فطوبى للمنبوذين


 

زكريا علي.jpg2

 

 

 

 

 

 

 

يملك عينين واسعتين تشع منهما نظرات ملؤها السكينة والمرح، ينصت لك بأدب جم وإهتمام شديد حينما تتحدث معه، يتكلم بكل تواضع وهضم للذات على الرغم من غزارة معارفه وإطلاعه الواسع، يقترب عمره من مشارف الأربعين، مجتهد في عمله، ومحترم بين زملائه، ويحسن إلى الناس جميعا دون تمييز، يمتلك روحا تمتلئ شبابا ونضارة وحيوية، ولثغره إبتسامة هادئة لا تفارق محياه..لكنه أقدم على إتخاذ قرار يعتبر جريمة في مجتمعه التقليدي، أقدم على فعل يستقبحه أقرباؤه ويكرهه أقرانه وينزعج منه الدهماء في قومه أشد ما يكون الإنزعاج!!.. لقد قرر صاحبنا هذا أن يكون إنسانا مستقلا بذاته، فردانيا في معتقداته، حرا في إعتناق ما يعجبه من أفكار وما تطمئن إليه نفسه من قناعات!!.. لقد قرر صاحبنا ألا يؤجر عقله لأحد، وألا يخضع كيانه لأحد، وألا يسمح لأي مخلوق كائنا من كان بإسترقاق عواطفه الصافية ومشاعره البريئة بدعوى أوهام مقدسة أو تقاليد بالية!!.. لقد قرر صاحبنا أن ينظر نظرة متصالحة مع نفسه من خلال فهم هذه الحياة كما تتجلى في قوانينها وسننها وتقلباتها، وليس كما يريدها ويظنها ويتخيلها أو يتمناها..

 تلك هي خطيئته الكبرى وخيانته العظمى التي كلفته حريته الشخصية وحياته العائلية ووظيفته المهنية بل ووحقوقه كإنسان كامل الأهلية في مجتمعه، ولكن لماذا حصل هذا؟!!.. قد يقول قائل أن من السمات الأزلية لأي مجتمع تقليدي هو “المقاومة الشرسة لأي محاولة للخروج من القطيع”!.. ولكن واقع الأمر فيما يخص صاحبنا هو أن مجتمعه بالذات يتميز بخصائص فريدة من نوعها..

 في مجتمع صاحبنا.. إستقالة العقل هي عنوان الفضيلة والأخلاق الحسنة والسلوك القويم!!

 في مجتمع صاحبنا.. المعبد يأتي قبل مراكز الأبحاث ومعاهد المعرفة بل ومقاعد الدراسة!!

 في مجتمع صاحبنا.. لن يلتفت أحد لكلامك ولن يحفل أحد بعلمك ولن يعبأ أحد برأيك إذا لم تكن ممن يقدس كلام الأموات!!

 في مجتمع صاحبنا.. لا تكتمل آدميتك كإنسان كامل الحقوق إلا بقدر نصيبك من إنكار الذات في رحلة “الإنبطاح” التامة لما يردده أصحاب الكهنوت!!

 في مجتمع صاحبنا.. قد تُطلق من زوجتك وتحرم من رؤية أبنائك وتطرد من عملك بل وتهان كرامتك لأنك تجرأت أن تكون إنسانا مستقلا!!

 في مجتمع صاحبنا.. لا قيمة لما يقوله الطبيب أمام الراقي ولا قيمة لما يقوله الفيلسوف أمام الواعظ ولا قيمة لما تردده مراكز الأبحاث العالمية أمام هيجان خطيب على منبره!!

 في مجتمع صاحبنا.. النفاق سيد الموقف لدى سواده الأعظم، والصدق أقصر الطرق وأسرعها إلى المهالك، والحرص على مصلحة المجتمع هو مدعاة لسخرية الناس وتندرهم، والبحث عن الحرية هو البطاقة الذهبية للحاق بقافلة المنبوذين!!

 كان أول بند أقره توماس جيفرسون – ثاني رؤساء الولايات المتحدة – في الدستور الأمريكي هو أن “الناس ولدوا جميعا متساوين لهم الحق في الحياة والحرية والبحث عن السعادة”.. والفردانية هي السمة المثلى للإنسانية لأن كل إنسان يولد حرا، وبمقدار ما يفقد الإنسان جزءا من هذه الفرادة يفقد – بالضرورة – جزءا من إنسانيته في هذا الوجود!!.. والأصل في هذه الحياة هو التنوع والإختلاف وليس التشابه والتماثل، وهذا ينسحب على الإنسان الذي تتجلى فيه هذه الخصلة في كل صغير وكبير من شؤون حياته!!.. وإذا كان بمقدورنا ملاحظة حجم الإختلاف الخارجي الكبير في الأشكال والألوان والأعراق والإثنيات التي لا تخطئها العين؛ فإن حجم الإختلاف الداخلي اللامرئي في الصور الذهنية والمعتقدات الروحية والقناعات الفكرية والميول النفسية أكبر بكثير وأشد تباينا وأقوى دلالة على فطرية “الفرادة” في أعماق الإنسان، تلك الفرادة التي تمنحه ماهيته الحقيقية في هذا الوجود!!..

