاتبة سمية عبد القادر في مقديشو بمقر شبكة الصومال اليوم ؛ وقمت بإجراء هذه المقابلة التي بين أيديكم .

1. بداية عرفينا بمسيرتك يا أستاذة سمية؟
مسيرتي لها أكثر من بداية، ربما كانت أولى البدايات عندما أجبت مدرسة اللغة العربية عن السؤال المعتاد: “ماذا تحبين أن تصبحي في المستقبل؟” فكان الجواب:”أريد أن أصبح كاتبة كبيرة!” وسرعان ما تبنت عائلتي حلمي الطفولي، وتعهدني أخي عبد الرحمن بالرعاية، وكان وقتها طالباً في جامعة البعث في حماة، وأذكر أنّه كان يزورنا في حلب كل أربعاء وفي جعبته الكثير من المجلات الأدبية، والقصص والرويات، ويقول لي: ليس من السّهل أن تصبحي كاتبة دون أن تصبحي قارئة نهمة وتتملكي دقة الملاحظة، ولا أنسى مراجعات أختي مريم لما أكتبه، بينما شغفت بقية أخواتي بمتابعة شخوص قصصي الذين كانوا يتكاثرون مع كل مقطع، وآمنت أمي بهذا الحلم، وخصصت لي غرفة لأنعم ببعض من الهدوء عندما يحضر “الإلهام”. أستطيع القول، باختصار أن عائلتي شكلّت حاضناً صحياً لهذا الحلم.
وتعتبر المرحلة الحامعية بمثابة البداية الثانية، مع رواج المنتديات، والمواقع الأدبية، واكتشفت موقعاً يسمى نادي روايات، وفيه صقلت موهبتي أكثر، وتشجعت لأشارك في مسابقة للقصص القصيرة التي ترعاها الـ
“بي بي سي ومجلة العربي. ولم تكن لدي من قبل أي اهتمامات سياسية.
ولكن في 2008م، ومع وصول شريف شيخ أحمد للحكم، ووصول الأميصوم، اتجهت للسياسة، دون أن أهتم في الحقيقة بنشر مقالات سياسية، وبتشجيع من زوجي بدأت نشر ما أراه بخصوص ما يحدث على الساحة الصومالية، ويمكن اعتبار ذلك بداية ثالثة.
2. بحسب قراءت للواقع ماذا يضيف الكاتب الصومالي باللغة العربية إلى التراث الصومالي؟ وبأي مدى يخدم للوطن؟ وما حجمه في توعية المجتمع الصومالي؟
أعتقد أنّ بإمكانه رفد التّراث الصومالي بموارد فكرية، وثقافية، ومعرفية مختلفة، ويقدر على الارتقاء بالوعي الجمعي، وتغييّر التفكير النّمطي السائد، هذا إن التزم الكاتب بمسار واضح ورؤية بعيدة, ما لدينا الآن هو مجموعة محدودة من الكتّاب ينشرون هنا وهناك بالعربية، دون أن نلاحظ أنّ لديهم شيئاً يختلف عن ما يتداوله العوام في زوايا المقاهي، ومنهم من لا يعرف الصومال أصلاً ومعلوماتهم عن الصومال عبارة عمّا أسميه: secondhand information، وبالتالي تفتقر كتاباتهم للأصالة والجدّة والرّغبة في التغيير، أؤمن أن بإمكان الكتّاب الشباب أياً تكن اللغة التي يكتبون بها التأثير بقوة لو عملوا بجدّ لتغيير أنفسهم أولاً وتطويرها، ووضع كافة المعلومات التي يتلقونها في ميزان المنطق، وترك الخطابات العاطفية المعتادة.
3. مالفرق بين مقديشو التي كنت تشاهدينها في وسائل الإعلام والتي شاهدتها بأم عينيك؟
الحقيقة التي رأيتها خلال زيارتي الخاطفة لمقديشو أن الأمن أفضل مما كان عليه في آخر مرة كنت فيها هنا. على الأقل لم أر مليشيات مسلحة، بل قوات حكومية أو أممية، أو قوات أمن خاصة. من المؤسف أن الأبنية الجميلة التي بناها أفراد بعينهم لم تمنح المدينة جمالاً، بل مزيداً من الفوضى، ولا تعكس روح المسئولية، أقصد؛ ما جدوى تشيد مبنى من خمسة أو ستة طوابق دون أن يخصص مرآباً للسيارات أو مرافق صحية ملائمة. مقديشو بدت لي مدينة مستباحة. هل يعقل أن أكثر ما يفاخر به البعض عبر الإذاعات أنّها أغلى من نيروبي ومن أديس أبابا؟ هل أصبح الصوماليون العاطلون عن العمل، والمعتمدون على إعانات أقاربهم في الخارج أغنى من أبناء دول الجوار من ذوي الدّخل؟ ألا يشعرون بالغبن مع هذا الاستغلال المادي لهم؟
مقديشو الاعلام غير مقديشو الواقع، ومقديشو التي يراها الزائر غير الصومالي غير تلك التي يصدم بها الصومالي الزائر، كما تختلف مقديشو التي يراها القادم إليها عن مقديشو في عيون من يعيشون فيها.
4. بحكم تجوالك في أماكن ومؤسسات خدمية؛ مالذي شدّ إنتباهك طوال فترة تواجدك في مقديشو؟
لفت نظري تغير مزاج الناس في المدينة، من قبل كان شعب مقديشو طريفاً وممزاحاً، ويتمتع الجميع بابتسامة لا تدري لها سبباً. أما في هذه الزيارة، فقد لاحظت أن وجوه الناس جامدة، لا تضحك، الكل متوتر، وغابت الروح المرحة. حتى النقاشات وإلقاء النكت في الباصات العمومية انعدمت. وهذا يدّل على تغير جذري في التركيبة النفسية للمواطن المقدشاوي. لم يتسنّ لي زيارة أي من المؤسسات الخدمية الحكومية، ولكني تشرفت بزيارة بعض المؤسسات البحثية والخيرية، ووجدت فيها اهتماماً بالمواطن الصومالي، والدّولة الصومالية بمفهومها الأشمل، أقصد (الأرض، والشعب، والحكومة)، وقد أمدّتني هذه المؤسسات بالأمل فعلاً.

