جدلية الجزء والكلّ عند الصوماليين!


هل الاهتمام بالجزء خيانة للكّل؟ أقصد مثلاً لو كانت أسنانك تؤلمك هل ستتوجه مباشرة لطبيب الأسنان أم ستقوم بفحص شامل لتعالج هذا الوجع؟ حسناً، ماذا لو كنت طريح الفراش مصاباً بنوع من الشلل لمدّة طويلة وكانت عيناك –مثلاً- هما الوحيدان اللذين يتمتعان بصحة نسبية، ثم شعرت بتدهور عافيتهما.. ألن تقلق وتهتّم بهما أكثر من جسدك المشلول؟ وهل يعني هذا الاهتمام أنّ تهمل بقية أعضائك أم تستمر في القلق مع العمل على العلاج العام؟

في الواقع، تمنى عليّ أحد أصدقائي الأعزاء بالتّوجه بالاهتمام بالهّم  الصومالي عموماً وعدم الانشغالات بالتقسيمات النكدة التي جاءت بها سنوات البؤس، كتب بالحرف الواحد: ” وكم تمنيت أن أجد قلمك الجميل يتحرك في طول الصومال وعرضه غير آبه بالتقسيمات النكدة التي جاءت بها سنوات البؤس السياسي في الصومال.”، استشعرت في عبارته محبة وغيرة على أخته الكاتبة أن ترمى بالعصبية القبلية أو المناطقية، وأنّه أرادها أن ترتقي بقلمها وتتجاوز المنطقة التي تنتمي لها!

ولم أعتد شخصياً المرور بما يقوله الغيورون على كتاباتي والمخلصون مرور الكرام، فكرّت منذ أن أعلن لي أمنيته وقلت لنفسي: ” هل أنت متعصبة؟” وعدت إلى كتاباتي، وجدتني أهتّم بالقضايا الصومالية من زواية خبرتي الشخصية ومعايشتي للصوماليين وقرآءتي لما يحدث حولي. الحقيقة أنني عشت في حمر أكثر من بونتلاند، وصدف أنني خبرتها في سنينها العجاف، وأزعم أني نقلت بإخلاص شديد مشاهداتي وتجربتي الشخصية دون أرى في ذلك ظلماً لحمر  ولشعبها، بقدر ما اعتبرته شهادة حق وتوثيق للوقائع، ويشهد الأصدقاء الذين عاشوا معي تلك السنوات أنّ ذلك صحيح!

واكتشفت أنني زرت بونتلاند في فترة يمكن تسميتها بالهادئة ووجدتها مختلفة ووجدت للناس هموماً مختلفة وتصوّرات أخرى، وجدتهم يحبون الجنوب ويحزنون لأي حدث جلل يحدث فيه، رأيتهم يعشقون حمر وتعيش في ذاكرتهم وهي في أروع سنينها، ويدعون لها بالسلام ويعتقدون أنّ شعب حمر بالذات مسالم ولا يعرف العصبية القبلية مما أدهشني بحق!  لأن هذا عكس ما كنت أراه في حمر، حيث رأيت فئات من الشّعب لا يذكرون تلك الولاية بأي خير، سوى كونها صخوراً وصحراء جرداء وأهلها متعصبون قبلياً وغليظو القلوب، ويطمحون فقط للسّلطة، وهذا الحب غير متبادل!  وصدف أن خالطت بعدها مجموعة من أبناء صوماليلاند فوجدتهم يكرهون كلّ ما عدا صوماليلاند ويعتقدون أنّهم الأفضل والمستحقون للحياة والكرامة، وأنهم من  جلب الوحدة بين أقليمي الصومال البريطاني والصومال الإيطالي، وزيادة على ذلك وجدت بعضهم يتمنى زوال قبيلة صومالية بأكلمها! وهذا بلا شك مفزع وجعلني أشفق عليهم من هذه العقدة التي زرعت في قلوبهم منذ عشرين عاماً!

بعد ذلك بعام، وجدت قلمي يستفزّني لأكتب ما اكتشفته ولمسته ورأيته، واتجهت للكتابة في القضايا الصومالية العامة ولكني أدّعي أنّي أنظر لأي قضية تستجدّ من الخارج، دون أن أسمح لعاطفتي بالتّدخل، ومن غير أن أهاب الرأي العام الذي أصابه الجمود ويخاف الكثير من أصدقائي الكُتّاب باعترافهم من مصادمته ومفاجأته بما لا يريده، وهذا فعلاً ما أصاب أمي بالصدّاع، لأنّ رجالاً ونساءاً من أبناء بلدي يشكونني لها ويضغطون عليها بأن أكفّ قلمي عن الخوض في أحاديث مستفزّة للمجتمع والاهتمام بزوجي وابني مثل أي “امرأة صالحة”!

ولئلا أصدّعكم يا قرّائي الأفاضل إليكم ما استنتجته من خلال سني التواصل الحقيقي مع أبناء بلدي:

1.   يعيش الصومالييون – مع الأسف الشديد- في قمقم ما قبل الاستقلال. وحلم الصومال الكبير دون أن تجد أغلبهم يحترم قبائل الصومال عامّة، والأرض الصومالية التي يزعم أنّه يحلم بوحدتها!

2.   الصومالي-غالباً- لا يعرف سوى القليل عن الصومال والصوماليين ويخاف من التّعرف على ذلك لئلا يكتشف ما لا يعجبه.

