إني أكبُر عاماً ..


أصْدقائي استعجلوا بالتهنئة هذا العام .. كنتُ أشاكسُ إحداهنّ وقلتُ بأنّ الجميع يبدو متلهفاً لحقيقة أنّني أكبُر عاماً ..

يظلّ قلبي أعرجاً .. ألقيتُ ببساط الحُب إلى الأتْربة في الخارج .. نفضتُ يديّ وعدتُ للبحث عنْ حُلم يكفي لنهاية العُمر ..

هلْ خُلقنا للنّوى !؟

***

بعْد الثلاثين أحببتُ الأكل الحارّ والحلويّات وكذلك الأطعمَة المالحة !

أحببتُ الحياة أكثر .. وارْتبك مزاجي أكثر .. وأصبحتُ أضيع دائماً في محلات الملابس .. لا أفرّقُ بيْن سُترات النّساء والرّجال ..

وفي مرّة أيضاً فكرتُ بشراء فانيلة ورْدية للصّبي الذي سأنجبُه من الأبّ الذي لمْ ألتقه بعْد !

***

قبل شهور كتبتُ هذا :

“امنحْني البداية وأطلقني بعدها إلى الرّيح ..

سأتدبّرُ أمري جيّداً لكنّي فقط بحاجة لبداية، لصفحة لا شية فيها .. لسجلٍّ لا يشوبهُ خربشة ..

أنا أمْقتُ الانتظار .. ألعنه كثيراً وأفرغ على رأس الوقت الحامض رصَاص نزقي ..

لكنّك تروّضني جيّداً وتُعلّمني كيفَ أنّ المسافة بيني وبينك ما هي إلا مفازة انتظار وكثير من أقداح القهوة رفيقة المواعيد المُؤجلة .. “

هلْ طال انْتظاري هذه المرّة ؟

***

صبيحة هذا اليوْم، عادتْ أمّي بأخي سُمعة منْ زيارة لطبيب .. أخبرَنا بأنّه يُعاني منْ ضعف في ضرباتِ القلب..

كان الأمرُ غريباً لأنّ نشاطهُ الزّائد أنهكنا جميعاً..

المُهم أنّني شعرتُ بالحُنو عليْه وقمتُ بمُشاغبته بالضّحك والتراقص .. أصبتُ بشدّ عضلي في رقبتي ..!

ابتسمتْ تلك اللئيمة بداخلي لتقول” تراكِ كبرتي على الهبل .. مصدقة حالك أنه صار عمرك 20 ؟”

نهرتُها وبحثتُ عنْ لصْقة لرَقبتي ..

بالمُناسبة أنا أكتبُ هذا مؤمّلة أنْ يكون حديثاً مليئاً بالسّخرية ..

هذه طريقتي الجديدة لمكافحة تسلل الخيْبة وسُوء الطالع .. مع هذا أخْشى كثيراً منْ أنْ تغتال هذه السّخرية ما تبقى منْ قلبي ..

***

نسيتُ أنْ أخبرَكم بأنَي مساءً كلّ يوم أسْعى للتسَكع في الحيَ .. أخرُج بجيوبٍ خاوية كيْ امْلأها بالحكاياتْ ..

أصادفُ نظرات الغُرباء .. والأحْذية الغبْراء .. وأحياناً بقطيع من البقر لراعي “مساي” .. وبائع الذّرة ورائحة الفحْم جواره ..

لكنّي أبداً لا أعُود بالحكاياتْ .. ربّما لأنّي هُنا أفقدُ البوْصلة وقراءة الوجُوه .. !

***

انْقضى موْسم الأمْطار، الجوّ ازْداد بُرودة، ولمْ نعُد بحاجة للمظلة لكنّ هذه الشمس لا تزالُ اسْتوائية وقويّة العَضلات ..

مطلع هذا الشّهر قرّرتُ شراء طاقيّة تحْميني من الصّداع المُزمن بعْد كل مرّة أتواجدُ فيها بالخارج ..

في البدْء ترددتُ .. أخذتُ أتطلع إلى نفْسي وطاقيّة فوق حجاب الرّأس .. اخترتُ واحدة فاتحة اللوْن تميلُ للأبيض ..

في اليوْم الأوّل، شعرتُ بحرج بالغ ..

في طريق العوْدة قلتُ ” وات ذا هيك .. الي يعرف أبويا يروح يعايره” .. ومنْ بعدها وأنا لا أعْبأ .. أذرع الطريق وفوق رأسي تبتسمُ هذه الطاقيّة .. !

***

منْ أطرف التهنئات التي أرْسلتْ لي هذا الأسْبوع :

درآسة سويسريه غريبه: 15% من الناس يموتون بنفس يوم تاريخ ميلادهم !!

العذر اذا ما هنيتك بيوم ميلادك

***

أيضاً منذُ أنْ نبذتُ أحاديث الحُزن؛ توقفتُ عن التعمّق في الأشْياء حوْلي ولمْ أعُد أكتبُ بسنّ الحرْف الحادّ ..

