عفواً يا حضرة المحلل الكبير: لقد جانبت الصواب!


لا للتضليلعندما تقرأ عن الصّومال وبأقلام محللين من الصومال، تصاب في بعض الأحيان بما يمكن وصفه بالدّهشة لقدرة أؤلئك المحللين الفذّة على تصورير أمور بعيدة عن الواقع الذي يعرفه أي مواطن صومالي يافع في الدّاخل، والأغرب أنّهم يستغلّون عدم معرفة الوسائل التي تنشر لهم بالشئون الصومالية واعتمادها على ما ينقلونه لهم دون التّردد للحظة أمام  ما يوردونه من معلومات!!

نشر مؤخراً تحليل على الجزيرة نت للكاتب محمد عمر أحمد بعنوان “الإسلاميون في الصومال.. سباق على المراكز” وسأحاول تسليط الضّوء على نقاط وردت في التّحليل كما أوردها الكاتب:

أولاً:  ورد في التحليل الآتي: “تيار الإخوان المسلمين ويشمل هذا التيار العريض حاليا

1.    الجناح القديم لحركة الإصلاح الذي ينتمي إلى شيوخ الحركة التقليديين.

2.    التيار التجديدي الذي انفصل عام 2007 عن الجناح القديم.

3.    حركة التجمع الإسلامي أو جماعة آل الشيخ.”

 العنوان الجانبي الذي اختاره الكاتب هو(تيار الإخوان المسلمين) وهذا تضليل بواح! نعرف كمواطنين متعلمين وليس العامة من الشّعب الصومالي أنّ الإخوان المسلمين تنظيم دولي ويضمّ فقط حركة الإصلاح أو ما أسماها سهواً (أقولها من باب حسن الظّن) الجناح القديم لحركة الإصلاح. وأمّا من أسماهم (التّيار التجديدي) فلا علاقة لهم بالتنظيم بعد انشقاقهم ولم يعترف بهم التنظيم منذ خروجهم على الخطّ العام للتنظيم، وحركة التّجمع الإسلامي أو آل الشيخ فلم تكن يوماً جزءاً من التّنظيم! ما يعني أن حضرة المحلل الكبير جانبه الصواب في تحليله، وكان الأجدر به أن يصفهم لو أراد تصنيفهم تحت مسّمى واحد بعبارة ( التّيار الوسطي)! من باب تحرّي الصدّقية!

 ثانياً: وتجاوزاً للحشو الذي أورده المحلل سأتوقف عند نهاية المقطع الأول وخصوصاً عبارة:والإخوان المسلمون (في الصومال) حركة سياسيّة أكثر منها دينيّة أي أنها تحاول الوصول إلى التغيير المنشود بطريقة فوقية أكثر من الاعتماد على الإقناع الديني فحسب.”

وجدت نفسي أضحك عندما قرأت هذه العبارة لما فيها من استغفال للقارئ، “حركة سياسية أكثر منها دينية”؛ من المعروف عند أصحاب الاطلاع أنّ الحركات الإسلامية على اختلافها لا تفصل السياسة عن الدّين وإلا أصبحت ببساطة علمانيّة! والإسلام –كما يقولون- دين شامل لجوانب الحياة كافة!  ولكن المحلل الكبير شرح قصده بطريقة غريبة لا يفهمها أمثالي من البسطاء والمساكين حين قال: “أي أنّها تحاول الوصول إلى التّغيير المنشود بطريقة فوقية أكثر من اعتمادها على الاقناع الديني فحسب”  ما معنى فوقية؟ هل يعني بها الدّعوة إلى التّغيير بالتي هي أحسن، أو عن طريق الأدلة العلمية والعقلية؟ أم فوقية بمعنى التّكبر والتّرفع عن بقية الشعب؟

ولو اعتمدتُ على المعنى الأخير، فلماذا وضع مقابلها وصف” الاقناع الديني”، صدمتني أيها المحلل الكبير؛ فليسمح لي حضرته بتفسير الإقناع الديني: التّرهيب والتّهديد بالعقاب الإلهي أو الدنيوي! وهذا مديح للتّيار الوسطي وليس ذماً كما توحي به العبارة!

ثالثاً:  وفي سياق الحديث عن التّيار الثاني يقول المحلل: التيار المسلّح وغالبا ما ينعت بـ”السلفية الجهادية” -ومنه حركة الشباب المجاهدين- وحين تتخلى عن العنف ستمثل مخزونا طبيعيا لجماعة الاعتصام.”  

