أسبوع من العزلة_ من ذكريات الحرب_!


بقلم : فاطمة الزهراء أحمد

كان ذلك الصباح مثل أيّ صباح عادي آخر، وكان غبش الفجر قد بدأ يبهت فيما تخللت أشعة الشمس القادمة من خلف البنايات نافذة الغرفة تنشر لون الصباح في النواحي. في شارعنا لا شيء قد يشي بقدوم الصباح إلا حركة الأطفال في طريقهم إلى المدراس، سوى ذلك لا شيء قد يذكرني بمطلع النهار إلا النعاس المتراكم على جفوني.
خرجت إلى المدرسة وفيما كنا نغوص في حصصنا، دوت انفجارات متزامنة وأخرى متعاقبة في كل الاتجاهات قفزنا كلنا من أماكننا ودون أن نتشاور كنا نركض على الدرج باحثين عن السطح.
اتفقنا أن الوقت غير عادي، وأي معاندة للبقاء في المدرسة قد تجعل من الخروج منها مستحيلا لذا من الأفضل أن نغادر.
خرجنا نمشي في الطرقات وفي حماقة غير محسوبة كانت الناس تركض في الشوارع مرعوبة، كانت الأسئلة كلها تدور حول أماكن القصف أين هي؟ ولكن لا أحد يمتلك المعلومة الدقيقة حول ماحدث.
الصوماليون يحترفون الحديث في السياسة، طبعهم، عادتهم أينما اجتمعوا، في الشارع، في البيوت، وفي أماكن العمل، وهم لا يتحدثون فقط فيمايخصهم بل حول كل مايدور العالم من أخبار. لازمة البداية أو جملة النهاية تختلف باختلاف الحرب التي تبدأ  الحكاية منها أو تنتهي عندها، ثمة تسييس غير عادي لتفاصيل حياتنا ليس لنا أن نشكو منه كما لا نملك أن ننزعه من أنفسنا، لأنني مثلا لا أستطيع أن أجلس في الباص دون أن اسمع تعليقاً أو موقفاً حول ما يدور.
هكذا نندفع نحلل ونفصل ونشرح ونروي ما سمعناه في الأخبار قبل ذلك من الوضع أو قد نستشهد بـكلمة قفزت على لسان أحد الساسة وكل ذلك نغلفه برغباتنا وأحلامنا ومواقفنا الشخصية، وكلنا نعرف ذلك جيداً ونشعر به لكننا نحاول طرده ونفيه أو حتي نسيانه لأن ثمة بارقة أمل في المستقبل لا يمكن التنازل عنه.
الأصوات لا تهدأ طوال الليل، ولكن بالرغم من ذلك علينا محاولة النوم، كانت عيناي مفتوحتان طوال الليل، لا أعرف إن كنت غفوت قليلاً لبضع لحظات لكنني أدركت حين بدأ ضوء الفجر في نشر بياضه في الغرفة أنني لم أنم، كما أدركت ذلك حين سمعت تهاليل وتسابيح الفجر كاملة وصوت الآذان.
كان على الصباح أن يشرق وعلى الشمس أن تفرد أجنحتها على المدينة لكي تعطي الناس اليقين بأنهم اجتازوا الليلة الماضية، والنهار ليس أكثر أمناً لكن في سكون الليل تكمن قسوة الموت وبصمت كما أن الحركة في الليل مستحيلة.
كنا نحاول أن نتلهى عن الدمار بالحديث عما سيأتي بعد أن ينتهي يوماً ما، لكن العرض لا ينتهي حتى تسدل الستارة لذا قفزت للوراء حيث رأيت الصاروخ يسقط وتصاعد الدخان لهباً أسود، والمشهد لم ينته كان العرض في بدايته كما صار يظن الجميع فاللعبة طويلة كما تبدو.
وأقبل الأسبوع الثاني وكل يوم نقول هذا أقوى يوم، وأعنف يوم، لا بجد اليوم أعنف وأقوى يوم رأيناه، طول الليل الدنيا تضيء وتنطفئ مثل الألعاب النارية، لكن الفرق أن الألعاب النارية في الأصل تنطلق من الأرض إلى السماء إلا في مقديشو فهي من السماء للأرض وعلى رؤوس الناس .