5. بعد مشاهدتك للوضع وقراءتك للسياسة … إلى أين تسير البلاد في المرحلة القادمة؟
بدا واضحاً أن الحكومة لا تقدّر الرغبة الشعبية في خلق الظروف المواتية لولادة الدّولة الصومالية، وتأثرت جداً بسوء إدارة الحكومة -وخصوصاً وزارة الدّاخلية- للمعلومات التي تردها، لم يكن منطقياً تجاهل المعلومات الاستخباراتية الأجنبية بخصوص تفجير مقار حكومية، فخسرنا نخبة من رجال القانون، وتلاها بعد أيام إغلاق الطّرق الرئيسية، وبدا ذلك استفزازاً لحرية حركة المواطنين، وكان بإمكانهم القيام بتفتيش السيارات والحافلات، ومن تشتبه بهم من المارّة، بدل معاقبة النّاس كلهم. إضافة لعمليات الاعتقال الواسعة، دون أن تتحقق الغاية من ذلك – توطيد الأمن. عدا عن اللعب بالوتر القبلي واستحضار الأحداث الحرب الأهلية البشعة في تعاملها مع قضايا الإدارات الاقليمية. وعليه، فالحكومة مقبلة على خسارة الفرصة الذهبية التي أتيحيت لها وهي كما نعلم أكبر من الفرص التي حظيت بها الحكومات الانتقالية.

