الشّك كافر… فاطمة الزهراء أحمد


في بالي الكثير من الحكايا عن مقديشو التي بدأ عمري فيها،  حكايات الطفولة والحروب وحكايات الإنفجارات مثل الإنفجار الذي وقع في مثل اليوم من أكتوبر في الموعد الآخر لإعدام الطلاب.
هذه المدينة بارعة في إثارة الإزعاج في جوانبي، كما  تثير فيّ كل ماهو جميل وكل ماهو ممل ومؤلم أيضا، وأنت تمشي في شوارعها المتهالكة وأحيائها المدمرة المليئة بالمفاجآت، أقصد ذلك النوع من المفاجآت لا تريدها بالفعل مثل أن يصوب أحدهم البندقية نحوك ويهددك بالقتل أو يقتلك من أجل أنه شك فيك.
أن تخاف من السيارات بأجمعها بما فيها السيارة التي أنت راكبها والشخص الذي يجلس إلى جانبك إذ يمكن أن تنفجر في أي لحظة وبالتأكيد ربما تكون أنت من سيغادر المسرح عما قليل..!
أن تشك بالناس التي تمر حواليك ربما فيهم من يريد أن يفجر نفسه ويصبح شهيدا ومن ثم يدخل الجنة بسببك..!
أن تقلق من الجنود الذين يمرّون بك ذهاباً وإياباً لربما أحدهم يخطط أن يفعل شيئاً ويلقي قنبلة في سيارتهم وعندها يطلقون النار بطريقة عمياء ولربما تكون أنت واحد من بين القتلى أو الجرحى…!
أن يؤلمك رأسك من كثرة المصطلحات والمفاهيم المتداخلة والمعقدة مثل “Saaqaas ha i galin”  أى “لا تورطني بهذا” هذه العبارة يرددها كل مقدشاوي حين تطلب من أحدهم أن يذهب  معك إلى ذاك الفندق أو هذا المحل … سيقولها بالتأكيد…!
عند ذهابك إلى الدراسة وفي جانب الشارع تنتظر الباص وعندما يتأخر عليك وتخاف أن يفوتك الدرس تتوقف فجأة بجانبك سيارة جميلة يقول لك من في داخلها إركب سأوصلك! لا بد أنك تقول له “Mahadsanid saaqaas ha i galin”  أي لا تعرف ما بداخلها أو إذا تكون مشتاقة للإنفجار ولا تريد أن تتورط بهذا…!
أن تشك من أي شيء وتلتفت يمينا ويسارا وتضرب بقدميك الأرض تكرارا وتفكر فيما ستقول وتفعل ألف مرة!
أن تشعر أن مقديشو ليست أرضك وسماءها ليست سماءك، وأهلها ليسوا أهلك وجيرانها ليسوا جيرانك فتصر على الهروب، وكلما بدأت ببناء شيء فيها هدمته، لأنك لا تريد أن تبني في مقديشو شيئاً، وشككت بمقديشو بوطنك وحكومتك وشعبك وساستك فقررت الخروج منها…!
أن تشك في كل شيء نفسك وغيرك، وجارك وعمك وخالك وأباك وأمك وتشك كل من يمشي في الشارع وكل من يجلس في بيته ،وكل من يحي ويموت، وكل من يأكل ويشرب، ويضحك ويبكي، أن تشك كل تفاصيل الحياة، وأن تكون عبداً للشك وعبداً للكره وعبداً للخوف وكافراً بهم جميعا..!
لا تسألني أين ستكون؟! وإني لست بكافر، ولكن الشك كافر، والخوف كافر، والقلق والعنف والألم والدم والملل كفار!

 

Advertisements

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s