أحداث غرسور.. النأي بالذات ليس حلاً!


لم تكن أيام عيد الفطر طبيعية في الصومال، فالموت حصد المئات من أبناء الجنوب الصومالي من المجاعة وسوء التّغذية، في حين كانت مدافع حكومة بونتلاند تقصف حيّاً سكنيّاً في مدينة جالكعيو، وفي واد آخر يسبح السّياسيون الصومالييون ويجتمعون في العاصمة تحت حماية اقوات حفظ السّلام الأفريقية، لوضع خارطة طريق لإنهاء الفترة الانتقالية التي دامت أكثر من خمس سنوات.

هذا وقد وصفت حكومة بونتلاند بأنّ المعارك التي شنتّها القوات الحكومية على حي غرسور، في مدينة جالكعيو بأنها ضدّ مقاتلين من حركة الشباب واتّهمت سكّان هذا الحيّ بتقديم الحماية والدّعم للقادمين من مقديشو – دون تحديد- وأشار الرئيس عبدالرحمن فرولي في تصريح له إلى حرب الولاية ضدّ المتشددين في جبال غالغلا بقياد المدّعو سعيد أتم، وكيف أن عشيرته لم تحمه وهم يعملون بفعالية مع الحكومة حالياً. ثم ألقى باللائمة على حكومة غلمدوج المجاورة. تصريح حمل الكثير من التّناقض، فلا أحد من غلمدوج يسكن في ذلك الحيّ. أما المواطنون فقالوا أنّ الحرب كانت ضدّ قبيلة الليكسي التي تسكن في غرسور، ولا وجود للإرهابيين أو أعضاء من حركة الشباب. فما هي الحقيقة؟

الفرق بين حملتي غالغلا وغرسور

 لا أزعم هنا أنني أملك الحقيقة ولكن دعونا نستعرض الفرق بين الحربين، إذ أرى أنّهما متباينتان إلى حدّ بعيد ومن أبرز الفروق بينهما ما يأتي:

أولاً: إن مجموعة أتم التي تحصّنت في تلك الجبال أعلنت تمرّدها وانتمائها لحركة الشباب، وحاربت الحكومة، بينما لم نسمع أبداً عن مجموعة واضحة الملامح تهدّد أمن الولاية والمواطنين في غرسور.

ثانياً: الحكومة مارست سياسة ضبط النّفس مع مجموعة أتم، وأوكلت عشيرته للتفاوض معه لتسليم سلاحه أو الكّف عن تمرّده على الحكومة، مع أنّه صرّح برفضه لأيّ حوار معها معتبراً إياها جهة غير شرّعيّة. بينما لم تقم بأي جهد يذكر للتحقّق من وجود عناصر مشتبه بها هناك أو محاولة التفاوض معهم.

ثالثاً: في غالغلا تحصّنت المجموعة  المسلّحة بالجبال بينما يعتبر حي غرسور سكنيّاً بامتياز، حيث الأغلبية -إن لم نقل الكلّ- سكان مدنيون عزّل.

رابعاً: مجموعة أتم المتّهمة بالإرهاب هي التي بادرت بالحرب ضدّ القوات البونتلايدية بينما شنّت الحكومة مدعومة بالمدافع والأسلحة الثقيلة حملة شعواء على هذا الحيّ السكنيّ.

خامساً: توالت البيانات من شتّى الفئات الصومالية لإيقاف النّزيف في المدينة، إذ أصدرت قبيلة ليلكسي بيان إدانة لما حدث، وأعلن عقلاء مجيرتين تبرؤهم ممّا حصل وأسفهم على إزهاق الأرواح، ودعى كبار قبيلة مريحان إلى السّلام، وغيرها من القبائل والعشائر، وكذلك بعض المنظمات الشبابية مثل Anti-Tribalism Movement وهذا لم نره في حرب الحكومة ضدّ المقاتلين في غالغلا، ممّا يدفعني للاستنتاج بأنّ الحرب هذه المرّة لم تكن ضدّ الإرهاب، بل حرب حكومة ضدّ شعبها!

