عشية سقوط مقديشو


– مقال نشر على الجزيرة توك في ذكرى دخول الجيش الإثيوبي للعاصمة-

 

جيش قال

 

 

الانتقائية في سرد التّاريخ أو تأويله ليس بالأمر الجديد، كما أن كلّ رواية للتّاريخ تقابلها رواية مغايرة، والصومال ليس بدعاً من ذلك. ولكن الغريب في السّاحة المحلية هو ارتفاع صوت واحد فقط، يروي التّاريخ على هواه، وينتقي من الأحداث ما يشاء، بل ويبرر لك أهمية الصمت عن جرائم كبرى، لئلا تصنّف ضمن القبليين، والسبب معروف هو تملّق المسلحيين أصحاب اليد الطولى، والخوف من بطشهم.

بعض شباب الصومال على الفيسبوك اختاروا طواعية إحياء ذكرى عشية سقوط مقديشو في 29 ديسمبر 2006م، في ذلك اليوم اجتاحت القوات الإثيوبية مقديشو وهزم اتّحاد المحاكم الإسلامية، وكأن مقديشو كانت تنعم بالحرية والسّلام قبل ذلك التّاريخ، وكأن الصومال كانت تزهو بالسّيادة والاستقرار قبل الاجتياح الإثيوبي.

لسقوط مقديشو عدّة تواريخ …. ولكل سقوط وصمة عار خاصة بها، فالسقوط الأول والأكبر لمقديشو حدث في 31 ديسمبر 1990م، عندما أسقطت المليشيا القبلية حكم النّظام العسكري البائد ولجأت المليشيات إمّا لاعلان الانفصال من طرف واحد كما في جمهورية صوماليلاند، أو اللجوء لمسلسل لا نهاية له من إبادة العرقية والتّهجير لسكّان أقاليم الصومال المختلفة في الجنوب، أو بناء كيان بحكم ذاتي واختراع وفرض الفيدرالية في بونتلاند! ولكنهم لم يسمّوها سقوطاً!

سقطت مقديشو في  عندما قسّموها إلى أحياء ووضعوا حدوداً بين مناطقها، وأبيد الآلاف من المدنين دون أن يخطر لهم تسمية ما حصل سقوطاً!

سقطت مقديشو عندما تحوّل صراع بين تجّار الحرب إلى حرب بين كفار ومسلمين، ولن أنسى كيف كانت فئات من الوافدين إلى مقديشو تشير إلى داينيلي وغيرها من مناطق  بنادر بأنها مساكن الذين ظلموا أنفسهم”الكافرين”، وفجأة تحوّل “يوسف انعدي” من زعيم عصابة تقهر أهالي مركا إلى مجاهد وأصبح من كنّا نسميهم “موريان” إلى مقاتلين في سبيل الله! وأصبحت بنات الصومال سبايا!

سقطت مقديشو يوم وجد اتحاد المحاكم الذي شكّلته القبائل لكبح جماح مجرميها إلى ممثلي الله على الأرض، وأصبح شريف شيخ أحمد مدرس الجغرافيا وممثل مجرمي الحرب  من عشيرته سابقاً (بعد حكومة عرتة) رئيساً للصومال!

سقطت مقديشو يوم أعلنوا الجهاد وتحرير بلاد الله من مقديشو حتى آلسكا ولم يسمّوها سقوطاً!

وظلت مقديشو تسقط وتسقط وتسقط مع كل اشتباك بين القبائل الطامحة للسلطة والاستفراد بالخيرات، مع كلّ روح تزهق في انفجار، مع كل عرض ينتهك وسط صمت الضّمائر التي استيقظت فجأة ودون سابق إنذار عندما اجتاحت إثيوبيا العاصمة وشعر الغيارى بغتة بجرح الكرامة!

كفى تمثيلاً وتباكياً على مدينة لم تصونوها! على وطن لم تشفقوا عليه، وعلى أبنائه يوماً!  فهناك على الدّوام عيون تراقب وآذن تسمع وذاكرة تحفظ الأحداث.

Advertisements

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s