عبارة غريبة أخرى، باختصار هذه طعنة غير متوقعة لجماعة الاعتصام بالكتاب والسّنة، فالمحلل يلمّح إلى تبني الجماعة لنفس أفكار حركة الشباب المجاهدين، ويكمن الخلاف بينهما في تنفيذ الأخيرة للأفكار والمعتقدات بينما تمتنع الجماعة عن تطبيق ما تراه! وهكذا لو كفّت الحركة عن العنف (الجهاد) تنصهر في بوتقة الجماعة!!

رابعاً: اجتهد المحلل -الذي غالباً ما يصف نفسه بعدم الانتماء لأي من الحركات الإسلامية- في تلميع صورة السلفيين دون أن يحالفه الحظ؛ إذ يقول:والتيار السلفي تيار دعوي وعلمي أكثر منه تيارا سياسيا، فدعوته تنطلق من المساجد ومن حلقات العلوم الشرعية،”

ماذا نفعل بالوقائع التّاريخية التي نعرفها كمواطنين صوماليين عاشوا في الصومال؟ كيف يمكن لأي عاقل منصف أن ينسى أنّ الاتحاد الاسلامي -سابقا- جماعة الاعتصام بالكتاب والسّنة -حالياً- أقام الدنيا ولم يقعدها، وخاض معارك في أقاليم الصومال؟ هل نسي المحلل معارك لوق وبوصاصو التي عمل ودرس فيها؟  هل قاتلوا من أجل الدّعوة والعلم؟  أم من أجل فرض رؤيتهم السّياسيّة بالقوة ؟ وهل هذا ما قصد به الاقناع الديني؟ وهل لهذا السبب قال لنا أن حركة الشاب امتداد طبيعي لجماعة الاعتصام؟ لا أدري لماذا يحاول الكاتب في تحليل يفترض أنّه موضوعي تلميع جماعة مثل هذه ووصفها بالعلم والدّعوة؟

الأغرب من كلّ هذا أنّه يعود فيقول أنّ التّيار السلفي يشاطر الإخوان في همّ تأسيس الدّولة الحديثة بمرجعية إسلامية، ما يعود بنا إلى وصفه لإخوان الصومال أنّها حركة سياسية أكثر منها دعوية ويجعل السلفيين  معهم على السفينة ذاتها!

 خامساً:  وفي نهاية المطاف يقول: “وفي المقابل فإن التيار الإسلامي في الصومال الذي ينتمي إلى ظروف الربيع العربي بات أكثر وعيا بمسائل الهوية والصراع المحتدم حولها، وأهمية الاتكاء على الشرعية الواقعية بدل إدارة الظهر للغرب.”

لماذا الرّبط بين الإسلاميين في الصومال وإخوتهم في الدّول العربية؟ إذ أنّ الإسلاميين -إخواناً وسلفيين- في الصومال وجدوا فرصة كافية لممارسة أفكارهم ونشرها، فمنهم من لجأ للسلاح، ومن هم من بادر بإنشاء المدارس، والجامعات، والمراكز الصحيّة، ورفض مبدأ إراقة الدّم الصومالي تحت أي مسمّى، على عكس الإسلاميين في العالم العربي؛ فقد كانوا معزولين قسراً عن الشّعب، ومضطهدين، ولم يجدوا فرصة إلا بعد الرّبيع العربي!  وأما الوعي بمسائل الهوية والصراع المحتدم والشرعية الواقعية فيخص جماعة الاعتصام دون غيرها على ما يبدو، لما تقوم به من مراجعات كبرى لمواقفها، ولأن حركة الإصلاح سبقتها في هذا الأمر بل هذا من مبادئها الأصيلة!  وبالتّالي تعميم الأمر يعتبر تجاوزاً للحقائق.

وختاماً: أرجو من جميع السّادة الكتّاب أن يدركوا أن الصومال لا يجوز مقارنتها بغيرها من دول العالم ومحاولة لصق ظروفها بظروف غيرها! ولا ينبغي أن يقدّموا تحليلات تخالف الواقع الذي يعرفه أي مواطن صومالي لما في ذلك من خيانة لجهة النشر التي لا تعرف الكثير عن شئوننا، ولا يليق أن تصبغوا تحليلاتكم بمزاجكم الفكرية أو القبائلية أوالمناطقية، بل الأجدى أن تكتفوا بقول الحق ليفهم العالم أكثر عن واقعنا.

Advertisements

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s