فاطمة الزّهراء أحمد “الهواجس… صمت القلق!”


بالمقلوب

ذلك المساء كان الجو هادئا ومريحا..بفعل نسمة هواء عليلة تمر علينا.. لم يكن في حينا “ياقشيد” إلا القليل من الأهالي.. بعدما نزح الكل من طلقات رصاص، فارين من لعبة ليس لأحدهم دور في وضع قواعدها..وكانت الحركة التي أسمت نفسها بالشباب المجاهدين تستولي على المكان.
كنت أجلس أنا وبعض الشباب من أقربائي في فناء دارنا، نتبادل الأحاديث التافهة والهامة والعبثية، ونتضاحك من وقت لآخر، وما أن ننتهي الضحكات المصطنعة حتى تبدو معالم وجوهنا المحزنة بشدة، تلك الوجوه التي طالما كانت باسمة مشرقة..

كان كل منا ينتظر أن يفتح الآخر الموضوع، والنقاش حول السياسة والأحزاب والحرب..كل واحد منا لم يكن يريد البدء.. وكلنا كنا نترقب… لكن أحدنا لم يبادر حتى انفجر الحديث فجأة..ولا أذكر أيا منا أشعل الفتيل..

لكني أذكر أن أحد أقربائي والذي كان منتمياً للحركة المتأسلمة راح يكيل لي تهم الانتماء والدفاع عن الحكومة التي من وجهة نظره ليست سوى مجموعة من الكفرة والمرتدين، وكنت أنا وخالتي الصغيرة، نقف موقف الدفاع عن أنفسنا لأننا لسنا من حركته..

هو يعمل في أحد الأجهزة العسكرية لهذه الحركة..وأخوه الأكبر كان ينتمي حينذاك للحزب الإسلامي والذى لم يعد موجودا الآن، أما أنا فتهمتي هي تأييد الحكومة..ودليل تورطي هو عدم تقبلي لبعض التفاهات التي لا يقبلها حتى الطفل؛ كتكفيرهم للمسلمين، مع العلم أنني أيضا كنت متهمة من جهات أخرى بأنني مع هذه الحركة حينما أعارض ما يعمله جنود الحكومة من فساد وظلم ونهب!

المهم، المكان الهادئ اشتعل فجأة..وبعد أن كنا نتبادل الحديث أصبحنا نتبادل الإتهامات، كنت أشعر بالإهانة كلما خاطبني قريبي بضمير المخاطب “أنتم” ولم يكن هذا لأني أعتبر الحكومة حثالة لا تستحق التأييد، ولا لأني أعتبر حركة المجاهدين رجسا من عمل الشيطان، ولكن لأني أعتبر نفسي كياناً مستقلاً، أرفض أن أغيّب عقلي، ودائماً أبقي نفسي في منطقة الحياد لأرى الأمور بشكل أوضح..

وبعد أن أنهت أمي النقاش بطريقة صارخة في وجوهنا “اسكتوا” لم يأكل أي منا..ولم نجد طعما في الطعام غير المرارة التي تسيطر على ألسنتا.

هناك..في ذاك الفناء كنا نجلس محاصرين بهواجسنا نتكلم عن التفاصيل ونتشاجر على التوافه..لكن ما كان يدفعنا حقا للاختلاف كان خوفنا من الآتي، هل قريبي يرى أنه ذاهب لمكان مجهول؟، أو هل كان أخوه يقتحم مكاناً ما ويطلق الرصاص على صدر أخيه؟ وهل ترى خالتي نفس الصورة معكوسة؟

رأيت مقديشو كلها تجلس في ذلك الفناء، رأيتنا محاصرين بهواجسنا مشلولين، نترقب عاصفة قد تحطم ماتبقى، وبالكاد..ما تبقى منا غير الشطايا.

ووجدتني أردد بصمت مقطعا للشاعر صمويئل كولوريدج..من قصيدة “أهزوجة البحار القديم”
Rime of the anciant mariner
وجدته مناسبا للوضع حولي:

“Day after day, day after day,
We stuck, nor breath nor motion;
As idle as a painted ocean.
Water, water everywhere
And all the board did shrink.
Water, water, everywhere,
Nor away drop to drink.”

Advertisements

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s