هذيان فتاة في مقديشو….


Image

في مقديشو1
أن تكون طالبا جامعيا لا تقوي على سداد أقساطك الجامعية، وتذهب لجامعتك بمصروف شخصي يكفي لمواصلاتك فقط، وترسب لأنك ليلة الإمتحان كنت مشغولا طوال الليل في الحديث مع حبيبتك التي أحببتها كي تجد منفدا للسعادة من خلالها وفي نهاية حديثكما تتشاجران لأنك لا تملك رصيد ما يكفي لترد على رسالتها، وتذهب لجامعتك في التودد لهذا وذاك كي يساعدوك في العبء الدراسي، وفي الأخير يأتي هذا الصباح أحدهم ليدخل جنة الله بسببك ويستهدفك ويدفن أمام جامعتك متفجرات لكنها تنفجر بنفسه، تراه متناثر هنا وهناك ولا تبكي عندما تراه لأن نبأ الموت عاديا وخبر الإنفجار عاديا عندك، أن يحيطك كل أنواع الفكر والثقافة بأدني مستوياتها وتكثر في رأسك المصطلحات المعقدة وأن تكون مجبرا على التعاطى معها جميعا، وتخشي التخرج من الجامعة كي لا تكون من عداد البطالة، وكلما رميت نفسك من فوق ألف طابق أمسكوا بك وقالوا ما زال هناك أمل.
في مقديشو2
كثيرا ما يوبخك الناس حين خطئك، ويضربك القوي حين خطئك، ويعتقلك الجندي حين خطئك، ويسجنك السجان حين خطئك، ويوبخك أبوك حين خطئك، وتتركك شريكتك حين خطئك، وينفيك المجتمع حين خطئك، وتطرد من العمل حين خطئك، وقلما يشكرك أحد حينما تصيب أو تفعل صالحا!
في مقديشو3
لم يعجبني منظره على الإطلاق وكذلك حال جميع من في الباص، يحمل بندقية كما يحمل سكينا وكان واضحا أنه لم يكن بوعيه، فجأة أخرج من جيبه متفجرات يلعب بها بكلتا يديه، هاهو الموت إذن، لكن لم يعد الإقتراب من الموت تثير في نفسي مشاعر مربكة، الرغبة الحاسمة بالإنتهاء من هذه المرحلة المشؤومة لبدء مرحلة جديدة مليئة بالمفاجآت السعيدة تصبح سيدة الموقف، وأن تكون في صحبة الموت تتجرع هلوسات الإقتراب من خط وهمي يفصلك عما سيكون ليس حدثا عاديا، ففي كل مرة يكون له وقع خاص ويترك إنتهاءه ندبة واضحة في الروح.
في مقديشو4
لا يهمني طالما الشمس مشرقة، لا يهمني مادمت أستيقظ بكل فجر في تسابيح وتهاليل المصلين، أصحو مع الشمس في صباحاتي وأذهب إلي دراستي في ذلك الطريق الطويل المتعب كل يوم، لكن يبدو أن التعب لن يفارقني ويبدو دماره وتهالكه يكون سببا في تأخيري وأكثر تعقيدا من إبتسامتي التي ترسم علي وجهي المتعب كلما رأيت المحاضر ورفقائي يحدقون بالنظر إلي، هكذا إذن أعتزم إحتراف هندسة الطرقات كلما تأخرت عن الحصة كي أبني من جديد… أواصل المسير.
في مقديشو5
بداية جديدة ومنزل جديد في بلدي الذي أصبح جديدا وجميلا حيث الشمس مشرقة دائما، يا إلهي ماذا فعلنا لنستحق فرصة ثانية؟ كان ذلك شيئا عظيما فيما يري النائم من الأحلام ليس إلا.
في مقديشو6
لو لم تكن هكذا الأشياء لأن الحلم الذي تجرأت أن أحلمه ذبح بقساوة منذ ولادتي في ذات صباح أو ذات مساء لا أدري؟ لكني متأكدة من شيء واحد أن هناك الكثيرين مثلي
في مقديشو7
صباحي هذا ككل صباح لا يفرق معي أي شيء، أذهب إلى دراستي كالعادة، أنظر حوالي كما أنظر أناس المزدحمة بالشارع، وبالفعل الحياة تشبه تلك التي تبدو لنا أو ما تراه في نفوس أهل هذه المدينة والتي تكون جميلة على نحو ما، لأنها تحلق حاملة مشكاتها بغير توقف أعلى وأسفل الدهاليز المعتمة
في مقديشو8
هنا من يفعل كل قبيح لأجل أهدافه، يقتل هذا، ويسب هذا، ويضرب هذا، ويأكل مال هذا، أو ربما يذبح هذا، تراه غير آبه لما يحصل على أي حال، يتركنا نظن ما نشاء طالما الأمر مناسب لغاياته، ويدوس بقسوة على مشاعرنا طالما هو يحصل على ما يريد.
في مقديشو9
في حينا سكون الليل يلف أرجاءه يكتم أنفاس الضجيج المستمر، لم ينتصف الليل هنا بعد، نظرت إلى النافدة بصمت مهيب تسربت إلي سمعي أصوات الأصدقاء وأطراف أحاديثهم وإلى قلبي تلك الأغنية التي خفت صوتها في ذاكرتي: Soomaaliya dhankeedii dhawaq farax leh mooyee, dhiillo kama sugaayee. للفنان حسن آدم سمتر وألفها الشاعر محمد علي كارية بمناسبة حبه للفنانة شنكرون أحمد، لم أنتبه إلا وأنا أغني شيئا بقي في أذني: “Duhurkiyo habeenkii Alla og sidaan ahay waxaa la i dulkeenaa dagmadaad ku nooshahay” … لا زالت في القلب بقية، بقية عظيمة وربي!.
في مقديشو10
حتما سيأتي ذاك اليوم الذي فيه نسير على درب الحب وعلى الطريق حتما سنلتقي مجددا، هناك وفي تلك المدينة سننسي كل الآلام والأحزان وستختفي الكراهية بيننا، سنضحك عاليا، سنتمايل طربا. وتلك الأغنية حتما ستتحقق: Neyruusku waa ciid, waa nagi aduunyadu nasiibow, waa nagi aduunyadu nafteydow

