كبُرنا واخترتُ أغنية أخرى ..!


مطر

أمرّ على هذه الكلمات التي كانتْ أيضاً منْ رأس سنة قديمة. .

يأخُذني الذهول وأتسائلْ :

 أيّ شيطان أوْحى لي بكل هذه الخُزعبلاتْ ؟

كبُرنا وربّك ..

سعيدةٌ لأنّ الرُوح باتتْ رحبة .. لمْ تعُد في الجوار هكذا اختناقات ..

واخترتُ أغنية أخرى لجنبات القلبْ ..

حدّثني عنْ ليلة البارحة ..

هلْ كنتَ تتسكع على رصيف إحْدى الشّواطئ برفْقة امرأة جميلة .. تُعدّ لها العشاء .. تشْعل عيْنيك شمعاً / دفئاً يقيها برْد الليل .. وتنثرُ كثيراً من الورْد حول مقعدكُما الطّويل ؟

هلْ كان قالبُ الكيك بنكهة الشّوق وحرارة الاشْتهاء ؟

تطعمُها بفمك كعصَافير العشْق وتعزفُ بأصابعك على جسَدها الشهيّ .. ؟

تقرأ لها منْ أسفار الحُبّ .. وأغنيات الحَمام ..؟

كنتُ أفكر بهذا وأنا أرتّب قُصاصات الغد .. وأمنّي نفْسي بالخمَائل ..

أنا لا أجيدُ الرّقص، في حياتي كلّها لازمتُ مقعدي في أيّ حفلة أشهدُها .. أقدامي تهتزّ مع النّغم لكنّي قطّ لمْ أخطُ نحْو زحام الرّاقصين ..تذكرتُ تلك المعْزوفة ..

قدْ أصفق أو حتّى أطلق صفيراً نزقاً لأصْدقاء أشاكسُهم .. لكنّي أبداً لا أفارق مقعدي، أذكُر أنّي ذات يوم وبعد أنْ ضقتُ بإلحاح زميلة؛ أجبتُها بأنّي أجلس على “سوبر جلو”، نظرتْ لي باسْتغراب وسكتت أخيراً ..

مع هذا، احتفظتُ بتلك المقْطوعة سبْع سنوات عجاف .. كنتُ أعدُ نفسي بموعد معك .. وأنّا سنرقص .. وسأقبّلك بعْد 7 دقائق ونصف ..!

جميع منْ حولي يعرف أنّ فكرة الأمومة تقتلني رعباً .. أنْ أتحمّل مسؤولية جلب طفل لهذا العالم القبيح تجمّد الدّم في عُروقي .. مع هذا أذكرُ أنّي ضحكتُ ذات مساء وأنا أخبرك بأنّي أريد أنْ أنجب منك صبياً، تسْألني لم؟ .. أجيبك بشقاوة:” عشان ألحق الي فاتني منك” ..

كنتَ تكرهُ طيبتي، تجْرحني كثيراً .. تسْخر منْ / تراهنُ أيضاً على غُفراني الذي لا ينْتهي ..

كلانا قدْ رحل الآن، لكنّي لمْ أعد طيّبة على الإطلاق ..!

قبْل أيّام أراد أحدُهم أنْ يُحرجني أمام عدد من الشّباب بتعليق سخيف ولمْ أحْتمل أنا الأمر، فخطوتُ نحْوه وسكبتُ قنينة ماء – كانتْ أمامه – بأكملها على رأسه ثمّ غادرتُ المكان وسَط صمْت الجميع ..

لمْ أعد طيبة أبداً .. أصبحتُ شرّيرة وأربّي أظافري .. أدعُها معْقوفة ..!

في آخر مُكالمات لنا كنتَ تتعمّد جرْحي وكنت أقضي ليلتي بعْد كلّ محادثة في أوْجاع (قرْحة وقولون ) إلى أنْ أتى ذلك المساء.. وتيقنتُ أنّه الختام ..

مضى زمنٌ طويل على تلك الليْلة، أذكرُ أنّي جمعتُ كل أشْيائك معي في حُجرة تتوسّط رأسي .. وبجُنون تعْرفه جيداً تخيلتُ أنّي قطعتُ عنْها الكهْرباء ونبذتُها في العتيم ..

كمْ كنتُ قليلة حيلة !

كان المسَاء رطباً وبارداً وأنا لا أتوقف عن التّنفس بصوْت عال يشْبه النّشيج .. لمْ يكن بكاءً .. فقطْ كنتُ أريد من الغرْبان في صدري أنْ تفرّ إلى الأبد !

رائحَة الورق المُحترق تمْلأ المكان، النّافذة مشرَعة حتّى آخرها .. الرّيح تتدافعُ بقوّة .. الرّماد يتطايرُ مع الهَواء البَارد، وأنا لا أشْعر بشيْء ..

