العنصرية: مرض الإنسانية: زكريا علي (1)


زكريا علي.jpg2

“لقد اتبع والدي وفريقه أسلوب التسلل من الثغرات، التظاهر كان مسموحا فاستخدموا المظاهرات وسيلة للاحتجاج. وكان السود يمنعون من الجلوس في الباصات أو الأكل في المطاعم، فقاطعوا شركة الباصات لمدة 381 يوما حتى شعرت الشركة بالخسارة الكبرى، لأن السود كانوا 60 في المائة من الركاب، وبالتالي اضطر أصحابها للتفاوض معهم والسماح لهم بأمور كانت ممنوعة عليهم من قبل” كانت هذه العبارة جزءاً من مداخلة ابن المناضل الأمريكي الشهير مارتن لوثر كينغ عندما زار إمارة الشارقة في فبراير 2013 في سياق إجاباته على أسئلة الإعلامية منى الشاذلي  بخصوص ثورات الربيع العربي.

 عندما يسمع أحدنا اسم القس الامريكي مارتن لوثر كينغ (1929–1968)، يتبادر إلى الذهن مباشرة الإشكالية الكبرى التي ذهب الرجل ضحية لويلاتها، وكان ذنبه الوحيد أنه “صاحب حلم” يتمنى أن يتجسد على أرض الواقع، فمرض التمييز والفصل العنصري الذي استشرى في أمريكا ذلك الوقت، لم يترك له خياراً سوى أن يجهر بأفكاره ويبشر بحلمه الذي أصبح واقعاً؛ ولكن بعد أربعين سنة من مقتله، عندما قرر الأمريكيون أن يقطعوا صلتهم مع الإرث الثقافي الثقيل بانتخابهم لأول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

ينطلق الباحثون المهتمون بالدراسات الاجتماعية إلى اعتبار العنصرية أو فلسفة التمييز العنصري بأنها “أي تصور فكري ينطلق من الاعتقاد بتفوق مجموعة بشرية على غيرها ثقافيا وحضاريا بناءً على الاختلاف الجسماني كاللون والشكل أو العرق، وينزع إلى تفسير الاختلافات الثقافية بين البشر من خلال إرجاعها إلى أسباب بيولوجية، موروثة وخارجه عن سيطرة الإنسان“.

لا يكاد الباحث يجد مجتمعاً ذا خلفية حضارية تاريخية إلا وله من هذه الآفة نصيب، فالكثير من أفراد تلك المجتمعات مارسوا نوعاً من أشكال التعالي على الغير، عن طريق تضخيم ميزات الجماعة وخصائصها في مقابل تبخيس الآخرين والإصرار على دونيتهم! وهذه الظاهرة الاجتماعية تكاد تكون كونية، وتزداد كلما أوغل المجتمع في انغلاقه “حيث تتضاعف أوهام الامتياز لديه”! ولكنها ليست تجسيداً حقيقياً لكارثة العنصرية؛ وإن كانت تحمل في طياتها جذور بذرتها الأولى.

  فالعنصرية هي موقف فكري ابتداء قبل أن يكون سلوكاً اجتماعياً، وعلى الرغم من مناصرة الاتجاه العام للحضارة الغربية المعاصرة للعدل والمساواة والإنسانية في كل مكان؛ إلا أن التدقيق والبحث المتأني يكشف عن وجود بذور التأسيس الثقافي لفلسفة التمييز العنصري في الدراسات المعرفية لدى بعض فلاسفة التنوير الأوروبي، ممن فهموا الحياة بأنها صراع أجناس متحضرة ضد أجناس متخلفة، ولم يستوعبوا الطبيعة التعددية للحضارة البشرية، فافترضوا حتمية التخلف “البنيوي” لثقافات الشعوب غير الأوروبية، واختزلوا الإنسان إلى بعد مادي واحد يتم التعامل معه بلغة الأشياء، وأصبحت نظرية الانتخاب الطبيعي أداة منهجية في التمييز العرقي من أجل تبرير تقسيم الناس إلى بشر وأشباه بشر، مما مهّد الطريق لظهور النزعات العنصرية العالمية– كالفاشية والنازية والصهيونية – وأشعل حروباً كونية ونزاعات إقليمية وفتح الباب على مصراعيه لاستغلال الضعفاء حول العالم.

يأتي المفكر الألماني إيمانويل كانط (1724 – 1804)، على رأس دعاة تصنيف الأجناس البشرية بمعايير عرقية سافرة، وعلى الرغم من إضافته المهمة في نظرية المعرفة حيث خلق منظوراً جديداً في الفلسفة، إلا أنه قسَم الأجناس البشرية حسب اللون، وجعل أكثر الأجناس تطوراً وذكاء ومساهمة في بناء الحضارات هي الأجناس البيضاء، تليها الأجناس الصفراء، ثم الأجناس السوداء، ثم تأتي الأجناس الحمراء – مثل الهنود الحمر وشعوب القارة الهندية – كأسوأ الأجناس ذكاء وأقلّها تطوراً.

وبالغ المفكر الانجليزي ديفيد هيوم (1711 – 1776)، في إقصائه للأعراق غير الأوروبية حيث يقول:”أنا لا أشك أبدا أن الزنوج وجميع أنواع البشر هي بالطبيعة في مستوى أدنى من الإنسان الأبيض”! وفلسفة أخلاق القوة أو “الإنسان السوبرمان” التي صاغها الفيلسوف والشاعر الألماني فريدريك نيتشه (1844 – 1900)، صادفت هوى لدى الفاشيين لمبالغتها في إقصاء الضعفاء والمرضى، وتأثر بها مارتن هيدجر (1889 – 1976)، أهم فلاسفة القرن العشرين والذي كان يعتبره النازيون فيلسوفهم وكاهنهم الأكبر!.. وانضم إليه صديقه عالم الأنثروبولوجيا إيوجين فيشر (1874 – 1976)، المدافع بقوة عن فكرة تعقيم البشر والقتل الرحيم للمعوقين وإبادة اليهود.

خارج السرب

 ويعتبر صاحب نظرية “التكاثر السكاني” الاقتصادي توماس روبرت مالتوس (1766 – 1834)، من أوائل من أثاروا ضجة هائلة، نظرا لأطروحاته تجاه الفقراء باعتبارهم كيانا زائدا عن حاجة الطبيعة!.. ونظرية مالتوس السكانية أدت إلى حدوث كوارث إنسانية حيث اتخذت مبررًا للإبادة الجماعية لكثير من الشعوب، ويذكر آلان تشيس في كتابه (تركة مالتوس) إن أكثر من 63 ألف شخص قد جرى تعقيمهم قسراً في أمريكا فيما بين عامي 1907 و1964!

يؤكد كثير من الباحثين أن فكرة الامتياز العرقي التي اعتنقها هتلر وأصدر بسببها قانون “التعقيم لتحسين النسل”! عام 1933 تعود بجذورها إلى كتابات المفكر الفرنسي آرثر غوبينو (1816 – 1882) الذي كان يعتقد أن اختلاط الأعراق وتزاوجها هو السبب في انحطاط الحضارات، ويبدي غوبينو في كتابه (دراسة في التفاوت) قناعته الشخصية في أن المسألة العرقية هي “صانعة التاريخ”، ويظهر تعصبه للعرق الآري – أرقى السلالات البشرية كما يزعم – من خلال كلامه عن الفن حيث يقول: ” الآرية تنحدر عبر الاختلاط بالفنون الزنجية”!.. يتبع في الجزء الثاني

Advertisements

1 Comment

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s