الشتيمة: لماذا تجرح؟ ولماذا يجب ألا تجرح؟!


منذ أيام وأنا أفكر بمفهوم الشتيمة، هل تصدّقون؟ راجعت المعاجم التّراثية مثل لسان العرب، فقط لأستوضح ما أرقني، ما هي الشتيمة؟ لماذا تجرحنا الشتيمة؟ ولم لا يجب أن تجرحنا؟ وفي أثناء البحث وجدت مقالة في التّايم بنفس العنوان المذكور أعلاه، إذاً فقد فكّر بها آخرون أيضاً، فالقضية ليست تافهة وحمقاء.

ثم وبالصدفة وجدت إدراجاً للأخ الصحفي محمد عبدالله، على الفيسبوك، يتحدث فيه عن الاسم والكنية، مفهوم اللقب عند الصوماليين وغيرهم، حيث يحمل المرء لقباً يذكر نقصاً أو إعاقة جسدية ما،  فهل هذه شتيمة أيضاً؟ أم ماذا؟ دعونا نعد لموضوعنا الأصلي هو:

ما هو الشتم؟

الشتم ببساطة، هو نعت الإنسان بصفة كريهة، ولهذا تجرحنا، ولكن على فضاء شبكات التّواصل الاجتماعي نجد أنّ الكثيرين يعتقدون أن نسبة الإنسان إلى مذهب فكري أو ديني أو سياسي نوعاً من الشتيمة. فمثلاً على الفيسبوك، يعبر أحدهم عن فكرة ما فيعلّق آخر بعبارة يعتقد أنّها شتيمة: ( علماني/ ليبرالي/ حركي/ إسلامي/ وهابي/ سلفي/ إخواني … الخ)

فهل المذاهب الفكرية والدينية عار؟

السؤال الذي أرقني: هل المعتقدات والآراء شتيمة؟ عيب؟ أو عار يجب أن نخفيه؟

المعتقدات من أساسها أمور من الصعب كتمانها، ولا يخجل منها الإنسان، هل تخجل من كونك وهابياً؟ أو إخوانياً؟ أو علمانياً؟

إن كان الجواب (نعم)، حسناً؛ هذا يعني أنّك في داخلك تشعر بالعار من الانتماء لهذه التّيارات، وتعتقد أنّها على خطأ، وبالتّالي ستشعر بجرح في روحك، وعليك تحديد موقفك، هل ستمضي في تبنيك لفكرة تخجل منها؟ أم ستتخلّى عنها.

وإن كان الجواب (لا)، فأنت بالفعل فخور بأنك من هذه المدرسة الفكرية وتجد أنّها طريقك للوصول للسعادة، ولهذا لن تجرحك تعليقات تصفك بهذه الكلمات، لأنّه لا أحد يخجل من اسمه حين يُنادى به. أليس كذلك؟

هل الصفات الفيزلوجية عار؟

كثيرون ممن عاشوا في الدّول العربية مرّوا على الأقل بموقف أو موقفين، في طفولتهم، ونادهم أحدهم: يا أسود، يا عبد، أو ما شابه. فهل تلك شتيمة؟

نعم..كثيرون من الصوماليين أو البشر عموماً يعتبرون هذه شتيمة، فأنت أسود لأن الله خلقك هكذا، وليس لأنك اخترت ذلك، ولأن الأسود يعني الأقل كرامة، ولأن إغلب العبيد في التاريخ كانوا سوداً، ولأن العبد عبارة مهينة، تعني أنّك تابع لغيرك، منزوع الكرامة.

وإن جربت وقلت له: “يا أبيض، يا حنطي” لم يكن ليثير فيه أي شعور، لأن ذاكرته لا تحمل صور امتهان لشخص أبيض أو حنطي مثلاً. هل على هذه الصفة أن تجرحنا؟

صراحة، شخصياً لا تجرحني هذه العبارة واعتبرها من الصفات الخلقية العادية جداً، تماماً كالطول والقصر. ولكني أرفض الاضطهاد على هذا الأساس، وأرفض ربط اللون الأسود بالعبودية، وإلا فأين سنذهب بالروم العبيد الذين استعبدهم العرب، أو حتى العرب الذين كان الفرس يحتقرونهم! هذه إشكالية أخرى…

وهكذا تعيب الآخرين بالبدانة أو قصر القامة، أو فطاسة الأنف وغيرها مما يندرج تحت “قلة الذوق والأدب”، ويدّل على الانحطاط في الوعي وسطحية الحكم على النّاس. وحرفياً هذه إساءة كبيرة، والإساءة  أقبح من الشتم.  ويستحق مطلق هذه الأوصاف قوة توقفه عند حدّه، وتمنعه من التنمّر على غيره.

ولا يجب أن تجرحنا على الإطلاق، فنحن بهذا الشكل الذي يميزنا عن غيرنا، فلا أحد يستطيع أن يزيد من طوله الطبيعي، أو يغيّر لونه (ما عدا مايكل جاكسون) ولكن يمكننا أن نخسر بعض الوزن لأسباب صحية أو جمالية، وهذه بيدنا… والقرار يعود لنا، وإن كانت بعض حالات السمنة لأسباب مرضية تتطلب تدّخلاً طبياً..

ماذا عن الإعاقة الجسدية؟

هذه من أقسى أنواع الإهانات على الإطلاق، وأكثرها قدرة على جرح مشاعر النّاس،  ومن يعيّر الآخرين بسبب إعاقتهم الجسدية هو بكل تأكيد معاق نفسياً وذوقياً،

وهي ليست شتيمة بل محاولة لهدم روح إنسان، وهزّ إيمانه بنفسه وبخالقه أحياناً، وحبذا لو توجد قوانين تجرّم هذا النّوع من الكلمات غير المسئولة التي يطلقها الأغبياء!

هل يجب أن تجرح الشتيمة شعورنا؟  

إن الشتائم التي يجب أن نخجل منها لم نذكرها بعد هنا، فالكذب، والقتل، والسرقة، والاضطهاد، والاستبداد، والنفاق، النصب والاحتيال على البسطاء، وكشف أسرار من كانوا أصدقاء على الملأ، وما شابهها من أمور تستدعي أن يذوب مرتكبها من الخجل والعار.

أما غيرها من الشتائم المذكورة فلا معنى لها ولا دلالات سوى “قلة ذوق” قائلها، فلا تهتّم بها على الاطلاق.

Advertisements

1 Comment

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s