توثيق الانتهاكات.. البعبع الذي يخشاه الصومالييون!



 أثناء الحكم الاستبدادي أو في الحروب الأهلية أو عندما تقوم قوات ما على الاعتداء على دولة ما، لا شكّ أنها تخلّف ضحايا مدنين عزّل، وأبرياء لا ذنب لهم فيما يجري، وتقع انتهاكات لحقوق الأفراد من مختلف الفئات. ويلجأ المهتمون بحقوق الإنسان إلى توثيق تلك الخروقات وتصنيفها، مرفقة بتفاصيل الجاني والمجني عليه. وتبرز الهيئات التي تقوم بتسجيل الاعتداءات لتكون شاهداً على الجرائم، وبذلك لا ينسى النّاس الضحايا الذين دفعوا ثمن تلك الأيام السوداء، وتقدّم الأدلة الدّامغة على المجرمين الذين استخدموا سطوتهم لتنفيذ تلك الجرائم.

أنواع الانتهاكات

من الانتهاكات ما تقوم به بعض الأنظمة متمثلاً في قمع المعارضة السياسية أو المنتقدين لسياساتها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: مصادرة حق التعبير، والاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، والمحاكمة العسكرية للمدنيين، والاعدام دون محاكمة، وغيرها من الممارسات اللا إنسانية والخارجة على القوانين الدّولية، وتخالف الدستور الموضوع للدولة.

أما عن الانتهاكات التي تقوم بها الميليشيات فتشتمل على قطع الطّرق، والقتل العشوائي، والاغتصاب، ونهب الأموال، والاختطاف والمطالبة بالفدى، وكذلك إخراج الناس من بيوتهم ومزارعهم وقراهم ووضع اليد عليها، وهذه أبرزها ولم أحصرها جميعها.

هل حصل في الصومال شيء من تلك الانتهاكات؟

يجمع الصومالييون على أنّ الحكم العسكري قام بتلك الانتهاكات ولا يختلف على الجرائم التي ارتكبتها المليشيات منذ عام 1988م وحتى اليوم، ولكنّهم مختلفون على ضرورة توثيقها ومحاسبة الجناة والتعويض للضحايا ولو بالاعتذار وتذكرّهم وعدم الاستخفاف بمصابهم. إذاً ما السبب؟ لماذا لا يرغبون في ذلك؟

لم يقم الصوماليون بتوثيق الكثير من جرائم النّظام الاستبدادي الذي عانى منه الشّعب الصومالي، واستكان للشائعات والتفسيرات الشفهية، حتى أنّ عقول الكثير لم تسمح لهم بتحليل ما يسمعونه وفهمه، وتبنى ما يقال دون دليل قاطع. بل بدأت ظاهرة غريبة هي اعتبار جرائم النّظام هي جرائم قبيلة ما، ونتج عن هذا ظهور المليشيات القبلية التي رمت البلاد في أتون حرب طويلة، فهم بهذه القرآءة السئيةلم يحاكموا المنظومة الحاكمة بل حاكموا أفراداً من الشعب الصومالي، كما أنّهم لم يستردّوا حقوقهم بل ضيّعوها وضيّعوا البلاد والعباد.

ثم حصل الأمر ذاته عقب الحرب الأهلية الدّموية، وتوّلت الجبهات المسلحّة الأمور في البلاد، وقاموا بتنفيذ جرائم مهولة، من قتل ونهب واغتصاب ودفن للنفايات على الشواطئ، فما كان من الصوماليين سوى إدانة قبيلة أيضاً بدل إدانة قادة الميليشيات، وأيضاً لم تسجّل انتهاكاتهم رسمياً ليحاسبوا يوماً ولئلا ننسى الدّروس القاسية التي علينا التّعلم منها.

وقد يكون بعض القرّاء سمعوا بعبارة ( لماذا يدّعي البعض أنّهم ظلموا، الكلّ ظلموا؟) ربما يكون هذا حقيقياً نسبياً، ولكنه من الظّلم أيضاً القول بأنّه من الخطأ التّظلم. وإلا فكيف تتم المصالحة التي يعقدون لأجلها حتى اليوم مؤتمرات وندوات. إن من أبسط حقوق ضحايا الحرب الصومالية أن نعترف بوجودهم أولاً ونقرّ بأنهم ظلموا، وسلبت حياة بعضهم، وانتهكت كرامتهم، وليس التغاضي عنها والاكتفاء بتكميم الأفواه والتّظاهر بالتّدين وكرم الأخلاق وقول: عفا الله عمّا سلف! فلماذا تنكأ الجراح؟ كيف يمكن للجراح أن تبرأ دون أن يحاكم المجرمون؟ أو دون ردّ الاعتبار لهم ولذويهم؟ أو دون إعادة أملاكهم المغصوبة؟ أو الاعتذار كخطوة أولى؟

بعض الشباب على شبكات التواصل الاجتماعي ذكروا أن التوثيق إعادة لانتاج الحروب القبلية، وبعضهم سمّاها “بحبشة” ونكشاً وراء الماضي، وبعضهم قال: ما حصل قد حصل. فكّروا بالحاضر وعفا الله عمّا سلف.