فقط أصْابعي تتحسّسُ خُطاها على لوْحة المفاتيح دون أنْ تُصدر صوتاً ..

صديقٌ لي قال مُنذ أيّام : ” لقد أصْبحتِ مثل مطعمٍ آسيَوي؛ يقدّم الأرْز في كلّ الوجبَات وكلّ يوْم !”

لمْ أعرف إنْ كان يجدُر بي اعتبارُ الأمْر اطراءً أو غيْر ذلك لكنّي حقاً اسْتمتعتُ وأنا أتخيّلني بطاقيّة بيْضاء مائلة..

وأضعُ كثيراً من الزّينة على وجْه طبق الأرْز !

***

نيْروبي ؛

مرّ أكثرُ منْ عام، أتيتُ بوجه غيْر الذي أحمله الآن .. قلبي أيضاً كان خجولاً ومخذولاً ويقفزُ إلى عيْنيّ برُومانتيكية بريئة ..

شيءٌ مّا حدث في هذه المدينة وغيّر كل شيْء ..

الطريف أنّي في أيّامي الأوْلى كنتُ أؤنّب أيّ أحد برفقتي إنْ رمى شيئاً على الطريق ..

وفي المطعم أعيدُ كلّ كراسي الطاولة بعْد أنْ أنتهي، وكذلك ألمْلمُ كلّ البواقي وما تناثر حوْل الأطباق بطريقة تسَهل على النّادل عمله ..

الأصْدقاء كانوا يضْحكون منّي .. إلى أنْ تعثر حظي هُنا؛ كنتُ برفقة عمّي يومها وبنزق قلتُ له لنْ ألملم أيّ شيْء اليوم ..

هذه بلادٌ تعسة .. حالتْ بيني وبيْن أحلامي .. !

بالمُناسبة كنتُ ألعنها كلّ يوم وأفكر بطريقة لرَكلها .. وأصحُو على رُؤى طريفة أخرْبشُ بها خدّ الأشجار وجُدران البناياتْ ..

لا أعرفُ مالذي حدث لكنّي ذات صبيحة قررتُ أنْ أكتشف الوجْه الآخر من الحظّ هنُا، ترفقتْ بيَ الحياة ومنحتني كثيراً من البسَمات ..

قبْل فترة وبعْد انتظار طويل في محطة الباصاتْ توقف أخيراً أحدُهم، قررتُ أنْ أصْعد برغم أنّ وجهتُه مُختلفة لكنّه على الأقل سيُوصلني لمكان أقربْ .. فوجئتُ بأنّه لا مقاعد فارغة وعددٌ من الرّكاب وقوف ..

أخذتُ أصيح : “let me get off please”

أخبرتُه بأنّي سأقعُ على أحدهم بمُجرّد أنْ يتحرك الباص .. أحدُ الكينيين منحَني مقعدهُ ..

خجلتُ وأنا أجلس .. طأطأتُ برأسي جانب السيّدات الكبار اللواتي مازلنَ وقوفاً !

قبْل أيّام كنتُ في سورماركت كبير ومُزدحم ..

أمامي سيّدة بعرَبة كبيرة مليْئة بالخُضروات وأخْرى تسْبقها أيضاً بعرّبة كبيرة وللتو بدأ المُوظف بوضع أكياسها على الميزان .. انْتهى منها بعد 10 دقائق ..

بيدي كيسُ تُفاح صغير .. السيّدة التي أمامي تنحتْ وقالتْ للمُوظف اخدمها هيَ أولاً .. ابتسمتْ لي بود ..

عدتُ وأنا أقول لأمّي .. ” هدول الناس نايس والله .. أحسن مننا ” !

شيءٌ مّا بداخلي غَفر لذلك الشرّير الذي لم يسْمح لي بالسّفر قبْل عام..

***

حُزيْران صديقي والشّهر الذي أتيتُ فيه لهذا العالم .. كنتُ أفكر بأنّه شهرٌ ارْتبط بالنّكسة .. وهذا العام بمزيد منْ أخبار الموْت ..

في العام الماضي استقبلتُ خبراً سيئاّ في ذاتِ اليوْم الذي قضيتُه مع صديقتي فطوم وبعْد أنْ قطعتُ كعكة الميلاد التي حظيتُ بها لأوّل مرّة في حياتي ..

أذكرُ بأنّي رفعتُ بصَري عاتبة للسّماء، أما كان لهذا الخبَر أنْ ينتظر حتّى صبيْحة الغدّ !

حرصتُ أنْ يظلّ شهري الصّديق هذا العام وابتعدتُ عنْ كلّ فكرة قدْ تبصقُ على مزاجي الجيّد ..

برغْم هذا لمْ أنجُ من الوعكاتْ .. !