ملامح وجْهي كمُنتش يقطع أطرافه، وأضْحك بهسْتيريا على كلّ الكلمات الغبيّة على شاكلة “للأبدْ ، دائماً ، أحبُّك، قدّ السّما والبحْر ، لنْ أخذلك … “

طيلة تلك الأعوام ظننْتُ أنّي أرسُم لي طريقاً إلى قلبك وظننتُ أنّني بمأمن وأنّي لنْ أتوه، عرفتُ في الختام أنّ كل العلامات على الخارطة كانتْ مُتعاكسة، وأنّي أدركتُ تماماً “اللا مَكان ” .. بعُدت كثيراً عنّي .. عنْ قلبي الذي توسّل لي مراراً كيْ أتوقّف عنْ هذا الهُراء!

هلْ تذكرُ حين سألتني عن البُكاء؟

تواريتُ أنا عن الإجابة وسألتُك ” ليه أنتا ناوي تبكيني ؟ هههه “

ضَحكنا ..

نعمْ أبكي كثيراً ، ولأسْباب قدْ تُضْحكك .. غالباً دون أنْ تبْتل عيْني، فقط يجْري دمعٌ ساخن في عُروق القلب ..

أبْكي كثيراً عندما يسْرقني النّعاس وأنا أقرأ قصّة رائعة لأجدها بجانب وسادتي في الصّباح.

أبْكي عنْدما أسْتمع لأغنية تلعبُ برأسي وقلبي ..

أبْكي حين تُمطر وأجد عاشقيْن يخْتبآن تحْت مظلة ..

أبْكي حين يمرّ بجانبي وجهٌ سعيد .. أو ابتسامة حزينة ..

أنا أبْكي لجمَال الأشياء ، لكنْ نادراً ما يتسرّب الدمع منْ عيني .. أنا أبْكي إلى الدّاخل ..

أتذكرُ حين اتصلتُ بك لأحدّثك عن العازف البوسني الذي كان في الرّابعة مساءاً منْ كلّ يوم .. يسيرُ على قدميْه وسط الطّريق، يرتدي بدْلة رسْمية، يضع مقعَده في تلك الحُفرة التي أحدثتْها القذيفة، ويتدفّق موسيقى وألحاناً شجيّة ..

تتساقطُ حوله قذائف الهاون والرّصاص .. والموْت يعْصفُ بسراييفو ويحوّلها عاصمةً للجحيم ..

العازف الذي واظب على عادته تلك أثْناء الحرْب اليُوغسلافية عام 1992 حداداً على مقْتل 22 شخصاً ينتظرون أمام أحَد المخابز بقذيفة عشْوائية ..

يسْتمرّ في العزْف، مستبدلاً ضجيج الحرْب بصَوت التّصفيق في داخله وحَديث المُوسيقى ..

بكيت وأنا أحدّثك عنْه بحمَاس ..

الأشْياء الجميلة تعصرُ قلبي .. كالحَزينة تماماً ..

أعرف أنّك تقول في سرّك “silly girl ” وأنّ كلّ هذا لا يبْكي ..

لنْ تعرف عنّي أشياءَ كثيرة ..

إنّني فِي قِمّة البكاء تُصِيبني حالة ضحك ..

أنّ حياتي ابْتدأت قبل أشهُر ..

أنّني الثرْثارة التي لا تتحدّث كثيراً ،

وأنّي أحبُّ الصّمت الوديع ..

الصّمت الطويل الذي يُشبه مسَاءات الخريف،

الصّمْت الذي يُشبه وجهي حين رميتُ بصوْتك من النّافذة..

لكنّك لنْ تعرف ..!

*****

في ليْلة كهذه كنتُ أنتعل ذاكرتي وفي الصّباح؛ كتبتُ هذا :

“أراوح التفكير وأنْحتُني أسئلة..

بربّي كيف أحببتُه!؟

لا أصدقُ أنه كان نبيي ذات نهار، وأني احترقتُ / بكيتُ شوقاً..

منْ جردهُ منْ كل ذاك السحْر، وتلْك التعويذة التي تملكتْ قلبي !؟

كيف استحالتْ كلّ التمائم رماداً!؟

وكلّ الكلمات حرفاً نحيلاً / أعرجاً / مشروخاً / موسوماً بالغباء !؟

كيف تاهتْ كلّ التّفاصيل عنْ ذاكرة الحُب،

كيف بات عارياً منْ كل شيء، حتّى منْ مُخيلتي !؟

كل الذي حدث أنّه لمْ يكن عصياً على الموْت ولا النّسيان..

ما يُحزنني أنه اصْطحب جزءاً منّي إلى قبره البعيد، ولمْ تعُد طفلتي بالجوار؛ تُغني مع نوارس الصّباح..!

****

البارحة كنتُ عائدة إلى المنْزل، السّماء أمطرتْ بشدّة وأغلقتْ الطرق .. نزلتُ من السيّارة وأخذتُ أمشي وسط الشّارع .. الهواء حلّ أزْرار العباءة .. لمْ أتكلف عناء عقدها ثانية، على العكْس وضعتُ يدي في جيْب بنطالي الخلفي .. وأخذتُ أجهش بكلّ اللعنات ..

كنتُ أبدو متشرّدة .. سرق الشّتاء منْها حقائب الرّوح ..!

محطة

يوماً ما ستتلاشى الغصّة التي تسْكن قلبي ..

ستبتعد وألوّح لها من البعيد .. “وداعاً” ..

Advertisements

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s