بدا لي من ردودهم أنّهم يقولون هذا من منطلق التّراكمات الثقافية الصومالية البدوية التي لا تعترف بالاعتذار ولا تدين بالشكر لأحد. عندما يقولون: عفا الله عمّا سلف. أقول لهم: على المذنب التّوبة والعفو على الله! لكن رفض الاعتراف بالذنب والاقرار به والتوبة عنه وفوقها رجاء العفو أمر لا يتوافق مع العقل الفطري ولا الشريعة الإسلامية, وعندما يقولون أنّها إعادة انتاج الفتنة القبلية فهم أيضاً ينطلقون من ثقافتهم البدوية التي ترى في الأمر إساءة، لأن القبائل المجاورة سوف تعيّرهم وتقول له: (هل كنتم مكتوفي الأيدي ليُفعل بكم كلّ ذلك)، مما يحيي الرّوح الجاهلية ويعيد الكرّة. أما من يقولون أنّها بحبشة ونكش فيهم غالباً يريدون إنكار وقوع خطأ على البعض ويفضلون التّظاهر وكأن شيئاً لم يكن، ويهربون من الوقوع في حرج مواجهتهم بجرائمهم وأخطائهم.

ما أهميّة التّوثيق؟

 تكمن أهمية التوثيق في كونها تسجيلاً معتمداً يقدّم شهادات على أحداث وجرائم في فترة الحروب أو النزاعات، مما يسهّل محاكمة المعتدين، وتخفف من المبالغات التي يتداولها أهالي الضحايا وذلك بتوفير أرقام وإحصائيات واضحة. وتلعب على المدى البعيد على إعادة الصلح الأهلي، وكذلك تقدّم دروساً للجيل القادم يستخلصها من طبيعة الصراع ومراحله ونتائجه فتقلّل من فرص تكرار المآسي في المستقبل.

متى سيدرك الصومالي أن إدانة المجرمين لا تعني إدانة لقبيلة؟

يسهل على الصومالي إدانة القبيلة على إدانة الفرد، فالفرد يعني القبيلة والقبيلة تعني الفرد، وهذه المعادلة غير سليمة البتّة، لا عقلاً ولا نقلاً. لهذا قلت في مقال سابق بعنوان( من يتذكر لماذا يتصارع الصومالييون؟) أنّ المشكلة في عدم توثيق الانتهاكات لأن منتهيكيها ينتمون لقبائل مسلحة وكبيرة وستقوم بحمايتهم. وقدّ ردّ البعض على أن المشكلة ليست في التوثيق. لو لم تكن تلك هي المعضلة إذاً لعلم المتصارعون أن جرائمهم تسجلّ عليهم وسيفتضحون ولكنهم أمنوا من افتضاح أمرهم لأن الشعب لا يدري عن تفاصيل جرائمهم والإعلام لا يسلّط الضوء عليها، وهكذا ينشأ رأي عام يعتبر مجرد الحديث عن الانتهاكات فتنة.

وعدم قدرة السّواد الأعظم من المجتمع الصومالي على التمييز بين  عبارة (مجرم من قبيلة فلان متّهم بجرائم ضد الإنسانية) وعبارة (القبيلة الفلانية متّهمة بتلك الجرائم)، وبين أن أكبر نسبة من الجرائم ارتكبت في المدينة الفلانية أنّ ابناء القبائل القاطنة فيها مجرمون، يستبب في التّهرب من مناقشة القضية من أساسها. إذ أنّ هذه الدّرجة من التّجرد والنّظرة الموضوعيّة تقريباً معدومة وذلك بسبب عدم وجود مثقفين عقلانين قادرين على رسم هذه الأفكار الموضوعية المبنية على القاعدة القرآنية (ولا تزر وازرة وزر أخرى)!

وبالتّالي لا جدوى من أي مؤتمر للمصالحة ما دام المظلمون وقضاياهم في ذيل قائمة الأولويّات، وما دام الهدف المعلن هو المصالحة. ربما عليهم تغييرها إلى دعوات للعفو فهذا أسهل من زعم التّصالح مع الحرص على تجاهل الحقوق المضاعة، وترك الجناة يصولون ويجولون بحريّة. فحق العباد لا يسقط بالتّقادم، ولا بافتراض أنّ الظلم كان عاماً ولا خيار لهم في طلب تعويض أصلاً.

إن أساس أي حكومة صومالية مرتقبة هي ضمان إقامة دولة العدالة ولو نسبياً، وضمان عدم تكرار ما حصل وإلا فالوضع لن يتغيير أبدً.

 هذا والمهمّة التي تنتظر المثقفين والكتّاب غير هيّنة بالفعل، إذ عليهم القيام بمبادرة للنهوض بهذا التفكير العام والسائد بدل تكريسه، وتسجيل تصريحات وأفعال قادة الصراع وإبرازها للشعب ليحكم ويرى من هم أؤلئك القادة فيكوّنوا رؤية خاصة بهم بعيداً عن تأثيرات القبيلة. ونتحرر من السّرد الشفهي الذي درج عليه شعبنا،  إلى أن تتبرأ كلّ قبيلة عن مجرميها مهما كانوا!

Advertisements

2 Comments

  1. لكن هؤلاء الذين يقولون أن هناك جرائم في حقهم و السبب معروف لان هؤلاء كان يطمعون بالسلطة لان النظام في ذلك الوقت قام بتعيين رئيس الوزراء من القبائل المضطهدة وعندما سقط النظام ماذا فعل هؤلاء في القبائل المضطهدة في هرجيسا فعلوا الجرائم لا تعد ولا تحصى اغتصاب و سجن وقتل ..

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s