أدركتُ فجْأة بأنّي بتُّ شخصاً يصْعبُ عليْه الإيمان بشكل مُطلق .. أحْتاج لأنْ أرى شيئاً ..

تُتعبُني المُبْهماتُ والماورائيّات .. والكثيرُ المُعلق بظهْر الغيبْ ..

***

من الأشْياء المُؤلمة، صديقةٌ لي توفيتْ ولمْ أعرف بالخبَر إلا بعْد أيّام .. كنتُ عادة أسْتمتع خلسة بأحاديث الحُبّ بيْنها وبيْن زوجها هُنا على صَفحات الفيسْبوك ..

دخلتُ صفحتها ووجدتُ أنّ زوجها لازال يكتبُ لها أحاديث الفؤاد .. ويغنّي لها أغْنيات السّماء !

بكيتُ ..

لمْ أعرف أكان حزناً .. أم لأنّه جمالٌ أليم ..

عليها رحمَات الله ..

***

بالمُناسبة اكتشفتُ بأنّ دمْعي أسمرٌ أيضاً ..

ممممم أتخيّل أخْتي عائشة وهيَ تقول ” ياشيخة .. هذا لون الكحل فلا تسوقيها علينا “. وتتبعها بضحكة عالية..

أشتاقها هي أيضاً ..

***

مُنذ حزيران الماضي وأنا أسيلُ شتاءً وطرقاتي تتحدّث لغة داكنة، كنتُ أظنّني نسيتُ درُوس الهَوى والبحْر، وأنّني لمْ أعُد بحاجة إلى منْ يدْرأ عنّي ضنَك الاغْتراب ..

في الشّهر الفائتْ، رمَى لي أحدُهم قميصهُ ..

علقتْ رائحتُه بعيُون القلبْ .. !

هل التعمّق يُصيبنا بلعْنة الأحْزان ؟

يُلطخ أقدارَنا بحبْر كئيبْ؟

***

السيّد مُوسيقى لازال يُرسِل رسَائله !

***

الغُربة تمْنحُك هويّة مُركبَة / مُعقدة .. تعبثُ بكَ فلا تصْلح للانْتماء بعدها أبداً ..

لمتُ والدي كثيراً لأنّه اختار لنا غُربة نُفينا منْها دون أيّ مكسَب ..

لمْ نعُد نصْلح لأنْ نكون جزءاً منْ كلّ ما.. وكلّ الأرْض هيَ مُجرّد محَطات في ارْتحال نحْو شيْء لمْ يكتسب وجهاً بعد !

***

أنا المُسرفة في التّعب وبُهتان الأمْنيات..

كريمةٌ جراحِي، وأحْلامي تقفزُ دوماً على قدم واحِدة .. ثم تسْقطُ في المَتاهاتْ!

أقفُ هُنا؛ في عتْمة واعدة بالضّوء .. أمامي صَحيفتي المَليئة بالتّوْبات والمعْصيَة .. فوْق رأسي ضبابٌ يعْلوه غيمٌ مُثقل بمَاء السّماء، أدُور في المْنتصف بيْني وبيْني ..

أكسرُ كعْب حذائي الأيسَر .. لا أتوقفُ عنْ الدّوران ..

سُمعة يضْحك .. يشيرُ إليّ بيده ويضْحك .. يظنّ بأنّ أخْته مجذُوبة ..

المُوسيقى تلتهمُ بحْري ورمَالي .. فساتيني لها ملمسٌ خشن ورائحَة الصّناديق ..

كلّ القضايا التي آمنتُ بها ارْتدت الأبيض وفي طريقها لسُبات أبديّ ..

أردتُ شيئاً عظيماً يشربُ هذا الغرق في رُوحي .. يعيدُ لي وَطني .. ينْفي هؤلاء السّكارى المخْذولين بداخلي .. يصْرخُ في وجْه التيه .. ويحْملني إلى الله ..

أفتحُ نافذتي ..

تأتيني مع ريَاح الجنُوب ابْتسامة .. وقبْلةٌ منْ شفاه الحنين الأحْمر ..!

***

أكتبُ هذا ,وحلقي مشتعلٌ منْ هذه الانْفلونزا .. أنفي مسدود بالضّبط كما هيَ كلّ الحُدود في وجْه جواز سَفري الذي غير لوْنه ..

الحكاياتُ هي الحكاياتُ .. و لا زلتُ أتسكعُ أمام بوابات المدينة النائية .. دُون ورق ثُبوتي .. !

* رحمة شكري – نيروبي
Advertisements

3 Comments

  1. سمعت عن حي إيسلي;في كتاب الأخ كمال الدين شيخ عرب.
    ورأيت أن السيدة سمية تحشر الصوماليين في ناحية التدوين أفواجا…
    التحية لكن جميعا..يانون النسوة الصومالية رحمة وسمية..شكر الله جهدكما.
    ‏-زرياب سعد.

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s