حروف وأفكار- للأستاذ زكريا علي!


يؤكد كثير من المراقبين أن هناك فروقا “نوعية” عميقة بين المجتمعات التي تقدمت قبلنا ومجتمعنا العربي مما يجعل نقل التجارب متعذرا، فصحيح أن تلك المجتمعات قد حققت تطورا كبيرا في تحويل رؤاها الكبرى ولكنها صادفت ظرفا تاريخيا استثنائيا جعلها قابلة لإحداث نقلة “نوعية” عميقة في تصوراتها ليس من السهل أن تتكرر لمجتمعات أخرى، فالرؤية الكلية للحياة والكون والإنسان التي يعتنقها سواد كبير من أبناء مجتمعاتنا العربية تنضح بمعايير وأسس من الصعب زحزحتها أو تغييرها لصالح رؤية إنسانية صافية.

وطبيعي أنّ اهتمامات الأفراد تحكمها تصوراتهم؛ فإن كانت منجذبة إلى عالم الواقع فإنها ستصبح قابلة للتغيير وإلا فينبغي تغييرها من الجذور، وهذا لا يتحقق إلا بثورة ثقافية شاملة تعيد تأسيس الرؤى والقناعات والأفكار، وقد قيل أن للأفكار تاريخ صلاحية مثل الغذاء؛ والإصرار على تلقينها والتّمسك بها بعد انتهاء صلاحيتها يصيب العقل بعطب شديد يتعذر إصلاحه!  وهذه الحقيقة البسيطة ظاهرة للعيان.

ليس من الحكمة في شيء أن يطالب عاقل بالديمقراطية في مجتمع خاضع لنسق ينتمي إلى ما قبل المدنيّة، فالديمقراطية هنا تعني ترسيخ ما يريد الجميع التّخلص منه! فلقد ألغى حاكم فيينا الأمير فرانسوا جوزيف إنتخابات شعبية جاءت برجل عنصري متعصب، وصفق له مثقفو النمسا – في ذلك الوقت– ومن بينهم عالم النفس سيجموند فرويد! وكان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة قد احتاروا حين تقريرهم لمبادئ الدستور الأمريكي بين الليبرالية الدستورية التي تثبت الحقوق الفردية تشريعيا والديمقراطية الشعبية التي تنتصر لرأي الأغلبية، حيث كانت أغلبية الأمريكيين – في ذلك الوقت – تؤيد استرقاق السود مما أجبر الرئيس إبراهام لنكولن على خوض حرب شاملة ضد الولايات الجنوبية المتعصبة لإجبارهم على هذا المبدأ!

فديمقراطية الصناديق ليست كل شيء، وقد قضت الديمقراطية على الجمهورية الثانية في فرنسا، وجاءت بالفاشيين في إيطاليا والنازيين في ألمانيا، وإذا كانت الأقليات في المجتمع المتخلّف تعاني من التمييز في ظل الإستبداد فإنها تحت شعار الديمقراطية ستواجه محرقة! ومن عجائب مجتمعنا العربي أنّ الدّيمقراطية التي أبدعها الغرب للحفاظ على الحريات أصبحت الآن سلاح المتعصبين للقضاء على الحرية نفسها! سياسة خلط الأوراق وتشويش الأفكار تتجلى في قيام من لا يؤمن بأبسط مبادئ الفلسفة الإنسانية الحديثة بتقديم نفسه تحت مسمى “حقوقيّ” !!

ومنذ فجر التاريخ وسنة التدافع والتنافس تتحكم بسلوك الكيانات البشرية كافة، صغيرة كانت أم كبيرة، متجاورة كانت أم متباعدة، فقيرة كانت أم غنية وهي في مآلها النهائي إنما تبغي الحفاظ على المكتسبات الموروثة، وإثبات السّيادة أو التّوسع والهيمنة فهي حلقة مفرغة لاتنتهي إشكالياتها إلا لتبدأ من جديد! والغرب لم يكن يختلف في مسلكه هذا عن الامبراطوريات الغابرة، مثل الاسكندر المقدوني والفراعنة وملوك بابل وآشور وخلفائهم في محاربة وغزو الشعوب من أمثال أمراء المغول وأكاسرة الفرس وقياصرة الروم وسلاطين المسلمين وغيرهم ممن تدفعهم إرادة غامضة للسيطرة على الشعوب طوعاً أو كرهاً! ولكن المشكلة التي يعاني منها العقل العربي في عصرنا هي أن نقده لتجاوزات الغرب كان على حساب السكوت عن “نقد أخطاء الذات”، وتحميل الغرب كل أوزار التّخلف المدنيّ والتهميش الحضاري للأمم العربية والإسلامية! كتب مثل (مشكلات الحضارة) و(واقعنا المعاصر) و(ظلام من الغرب) والتنظير للسقوط الغربي الوشيك مثل (أمريكا:سقوط من الداخل)!! دليل واضح على أن هناك هوساً عجيباً بمطاردة انحرافات الآخر ورصد عيوبه وجرد اخطائه، مع تجنّب فعل ذلك مع “كوارث الذّات” التي لا زالت تترنح في صحراء التخلف والانحطاط.