أكثر من أسبوع ظلننا رهن الحبس في الدار، لا نخرج ولا ندخل، لا كهرباء ولا مياه ، ومن شدة الملل في ذلك الجو الكئيب نتحير فيما يمكن أن نعمله في الدار فمرة أقوم بعدّ البلاط وأحيانا ألعب بالجوال في حال كان فيه بطارية.
الجميل في الموضوع في هذه الأيام قرأت كُـــتبا كثيرة والأجمل أني فعلت ذلك باستمتاع شديد.
كثيرا ما كنت أتخيل مقديشو مدينة مائلة مثل شعاع الشمس وأتخيل نفسي أنزلق على جانب أحد شوارعها لأجد نفسي فوق أحد سطوح البيوت، أعيد رسم مقديشو المائلة مثل خربشات تركها القدر  في سجل منسي.
ثم شاءَ لها أن تكون مكاندو الغريبة العجيبة بعالمها الخاص المسكون باللامعقول، ومكاندو هي المدينة الغير موجودة إلا في خيال المؤلف في رواية “مئة عام من العزلة” لغاربرييل غارسيا ماركيز، ثم أجدني أموت في هذا العالم لأعيش في ذاكرة الناس سؤالاً لا إجابة له وعلامة استفهام مثل أجمل غريق على وجه الأرض، مقديشو غريبة غرابة مكاندو لكنها ليست ساحرة مثل سحرها، وتأسيساً كان يمكن للذاكرة أن تتصالح مع الحاضر ويمكن للطريق أن يكون جميلاً جمال الحقول والبساتين ويمكن أن نعيش في عالم يتصالح مع ذاته.
على كل لم تكن مخيلتي لتفلح في جعل المدينة التي قلت عنها ذات مرة بأنها مثل فتاة بعمر التاريخ لم تتمتع بشبابها، لم تفلح مخيلتي في جعلها شيئا أبعد من الحلم الذي أحمله في صدري بأن تصبح المدينة ذاتها وأن تتخلص من عبء التاريخ.
ببساطة كان على مقديشو أن تصبح مدينة الظلال، كل شيء في المدينة يتحول لظل، نحن ظل لأجساد غير موجودة كنت أقول في نفسي إن الظل هو ” لا شئ ” بمعني أن الظل بجوار الرجل وليس الرجل بجوار الظل، بهذا ستكون الرصاصة التي سيطلقونها ليست بأكثر من ظل لرصاصة نسمع صوتها وهْـــمَــــاً..بهذا فقط امكنني أن أضحك على نفسي وأواسيها فكل ما سيحدث ليس أكثر من معركة بين الظلال.
هكذا أمكن لمقديشو فقط أن تبدو في عيني أجمل من المدينة المائلة وأكثر فتنة من مكاندو فهي مدينة الظلال وهي مسرح لمعركة تدور رحاها بين ظلال لأشياء غير موجودة .
الأعمار بيدالله على الرغم من الخوف الذي أسمعه من أصوات الصواريخ ودائما أحاول مواساة حالي بالمقولة ” لا تخاف من صوت الرصاص لأن الرصاصة التي ستقتلك لا تسمع صوتها” ولا أدري هل ينطبق ذلك على المدافع أم لا ؟
كنت أشعر بأن حياة كل شخص قد تذهب في لحظة، ربما يقصفون البناية التي تمر من أمامها أو السيارة التي تركبها، لا أحد يعلم من سيغادر المسرح عما قليل ولا أحد يستطيع تحديد هدفهم القادم أو يعرف مكان الإرهابيين ومخازن السلاح  والمخابئ التي تتحدث عنها نشرات الأخبار.. لعبة ليس لأحد منا دور في وضع قواعدها.
كنا نتابع الأخبار بما توفر لنا من بطاريات الراديو القديم الذي اكتشفنا أننا نمتلكه وضاع أمام زحمة الفضائيات في السابق، الآن صار له قيمة كبيرة، والأغرب ما قاله أحد المقاتلين لن نستسلم حتي لو أبادوا  كلّ من في مقديشو لكن من تحدث عن الاستسلام؟  وماذا عن الإبادة؟ على الأقل لا نريد أن تتم إبادتنا ربما صلحت بنا الحياة لمستقبل أفضل.

Advertisements

1 Comment

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s