حلب … حبيبتي


تتسلل إلى روحي مثل نسمات الصيف في الشام، تتخلل عظامي، تصيبني بالصمت حيناً وبالغضب أحياناً أخرى! هل تذكر تلك الليالي الصيفية التي سهرناها معاً أيام لا همّ ولا غمّ! وأنغام القدود الحلبية تصدح وجيراننا المزعجون لا يتعبون من الطرب! ويرددون باستمرار أهل حلب أهل الكبب والطرب!!
أضحك بيني وبين حالي على طفولتنا الجميلة والسعيدة، أتذكر حين كنا نصحو باكراً في الصباح لنذهب للمدرسة بعيون لمّا يغادرها النّعاس بعد، ننتظر الباص وصوت مقرئ عذب يأتي من محل قرب الموقف يتلو آيات من الذكر الحكيم!! هذه حلب الغريبة تنام على الأنغام وتصحو بآيات من القرآن.
أذكر ذات صباح أنني ذهبت برفقة ابن شقيقتي وبدل الذهاب إلى المدرسة اتجهنا صوب الحديقة العامة، وشربنا السحلب وأخذ لنا مصور عجوز صوراً لنا أعتبرها الأجمل! وفيروز تداعب أسماعنا ونردد بطرب لا نقوى على مقاومته ” قديش كان في ناس عالمفرق تنطر ناس!” أوه ليت الأيام تعود بنا إلى تلك الصباحات الرائقة!
وحدها شوارع حلب تثير في النفس هذه المشاعر! كل النشاطات كانت ممتعة والأروع هو ذهابنا إلى المكتبات المنتشرة خلف الفندق السياحي إذ ننزل إلى القبو ونتفق مع صاحب المكتبة أن نعيد الكتب ونستبدلها بأخرى مقابل عشر ليرات فقط! والعم اللطيف يقبل بسرور! أما مكتبة الأصمعي على بسار ساحة سعد الله الجابري فهي قصة أخرى! كانت المتعة الكبرى، وحتى الرجل صاحب الكوفية الذي يبيع كتباً عتيقة ومجلات وصحفاً بالكيلو كان مصدر بهجة!
أمام سنوات المرح أعني أيام الجامعة اكتشفت أشياء أخرى، اتحاد الكتّاب العرب، حيث تعرفت وقتها على ليلى المقدسي، تلك السيدة اللطيفة الرقيقة الرومانسية، وملك حاج عبيد وآخرون! فأدمنت دنيا الأدب منذ أول يوم وطأت فيه قدمي أرض مقر اتحاد الكتّاب العرب! في ذلك اليوم غضبت مني الوالدة عندما طرت إلى مدرج الطب الكبير لأحضر أمسية شعرية لمظفر النّواب في رمضان بدل الذّهاب لصلاة التراويح! كالطفلة الصغيرة ركضت بسرعة لأسبق الجموع إلى أعلى السّلم لأسلّم على الشاعر الكبير، امتلأت القاعة ولم أجد مكاناً سوى الوقوف في الخارج مع الجموع واستمتع بقصائده الساخرة وخصوصاً تلك التي مسحت بالقمة العربية الأرض!
مهووسة بعالم الأدب الجميل كنت، وسعيدة جداً، ومتحمسة للغاية لدرجة أني أخذت دفتر خواطري لأريها للدكتور عيسى العاكوب رئيس قسم اللغة العربية الذي سألني بعدها إذا كنت أحفظ شيئاً من القرآن وما إذا كنت معجبة بأبي القاسم الشابي!! الحقيقة لم أعرف كيف أدرك ذلك! لكني كنت سعيدة ولم أفكر بأكثر من كونه قرأ لي وأطرى على لغتي!
حلب يا حلب يا حلب! كم أحبك يا حلب الشهباء، كم أعشق لهجة أهل حلب التي لم أتقنها وشعرت بأن مخارج الحروف عندي لا تقدر على قول ” ايش دقلك” ولا حتى أسماء الإشارة الحلبية اللذيدة! أصابتني بعشقها تلك المدينة الساحرة الوادعة وعجز بعدها عن حب مدينة أخرى!
حلب… أخشى أن تفقدي معالمك مع التّدمير المستمر! حلب… أخشى أن أعود يوماً ولا تعرّف على معالمك التي عهدتها!
حلب .. أحن إلى رائحة الخبز في الصباح وصفّه على الجدران ليبرد قليلاً قبل أن نضعه في الأكياس!
حلب … أحن إلى الأجبان والألبان… لم أستسغ غير ما عرفته فيك!
حلب… أحن إلى كلّ شيء فيك .. كل شيء فيك حتى الوجع!
دمرّ الله من دمّرك يا حلب!

Advertisements

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s