وتم التعاطي مع المنجز الحضاري الغربي بإزدواجية مؤلمة، تستفيد من تقنياته وترفض منجزاته الثقافية خوفاً من ذوبان ثقافي مزعوم واستلاب ذاتي متوهم وغيرها من الكوابيس المصطنعة!   

ومعضلة الهوية أعتبرها شخصيا إشكالية “مفتعلة” يرددها مجموعة من المثقفين العرب لتبرير عجز الإنسان العربي عن صناعة مصيره وتحمل مسؤولية هذا الوجود الذي يعيش فيه.. وعندما قال الفيلسوف الفرنسي كوندورسيه مقولته الشهيرة “أنا إنسان بالضرورة وفرنسي عن طريق الصدفة”! فإنه يؤكد هامشية الهويات الثقافية بالمقارنة مع قداسة البعد الإنساني للبشر.

ومعضلة الهوية لها ارتباط خفي بإشكالية النسب في الثقافة العربية، مع أن النسب “شيء وهمي لا حقيقة له” كما يقول العلامة ابن خلدون ولكن يبدو أن معضلات الثقافة العربية القديمة لا زالت تمارس حضورها بـ”لباس ثقافي حديث” تحت مسميات متعددة تخفي ارتباطها الحقيقي بنسق ثقافي بائس لا يمكن إغفاله

لا يليق بعاقل يرى أوجاع هذا العالم أن يزعم لنفسه صفة “أنثولوجية” تمنحه الإصطفاء في هذا الوجود كأن يقول أنه نال مبتغاه بمجرد أن رفع يديه إلى السماء، فالتقليديون بحّت أصواتهم عندما رفعوا أكفّ الضراعة في مواجهة عدوان الجيش الروسي على الشيشان، لكن الحال انتهى على غير ما يشتهون! والمظلومون في فلسطين لم تفلح ابتهالاتهم في إيقاف مشروع القوى العظمى الذي كان يستهدف بلادهم لأهداف استراتيجية بعيدة المدى! والعطشى الجياع في أفريقيا يتجهون بعيونهم الدامعة إلى السماء لكنها لم تسعفهم سوى بكسرة خبز مشروطة بمنفعة يسعى إليها أقوياء هذا العالم!

لن نستطيع القيام بنهضة حضارية حقيقية حتى نفهم قوانين الحياة التي ينبع جمالها الخلاب من إصرارها على معاندة الكوارث والنكبات وعدم الاستسلام لقوى الهدم والدمار، الشتاء القارس ينتهي بربيع زاهر والليل البهيم ينبلج بفجر مضيء والأرض القاحلة تستجيب بالاخضرار مع نزول الأمطار، وفهم هذه الجدلية هو ما ينقصنا! فالبداية تكون بتعديل تصوراتنا وأفكارنا حتى تتناسب مع قوانين الوجود، فالبقاء للأصلح والعزة لمن كان إيقاع تصوراته متناغما مع حيوية هذا الوجود الذي ينفر من التقاعس والاتكال بمثل نفوره من القولبة والتنميط (فالتنوع جوهر الدنيا) ولايمكن تحقيقه إلا بمستويات عالية من التسامح وتقبل الآخرين، فالإنسان صاحب كيان ذي طبيعة مزدوجة (روح ومادة) يعملان بطريقة متوازية وبقوانين مختلفة لا يمكن اختزالها في منطق كلي واحد حتى لا يتعرض للاضطراب، ومن الخطأ محاولة إضفاء نزعة عقلانية لفهم تجليات جوهر “لاعقلي” مثل الروح، كما هو الحال تماما في عبثية التفسير اللاهوتي لتجليات جوهر”مادي” كالطبيعة! من الخطأ تفسير كارثة طبيعية كالزلازل والبراكين بعلل ماورائية ولكن من الخطأ أيضا تفزكريا علي.jpg2سير دوافعنا الداخلية العميقة بعلل مادية تختزل كياننا العميق والغني بالأبعاد الإنسانية المتعددة إلى مجرد بعد واحد!!..

فالإنسان صاحب كيان ذي طبيعة مزدوجة (روح ومادة) يعملان بطريقة متوازية وبقوانين مختلفة لا يمكن اختزالها في منطق كلي واحد حتى لا يتعرض للاضطراب، ومن الخطأ محاولة إضفاء نزعة عقلانية لفهم تجليات جوهر “لاعقلي” مثل الروح، كما هو الحال تماما في عبثية التفسير اللاهوتي لتجليات جوهر”مادي” كالطبيعة! من الخطأ تفسير كارثة طبيعية كالزلازل والبراكين بعلل ماورائية ولكن من الخطأ أيضا تفسير دوافعنا الداخلية العميقة بعلل مادية تختزل كياننا العميق والغني بالأبعاد الإنسانية المتعددة إلى مجرد بعد واحد!!

 

Advertisements

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s