في مقديشو11

 أنا وضوء القمر، وحافة الوقت وبداية حب، والإنتظار والأمل، والشفاه المطبقات على سؤال فوضوي، والصمت والموسيقي والحياة أو .الموت، والإحتراق في درب الحرب، والليل والإدمان، والوطن وعدم التوافق، ورائحة إنفجارات ، كلنا معا في مكان ما من تلك المدينة
 في مقديشو12
يموتون في سبيل شيء أحترمه، يموتون لأنهم طلاب ويموتون لأنهم صحفيين ويموتون لأنهم علمائنا ويقتلون لأنهم نخبة المجتمع، .لنحييهم في قلوبنا ولنزرعهم في رحم هذا التراب المليئ بالنزيف، فدائما يوجد لهم متسعا لقلوبنا ولتلك الأرض
في مقديشو13
على بعضنا أن يستيقظ مبكرا في صباحات مقديشو وينتظرهم طريق طويل للذهاب إلى دراستهم. أستعد لأكل وجبتي الخفيفة، بيضة مسلوقة أعلق بصوت عال “البيض أرخص!”. أذهب إلى الجامعة وبقايا النوم عالقة على جفوني، أركب الباص وأجلس جوار النافدة.. أفكر تارة فيما أراه من عيون أهل مقديشو وما أكتسبوه وتعلموه بالفعل من هذه المدينة..وتارة أخرى أفكر في الله وأدعوه بشدة.. أسمع ضجيج ماتور الباص وضجيج الناس في الشارع هنا وهناك، إلا أنني أكره الهدوء في رأسي ولا أطيق البقاء فيه يوم الجمعة، فبالفعل تضيع جنتي الماتورية والضجيج.
Advertisements

1 Comment

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s