6. أثناء زيارتك لبونت لاند هل الوضع يطابق مما كان في خيالك مسبقا؟
لم يكن ما في ذهني عن هذه المنطقة مجرد خيال يا أستاذ، إذ أنني عشت فيها فترة من حكم الرئيس السابق عدي موسى، ولكن المنطقة تمرّ بأزمة حقيقية بوجود رجل ينتمي لفلول النظام العسكري الشمولي، ممن درجوا على الفساد، والاستبداد، ولا تتحمّل الديمقراطية والبناء والتطوير، بل كلّ همهم السيطرة على زمام الأمور ولو بالقوة، وضدّ الإرادة الشعبية, وقد تضررت بونتلاند من طريقة حكم الرّجل واستخدامه لورقة محاربة الإرهاب في التّطهير القبلي، دون أن نعرف كيف يصل قادة حركة الشباب إلى بونتلاند قادمين من الجنوب، ولا تشعر بهم الإدارة!! ومع ذلك لا تتوانى عن قصف مناطق سكنية بدعوى محاربة الإرهاب. وجدت في أهالي بونتلاند درجة عالية من ضبط النفس عندما وافق الوجهاء على قرار التمديد غير الشرعي، تجنباً لأي خلل أمني.
7. برأيك هل من الممكن تطبيق فكرة الأحزاب المتعدة بعد أشهر وذلك في ضوء قراءتك للمعطيات؟
بصراحة، لا يمكن هذا دون أن يتوسع أفق النخبة السياسية، ليس لأن المجتمع الصومالي قبلي، وسيتحول الحزب مع مرور الوقت لحزب قبيلة كما يردّد البعض، بل لأنّ تأسيس الأحزاب في الصومال مرتبط باستحقاق انتخابي. ماذا حصل لحزب التنمية والسلام الذي ترأسه الرئيس الحالي؟ لقد انهزم أمام أول عقبة بعد فوز الرئيس في الانتخابات. ولم يعد له بريق كما كان. تتطلب فكرة الأحزاب المتعددة تغييراً في الفكر بداية، فهي ليست وسيلة لبلوغ منصب ما، وعلى من يريد تأسيس حزب وضع قوانين ولوائح ومبادئ يلتزم بها الأفراد تحت كلّ الظروف، وميزانية تضمن له الاستمرار، وإيمان بأن الغاية التي يسعى إليها هي حلّ مشكلات البلاد، وليس إقصاء أحد أو فصيل. وعلينا قبول فكرة أنّ الصوماليين لا يجيدون الالتزام بمبدأ بعينه لفترة طويلة، فلو افترضنا أن أحد أعضاء حزب ما خرق اللوائح وتمّت معاقبته، وربما فُصل فسنجد له مناصرين، ومؤيدين حتى خارج الحزب، وممن لا علم لهم بما فعله، وتتصاعد اللهجة العاطفية، فيتفكك الحزب.
ولا ننس أن الحكومة الحالية ممثلة برئيس الجمهورية تعتبر قيام الأحزاب معارضة غير لائقة لها، كما سمعت من بعض النّواب الذين التقيت بهم.
8. كونك مدونة بم تنصحين الشباب المقبلين على التدوين؟
التدوين عمل يتطلب الشغف، والإبداع، وسيؤدّي إلى الإدمان. على المدون الرّاغب في النجاح، تحديد هدف له، ويلتزم به. مثلاً، هل هي مدونة سياسية؟ فكرية؟ أدبية؟ ثم يستمر في التّدوين والنشر، ولكن المحبط أن المدونين الصوماليين لا يعرفون بعضهم أو لا يدعمون بعضهم البعض. وهذا لا يجب أن يحبط أحداً، وأنا شخصياً أعمل على اكتشاف أي مدونة جديدة، وأزور صفحاتهم وأعلق على تدويناتهم، وأرسل لبعضهم رسائل لتشجيعهم إيماناً مني بأنّ نجاح الأفراد لا وزن له بدون نجاح المجتمع. نحن بحاجة إلى مدونين من ذوي الفكر الأصيل، والجديد، ولديهم نية تغيير النمط الفكري العام لدى المجتمع الصومالي. هناك مجموعة على الفيس بوك اسمها المدونون الصوماليون، ولكنها ليست فعالة جداً لعدم إسهام المدونين في مشاركة آخر تدويناتهم على الصفحة، ونشرها بين القرّاء وجعلها محل نقاش وحوار. أرجو من المدونين الصوماليين التّعرف على بعضهم البعض، والمساهمة بشكل فعّال في كافة جوانب الحياة الفكرية والثقافية، وأخيراً، شكراً للصومال اليوم على هذه الاستضافة الكريمة. وعلى الشاي بالحليب الذي تشاركناه في زرياتي لكم، أرجو لكم التوفيق في عملكم.

Advertisements

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s