 يمكن الاستنتاج ممّا سبق أنّ المقارنة بين الحربين غير واردة ولا يقبلها العقل ولا المنطق.

أين هم المتمرّدون الإرهابيون في غرسور؟

 هذا سؤال مشروع وعادل، فبعد قصف دام يومين لم نر سوى ضحايا ينقلون إلى مقديشو لتلقّي العلاج هناك بعدما اكتظّت مستشفيات المدينة بالمصابين، ونزوح الأهالي من بيوتهم، والرّعب الذي انتابهم، لماذا لم يتّم القبض على عناصر حركة الشباب الإرهابية المحتميّة بالحي-إن صحّ التعبير؟ لماذا استمرت الحملة يومين فقط والمعروف أن هذه الحركة تقاتل باستماتة وشراسة عادة، وهذا ما حصل مع مجموعة أتم المسلّحة؟ لماذا لم يكرّ الإرهابيون من جديد بعد وقف إطلاق النّار على القوات الحكوميّة كما فعل المقاتلون في غالغلا؟

هذه الأسئلة وغيرها تؤكّد أن الحرب لم تكن ضدّ إرهابين وإنّما ضدّ سكّان عزّل، وعلى المسئولين تقديم تفسير مقنع قريباً، وتقول الأخبار التي تصل من المدينة تقول أنّ عناصر الأمن البونتلاندي اعتقل رجلاً واثنين من أبنائه، وقررّ قتلهم في المركز الأمني الأمر الذي ضايق رئيس الفرع وقال مؤنباً عناصره: لماذا لم تقتلوهم قبل اعتقالهم أصلاً؟ مع العلم أن رئيس الفرع يعرف الرّجل شخصياً ويعرف أنّه لم يحمل سلاحاً قط!  وهذا مثال بسيط إثر ما ارتكبته القوات الحكومية البونتلايدية من جرائم ضدّ أبنائها.

العقدة الصومالية

مما أثار انتباهي عقب هذه الأحداث المرّوعة ما قاله بعض أبناء غرسور: “لا لبونتلاند بعد اليوم”، ولكن هل هذا هو الحل؟ في الربيع العربي أو في أي ثورة ضدّ أي حكومة لا نرى الشّعوب تقول: لا للوطن أو القرية أو أيّ بقعة من التّراب الوطنيّ، بينما في الصومال يسهل على الصّومالي لا لبلدي لو حصل شيء ما. ففي صوماليلاند، كفروا بالصومال بذريعة أنّهم قصفوا من قبل ديكتاتور سام الشعب الصومالي سوء العذاب، ولم يقصروا ثورتهم ضدّ هذا النّظام فقط مع الاحتفاظ بالولاء للوطن، وأعلنوا انفصالهم الأحاديّ عن الصومال، وهذا ما نراه عند بعض المتعلمين في الجنوب الصومالي عندما يتحدث عن أي واقعة في بونتلاند، ينبذ المنطقة مباشرة ويدين القبائل التي تقطنها، دون أن يتذكر أن للشعب سلطة هي التي ارتكبت الذنب لا هو، وهذا هو الحال في بونتلاند، فبدل المطالبة بمعارضة النّظام،  أو محاسبته نجد التّخلي عن وحدة الولاية، فأي قبيلة تشعر بالاضطهاد لا تحاول رفع الظلم بالتي هي أحسن، بل تتصرف بشيء من المبالغة، وتعلن خروجها عن منظومة الولاية، فلدينا ولاية رأس عسير وإس إس سي، وقريباً ستعلن قبيلة ليلكسي – صاحبة القضية الحالية- ولاية خاصة بهم، وهكذا…فهل الحل هو ضرب بونتلاند عرض الحائط؟ وهل تسترّد الحقوق بالإدبار عنها؟

تلك هي عقدة الصومال منذ القدم وربّما حان الوقت للانسلاخ منها أخيراً، والعمل معاً للقضاء على هذه العقلية التّدميريّة.

