العيب في ثقافتنا


العيب في ثقافتنا

القدوة والشخصية الرمز حاجة ملحة لدى الشعوب المفلسة تاريخيّاً مثل الشعب الصومالي العزيز. قد يعترض البعض على مسألة الإفلاس التّاريخي لكن هذا واقع نوعاً ما. فلا صلة بين الماضي والحاضر ولا يعرف أبناء جيلنا أي شيء عن تاريخ الآباء أو الأجداد، لأنّ مجتمعنا بقي شفاهيّاً إلى وقت قريب. ولئلا أبتعد بكم وأتوغل في التّاريخ حتى أيام الحرب الأهلية لم تجد توثيقاً وهاهي الأحداث تتوالى دون توثيق للقتلى والجرحى والمتضررين بسبب الخوف المزمن من أن يدان من تسوّل له القيام بذلك، هذا من جهة ومن جهة أخرى، يعجز الكثيرون عن تحييد الأحداث وتدوينها دون أن يضفي لها مزيحاً من الانطباع الشخصي والمحاكمة.

وبسبب الخلفية الثقافية البدوية والاعتماد على الرواية في نقل الأشعار والحكايات، لا يجب أن نصدّق كلّ ما يروى ولا ينبغي للكاتب الحكم على أي شخصية صومالية تاريخية من منطلق أن العواطف القبلية ربما تدفع الرّواي إلى اختلاق الأشعار ونسبها شاعر ما لإيغار الصدور عليه. لست خبيرة بالشعر والشعراء الصوماليين لكني لا أستبعد ذلك، فالناقد العربي ابن سلّام في كتابه طبقات فحول الشعراء فنّد الكثير من الشعر المنسوب لبعض الشعراء، وهذا وارد في مجتمع يعتمد على الرّواية وبالتّالي الثقة فيما ينقلوه لا تصل لدرجة الأخذ بقولهم دون تمحيص.

فلو كان صديقنا الكاتب محمود يصدّق كلّ ما يقال عن الشاعر( سيدكا)، فهل يعني هذا أنّه يصدّق أيضاً ما أسميها أساطير تروي أصول القبائل الصومالية التي تتناقلها الأجيال؟ هل يؤمن بالملكة الأسطورية أرويللا وأن مقبرتها في نوجال؟

يقول الكاتب في تعليقه أنّه ما كان ينبغي للشاعر النزول إلى مستوى العامة وهجائهم هجاءً مقذعاً، ولكن الواقع يقول أن القذع يخضع للمجتمع وهو الذي يحدد حدود القذع، فهذا الشاعر من بيئة بدوية لا تعرف رقيق الكلام حتى في مديحهم، فهم ما زالوا يستخدمون في لغتهم اليومية عبارات تعتبر معيبة في المجتمع العربي الذي نشأتَ فيه عزيزي الكاتب. أتدري كيف يصفون الشجاع؟ يقولون أنّ له خصيتان. وهذا وصف سخيف وسطحي وفجّ بل ووقح!  وقد روت لي إحدى الصديقات أنّها حكت عن عدل عمر لتلاميذها فقال أحدهم وقد أخذ به الإعجاب مأخذه: والله إنّه كلب ابن كلب – استغفر الله-!!

مقصدي من هذه التدوينة ليس تبرئة للشاعر الفارس محمد عبد الله حسن مما نسب إليه ولكن لألفت الأنظار إلى ضرورة نقد الشخصيات التاريخية الصومالية من منطلق الإطار الزمني والثقافي والاجتماعي الذي كان يعيش فيه وشخصية سيدكا بطبعها مثيرة للجدل، لأنّها وقبل كلّ شيء شخصية تجرأت على تجريد القبائل الصومالية من تأليهها لنفسها حتى قبيلته هو. ولو أنّه استثناها لقلنا أنّه قبليّ ويتعصّب لها.

وأخيراً، هل اطلّع الكاتب قبل أن يحكم على الشاعر بالبذاءة بشعر أقرانه فيرى سبب هذه البذاءة؟ أم هي طبيعة اللّغة؟ أم هي طبيعة الثقافة السائدة؟

 ولكن لا شيء مما سبق ينفي حقّ أي كاتب نقد أي شخصية تاريخية لما لها من فوائد ولكونها تحاكم العقل الجمعي ورجائي أن يحاول الكاتب وغيره من كتّابنا من تبرير هذه اللّغة الفجّة في حياتنا اليومية وخاصة أنه تناول في مقال آخر اللغة الصومالية ولديه قاموس لغوي. أفترض أنّه الشخص الأقدر على فهم المجتمع الصومالي ولغته وعندها لن يدين سيدكا فقط، بل الثقافة الصومالية كلّها!

سمية

Advertisements

1 Comment

  1. جميل بل أكثر من رائع ما أوردته أختنا الأستاذة سمية، في تلمسك للهدف مما ذيلت به مقالي الأول، وما جعلتني الردود أتوسع فيه في المقال الثاني، و هو أن ثقافة البذاءة التي قاربتها بشكل مقتضب، في الحلقة رقم (٣)(الازدهار طريق مفتوح لشعبنا)، وقد نحجت ليس فقط في تبيان الهدف من سلسلتي الجديدة (حين نتفق نحن) بل وعزل الفكرة النقية مما شابها من التباس نظرًا للمقالين وردود الفعل حولهما، فاعتماد سيدكا نموذجًا في مقالاتي، لم يكن عبثًا، فالرجل شخصية فذة وعبقرية، بكل ما في الكلمة من معنى، و كونه رائدًا في سعيه الشخصي، لتحقيق الفكرة حول وحدة شعبنا، ترك بصمة واضحة على كل أبناء الشعب الصومالي، و أن يكون للبعض مآخذ عليه لا ينتقص من دوره التاريخي المثير للجدل، لكن اعتماده (نموذجًا) كان منذ البداية، للتدليل على ازداواجية المعايير الذميمة في مجتمعنا، والرجل كما قد أسلفنا كان على اطلاع واسع بالثقافة العربية، فقد كان أولى به من ذلك الباب، عدم الانجرار لخطايا فادحة في مقاييس الشرع، لمجرد أن العامة تفعله، بل يجب إدانة السلوك غير الأخلاقي لكل ذي أهلية، مهما كانت مكانته، وعزل النتاج الثقافي الغث في خزائن الكتب، حتى يتسنى تحقيقه، فليس المطلوب إدانة نظلم بها الرجل ودوره، ولا المطلوب كذلك استثناؤه من كونه أحد المسيئين للفكر الصومالي ببذاءة نتاجه الفكري، والهدف في المحصلة إدراك أن الجريمة الكبرى التي قد نقع فيها، هو تاليه الأفراد أو الانتماء القبلي ـ كما تفضلت ـ، وأن يعلم جميع من له تأثير، أنه لن يكون بمنأى عن النقد والمحاسبة، وأتفق معك أننا يجب أن نصلح من ثقافتنا.

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s