من يتذكر لماذا يتصارع الصوماليين؟



يقول البعض لا تكوني محلية جداً في اهتمامك، ولكني لا أستطيع لأني أشعر باهمال غريب وتجاهل متعمّد للصومال من جميع وسائل الإعلام العربية حتى في النّشرات الجوية، فكيف لي الوقوف على الحياد والانشغال بأمور أخرى تاركة الهمّ الوطني جانباً. أعترف أني أقضي ساعات طويلة على متابعة مواقع التّواصل الاجتماعي ولكني لا أندم كثيراً على ذلك، لأنّها أتاحت لي الفرصة للاحتكاك بالصوماليين والاطلاع على أفكارهم وأوحت لي مغامراتي الفيسبوكية بتقارير عديدة، ومن هذه المغامرات اكتشفت أن الصوماليين لا يعرفون بالضبط لماذا يتصارع أهلهم في الدّاخل. من الصّادم أن نحاول تذكّر سبب الصراع  الأساسي، لتعدد مراحله وتنوّع أوجهه، واختلاف المستهدفين كلّ بضع سنوات.  تفاجئت فعلاً، وفهمت لماذا لا يستطيع الجمهور العربي فهم المعضلة الصومالية ولا يتفاعل معها أو يتعاطف بجديّة!

 قضيت لأسابيع أشارك في نقاشات أقرب إلى الهذر مع بعض الشباب الصومالي، ووصل بي الأمر إلى طرح هذا السؤال:” ماذا تقول لمن يسألك –من غير الصوماليين-  لم يتصارع الصومالييون؟”

كان لا بدّ من طرحه هكذا للحصول على جواب يعبّر عمّا في ذهن الصومالي، وإلا فستجد إجابات متنوعة للمواطن الواحدة وعلى حسب المجلس: جواب بينه وبين أبناء قبيلته: لأن بني فلان وفلان يتصارعون على الحكم! وهم لصوص وقتلة. ويتآمرون على قبلتنا التي لم ترتكب أي خطأ ولو سهواً. وجواب بينه وبين الصوماليين: الجهل والفقر وقلة الموارد الطبيعية! وجواب ثالث لغير الصوماليين: التآمر من قوى الاستكبار وإثيوبيا والنصارى والصومال الجزيرة المسلمة في بحر من الكفار.

وهذه طائفة من أطرف الإجابات قال أحدهم:”أنّ هذا سؤال محرج وقد سأله شاب سوداني زميل لي في السكن الجامعي عن ذلك، فأجاب عني زميل طريف بأنّ أصل الصراع في الصومال بين فريقين فريق يريد أن يقحم في مجتمعنا موروثات الحضارة المدنية والتي في مقدمتها الدولة ومؤسساتها، وفريق محافظ يقاوم هذا التوجه ويريد للصوماليين أن يعيشو بفطرتهم البدوية ويرى أن الأصوب أن يترك الناس ليعيشو بفطرتهم” في الحقيقة كانت تلك دعابة تلتها قهقهات صرفت الحديث عن مساره، والأكثر عجباً- والكلام للمجيب- أن زميلنا السوداني قال: كلام منطقي، لأن الدولة سببت للسودان مشكلة وهي: أن ينتظر الناس منها كل شيء وزرعت الضغينة فكل الأقاليم الطرفية مثل الجنوب ودارفور والشرق ترى انها مهمشة، وأردف بالقول زمان في تاريخنا القديم ماكان فيه كلام زي كده!”

 وأخ آخر أجاب بنزق: هذا السؤال يصيبني بالصداع لماذا تريدين لعقلي أن يبدأ بالتفكير الآن يا أختي؟”

 وقال أغلبهم: هذا أكثر سؤال يكرهه في الغربة، النّاس تسأل بطيبة وبرغبة في معرفة ما يجري في بلادي لكن لا أعرف جواباً مقنعاً ومختصراً لهذا الصراع.”

 وكما يبدو من هذه الإجابات، الناس لم تعد تملك إجابة واضحة ومقنعة عن أصل الصراع في الصومال، والسبب هو تجنبهم التوثيق لأيّ حادثة أو جريمة، تفادياً لمحاسبة مرتكبيها من أمراء حرب وغيرهم؛ فهم أبناء قبائل عريقة وقوية، ولا تعتقد أنّ ذلك لرفعة نسبها وزرقة دمائها، بل فقط لأنّها مسلحة، وإياك – إن لم تكن صومالياً- أن تعتقد أن القبائل الوضيعة سميت بذلك لحقارة نسبها بل لأنها غير مسلحة ولديها مهارات يدوية لا يتقنها البدوي المزّهو بإبله، ومن جهة أخرى فأنّ المحاسبة قد تجعل جحافل من المتحالفين مع قبائل مرتكبي تلك الجرائم تقوّض كلّ محاولة لتجاوز هذه المرحلة التي تتسم باللا حرب واللا سلم. وهذا ما استنتجته من طرح هذا السؤال الذي كان قبل عقد أو أقل قليلاً بديهياً للغاية!

وهذه الحيرة أمام السؤال قادني إلى أنّنا نحتاج فعلاً إلى من يذكرنا بسبب الصراع لنفكر مع بعضنا في حلّ لها، أو على الأقل أن نقتنع بأن الحرب انتهت ونحن في مرحلة النقاهة. وأرجو صادقة أن يكون أبناء بلدي قد تعلّموا شيئاً من الربيع العربي، فلم يدفعهم للانقلاب على الحكم العسكري سوى الظلم ورغبة في استرداد حقوقهم، وما دفعهم لإراقة الدماء سوى الجهل. فالعلم – كما ذكر البروفسور عبد الكريم بكار- يساعد الناس على حلّ مشكلاتهم والوصول إلى حقوقهم من غير إراقة الدّماء، والجهل يدفع الناس إلى الاقتتال دون رحمة ليدركوا لاحقاً أنهم أراقوا دماءاً ولم يحصلوا على حقوق!

Advertisements

1 Comment

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s