كيف الخروج من الأزمة؟

 البحث عن العدالة ليس بالأمر الهيّن، بل الطريق إليها وعر وشاق، كما أنّها نسبيّة، ولا يمكن تحقيقها كما نرغب، ولكن لا غنى عن التّمتع بالاحساس بها أيضاً، ومن واجب السّلطات إشعار أبناء الوطن بها، وفي المقابل، لا ينبغي على المواطن السّكوت والانعزال ولعب دور الضحية لو وقع ظلم عليه، إذ عليه السّعي لنيل العدالة، بالعلم والعمل والمشاركة في البناء والتنمية.

وهنا تجدر الإشارة إلى وجود العنصريّة القبلية في الصومال عامة وفي بونتلاند أيضاً، وهي موضوع الحديث، ورأيت نماذج فريدة من نوعها، فمن المعروف أن القبيلة الأكثر عدداً ونفوذاً تسعى دوماً للاستحواذ على كلّ شيء فقط لأنّها الأقوى، وقد يصل الأمر إلى حدّ القتل وهذا منتهى الظّلم، ولكن في بونتلاند لو تشبثت بعملك وأثبتّ كفاءتك وقدرتك وإن كنت من أقلّ القبائل فلن تستمر الحرب الإقصائية ضدّك، بل تتحول إلى مجرد شائعات، وحرب كلامية دون أن ترافقها أفعال، وهذا ما حصل مع أحد الرموز العلميّة في الولاية، ممّا يدّل على أن الحصول على العدالة في مجتمع قبليّ كالمجتمع الصومالي ليس مفروشاً بالورود.

ماذا لو قال أحدهم أنّ العمل في مكان لا تتواجد فيه قبيلتي بكثافة لا يناسبني؟ وماذا لو كان تعداد تلك القبيلة في المكان المذكور لا يتجاوز ربع السكّان على أقصى تقدير؟ ألن يظلم نفسه هكذا؟  وهل يحق له بعد أن تقوقع على نفسه أن يقول لماذا لا أصل إلى الحكم؟ ولماذا أعاني من التّهميش؟

حقيقة هذا موقف من مواقف بعض أبناء بونتلاند وبديهيٌّ أنّ من يقف على هامش الحياة يُنسى ولا يراه أحد، إذاً الحل يكمن في المشاركة الفعّالة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والمساهمة في عملية التعليم والتنوير للارتقاء بالنفس والمجتمع، وعندها لن نر بإذن الله من يتذمر، يقول تعالى في سورة النّجم: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى،وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى* ﴾  آية:  39-40

ختاماً:

العزلة أو الانعزال ليس حلّاً، ومن هنا أدعو الصوماليين خارج الصومال وداخلهم إلى التّخلّي عن فكرة: أنا ظلمت إذاً أنا لست منكم! بل عليهم السّعي بقبول المصالحة ويلبّوا نداء السّلام، بل ويعملوا مع السّلطات، ليس حبّاً فيها بل لكفّ يد العاملين فيها عن الأذى قدر الإمكان.

Advertisements

6 Comments

  1. أبدعتِ يا سمية، قرأت المقالة كاملة، وعرفت الكثير عن هذه الحملة التي استخدمت فيها ختم “الإرهاب”، وخاصة بعد قراءتي للمقارنة بين حملتي جبال جالجالا وغرسور الواردة في المقالة.
    وأتمنى أن يعي الصوماليون أن الحل ليس بمدّ السكين على السكّين كما يقوله الصوماليون، بل بإمساك العصا من الوسط حتى لا تكون غطاء للظلم والعدوان.

  2. Asc susu ma sha alaah taxliil waqici aad ku sameesay lkn arinkan ah war on terror since 2001 waxuu nogday bidaaca naajixah tan kale ninkan Faroole waxuu iska gadaa US and Itobiya so the victim will be the people. Today leelkase tomorrow Ilaah knows who will be the second.
    thanks for comment and analysis of this crisis, we as the young generation we have to search a new way to pass this difficulties and Troubles.
    thanks

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s