3.   النخبة المثقفة في الصومال- في الغالب- تكذب على الشعب الصومالي وتوصل له رسائل سلبية مغلفة بحسن النوايا.

4.   يتجاهل الصومالييون- عموماً- الوقائع التي خلقتها سنوات الحرب والبؤس السياسي، بعبارة أخرى، توجد في الصومال اليوم ثلاث مناطق كبيرة لكلّ منها احتياجاتها الخاصة بها وينبغي تقديم الحلول المتلائمة مع وضعها. وهذا ما يميلون لرفضه من باب خوفهم على وحدة الصومال.

5.   الصومالي العادي وأحياناً المثقف يعتقدان على السّواء أنّ الحلّ الصومالي السّحري يتمثل في العودة لحقبة الستينات التي لم يعيشوها أصلاً ويروي الآباء قصصاً عن روعة تلك الأيام!

وانطلاقاً مما أوردته آنفاً، أقول وبضمير مرتاح: الاهتمام بالجزء لا يلغي الكلّ، وعلى المسلم  الاهتمام بقريته ومدينته ووطنه أولاً ثم الاهتمام بواقع الأمة الإسلامية عامةً!

سمية

 

Advertisements

2 Comments

  1. أختي سمية أكثر ما عجبني في مقالك هذه النقطة:

    يتجاهل الصومالييون- عموماً- الوقائع التي خلقتها سنوات الحرب والبؤس السياسي، بعبارة أخرى، توجد في الصومال اليوم ثلاث مناطق كبيرة لكلّ منها احتياجاتها الخاصة بها وينبغي تقديم الحلول المتلائمة مع وضعها. وهذا ما يميلون لرفضه من باب خوفهم على وحدة الصومال.

    أولا: أختلف معك في التعميم بقولك أن لدى أهل صوماليلاند عقدة, فهم أيضا قد يرتكبون نفس الخطأ و يعتقدون أن لدى أهل الجنوب عقدة ضدهم. و سوء الفهم لا يولد إلا سوء الفهم.

    ثانيا: أهل الشمال بطبيعتهم محبون للقومية الصومالية و صحيح أنهم من بادروا بالوحدة و أتوا بالعلم إلى مقديشو عام 1960 رغبة في توحيد كل الصومال و هذا شرف لا يمكن لأحد أن يسلبهم إياه فقد دخلوا بالوحدة دون وضع أي شروط لتقاسم السلطة أو حتى توقيع رسمي على الوحدة.

    ثالثا: أنا شخصيا منذ الصغر أحب الصومال كل الصومال و أرسم خريطة الصومال الكبير في أوقات فراغي عن ظهر قلب. و كان لدي أمل بأن تعود الأمور لمجاريها حتى مؤتمر عرتة و انتخاب عبدالقاسم صلاد, و لكن للأسف وقف الكثيرون ضده و حينها فقدت الأمل.

    ثم ذهبت لزيارة صوماليلاند مسقط رأسي و حينما خالطت الناس رأيت كيف نشأ جيل كامل على أنه دولة منفصلة عن بقية الصومال و كيف أنهم صححوا خطأ عام 1960 بالتسرع بالوحدةز. رأيت أناس لن يرضوا بالوحدة بعدما حدث من تبعات للحرب الأهلية. رأيت أناس يريدون حكم أنفسهم على الأقل هذا الجيل.

    إذا لا داعي لتضييع الجهود و الطاقات في وحدة تجمعنا تحت سقف واحد و نحن لها كارهون كارهون, الوحدة إن لم تأت بالحب و المودة و الرغبة فلا معنى لها رغم أنها أمر نبيل. و بودي لو يتحد العالم الإسلامي كله و ننشئ دولة إسلامية عظمى تضم إخواننا في الدين من بقية القوميات إ ن كانت الدنيا تؤخذ بالتمني.

    أعلن لك هنا أنني لا أحمل إلا الحب و الخير لكل صومالي, ماعدا من تلطخت يداه بجرائم حرب. و أرجوا أن نمضي الى الأمام و لا نقف على عتبات الماضي. فللنفصل الآن لعل بالبعد يولد الشوق من جديد. و بالعلم و المعرفة يزول التعصب و بالأيام و السنين تداوي الجراح. بعدها نرى من جديد هل من مصلحتنا أن نتحد من جديد أم لا من منطلق رغبة حقيقة من كل فصائل الشعب. حل غير هذا ما هو إلا تضييع للوقت و إهدار للطاقات.

    و تقبلي أطيب التحيات

  2. الاخ المعقد تحاول تخدع مين الي في بونتلاند ويحبون الصوماليين !! والصوماليين يكرهونهم !!
    هههههههههههههههههههه
    من في تلك البقعة هم الذين ولعوا الحرب في حمر بعد ان هدئت في حمر عام 2006
    وهم من منع الناس الهاربين من المجاعة ان يخطو غلى ارضهم الامنة, الجمعيات الخيرية كانت على استعداد انها تتكفل بمصاريفهم ومع ذلك رفضوا
    لا تعتمد على جهل الناس وتبتدع الروايات والقصص بما يظهركم وطنيين مساكين ,الصوماليين يعرفونكم فرائحتكم فاحت ووصلت لكسمايو

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s