 ولكن صاحبنا كان يخوض معركة صعبة، وذلك عندما أراد أن ينخرط في مجتمعه ويحاول في نفس الوقت المحافظة على إكتشافه لفردانيته التي طمرها هذا المجتمع بخصوصيته المزعومة!.. حاول صاحبنا أن يكشف للناس خطورة التنازل عن فردانيتهم، حاول أن يلفت إنتباههم إلى أساليب “المسخ” والتنميط القسري الذي يُمارس عليهم، ذلك التنميط الذي يقتل جوهر إنسانيتهم ويمحو فرادتهم ليحبسهم في إسار العقل الجمعي لثقافة القطيع!!..

 كان العقل الباطني (اللاشعور) لمجتمع صاحبنا يرتكز على مفاهيم إنغلاقية تتعلق بـالأنا والآخر، ويتداول أفراده مفردات تكرس أوهاما بالتميز والأفضلية على الآخرين!!.. ولهذا العقل نسق خاص يشده إلى الماضي ويقدس آراء الأوائل والأسلاف كما يقدس الفرد في القبيلة ذكرى الآباء والأجداد!!.. كما أن تصوره للعالم ليس قائما على حقائق موضوعية بل على خيالات عاطفية، ويتعامل مع الأفكار لا بوصفها ذات جدوى ولكن بمدى قربها أو بعدها من عالمه الوجداني!!.. والخروج من قبضة هذا المجتمع التقليدي ليس سهلا، فحدوده مغلقة وخطوطه الحمراء كثيرة وهي محروسة بتابوه كثيف ينذر بالإحتراق والنبذ لكل من يفكر بمجرد الإقتراب منه!!..

 وقوائم المنبوذين في مجتمع صاحبنا طويلة جدا، فالبنية الذهنية العامة في ذلك المجتمع هي بنية إنفصالية شرسة في إقصائها للمخالف، وهي مستعدة لمناصبة العداء لكل من يتجرأ على محاولة الخروج من أقفاصها أو تجاوز حظائرها، ولا تسمح أبدا بوجود فكرة مختلفة في محيطها او غير منسجمة بشكل تام مع يقينياتها، ومحور التقييم لأفراد مجتمعها لا علاقة له بالمعاملة الراقية والأمانة والصدق وإتقان العمل وبذل الخير ومحبة الناس – كما هو حال صاحبنا المنبوذ! – بل بمدى تماهي هؤلاء الأفراد مع العقائد الأساسية و”الأوهام” الرسمية التي يعتنقها سدنة ذلك المجتمع!!..

 لقد ظن صاحبنا أن حب أصدقائه السابقين له كان لذاته وشخصه، ولكنها إنقلبت إلى نفور وبغض بعد أن أفصح عن قناعاته!!.. إعتقد صاحبنا أن إعتزاز عشيرته وعائلته به إنما كان تقديرا لمكانته بينهم فانقلبت إلى قطيعة وهجران بعد أن اكتشفوا أفكاره!!.. خُيل لصاحبنا لوهلة أن إحترام رؤسائه وزملائه له إنما كان تعبيرا عن رضاهم وإستحسانهم لإجتهاده ومثابرته في العمل والإنتاجية؛ لكن الإحترام – وياللعجب – غدا إحتقارا وكرها عندما تناهى إلى أسماعهم ما ارتضاه صاحبنا لنفسه من معتقدات لا تخص أحدا من العالمين غيره!!..

 لا عجب أن يصبح الإنسان الحر منبوذا في ظل ثقافة مجتمعية يهيمن عليها مخزون رهيب من كراهية الآخر حتى أصبحت من ملامحها السلوكية العامة، ولا شك أن هيمنة بعد لاإنساني كهذا سيؤدي بالضرورة إلى أن ترتد الكراهية على الأنا، فتتسبب في انشطارها محدثة سلسلة طويلة من الأزمات التي قد تنتهي بتآكلها من الداخل!!.. إن مجتمع صاحبنا لا يزال قابعا في الطور البدائي للمدنية والحضارة؛ على الرغم من أن أفراده يقتنون أحدث الأجهزة ويركبون أفخر السيارات ويستخدمون آخر صرعات التكنولوجيا!!.. ولذا لا بد أن يفهم أفراده أن أمم العالم المتحضر أدركت – منذ زمن بعيد – أن كل شيء من تحول إلى تحول، وأن القانون الثابت الذي لا يتغير هو القانون الذي يقول: “كل شيء يتغير”!!.. فالوجود الإنساني دائم التغير في منظومة لا تستقر على حال، ونظرا لظروف عالمنا المعاصر الذي تهدد تحولاته السريعة من يرفض اللحاق بركب التقدم؛ فإنني أخشى أن يأتي ذلك اليوم الذي يضرب فيه القدر ضربته وينشب أنيابه في أجساد المجتمعات التقليدية (الفخورة بتأخرها وتخلفها!) فيغدو أصحابها – بفعل كارثة التهميش الحضاري – من المنبوذين!!.. بل من الخاسرين

 

Advertisements

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s