ثقافة ما بعد الانهيار !



هذا المساء كنت أتحدّث مع صديقة لي عن الصومال كما هي عادتنا، نتبادل الأفكار ونتشارك الهموم، وقالت لي أنّها تؤمن بأن على كلّ مواطن دور يجب أن يقوم به قبل أن يلوم غيره، وقبل أن نحاسب الشريفين والحكومة، ينبغي أن نكون مأهلين لمحاكمتهما ومحاسبتهما على ما فعلاه ويفعلانه. ودار بيننا حوار عميق حول دور الشباب المثقف في توعية الجماهير، وأخبرتني أنّ ثمّة مشكلة في إقامة ندوات فلا أحد يأتي ما لم تقدّم له ” رشوة” أو بلغة ألطف حوافز ماديّة، مع قلّة ذات اليد لدى فئة الشباب يصعب أن يقوموا بحملات توعية دون جهات تموّلهم وتدعمهم.

وتحرّكت في داخلي كالعادة حاسة النّقد، هل يعقل أن يدعوك أحد ليعلّمك شيئاً فتطلب منه مالاً بدل أن تساهم في الدّفع؟ الغريب أن الإنسان الصومالي كريم بطبعه، يميل إلى العطاء، وأكاد أزعم أنّه من أكرم الشعوب الإسلامية على الإطلاق، فمن أين أتت هذه الثقافة الدخيلة على ثقافة الصوماليين؟

في الواقع، ثمّة جانب لا يستهان به من العادات الغريبة وفدت إلى الصومال بعد انهيار أركان الحكومة العسكرية، منها ما دخل إلينا بواسطة المنظمات الأجنبية غير الحكومية التي عوّدت الأهالي على دفع الأموال لهم مقابل القيام بواجبهم، حتى وصل الأمر إلى حدّ أن من أراد أن يقوم بالتوعية عليه دفع مبالغ ولو رمزية لتحصل لتنشر رسالتها، ولدرجة أن يعترض بعضهم على نقل الأوساخ من أمام بيته قبل أن تدفع له، عوضاً من المبادرة في دعم حملات النّظافة التي تعيد للعاصمة  وللمدن الصومالية الأخرى رونقها.

ومن العادات الغريبة الغلوّ والتّطرف، فالمجتمع الصومالي متديّن ومتسامح بالفطرة، يرسلون أطفالهم إلى الكتاتيب لحفظ القرآن ويحرصون على الصلاة أكثر من بعض مواطني الدول الإسلامية، ولكن بطريقة ما انزلق الصومال نحو التّطرف، فنرى فئات منهم تؤيّد الجماعات التي تؤمن بالعنف والإرهاب أو تتعاطف معهم، ونرى البعض يزعم وجوب النّقاب وآخرون يحجرون على فكرك ويصدرون حكم الخروج من الملّة إن فعلت أو قلت ما يظنونه بعيداً عن الشريعة.

قلت لصديقتي وهي طموحة تؤمن بأفكار كبيرة لم أعد أؤمن بإمكانيات تطبيق بعضها: أنت تقولين أن على كلّ مواطن صومالي أيّاً كان توجّهه أن يؤدّي حق الوطن عليه، وهذا يا عزيزتي صعب في الواقع والعبارة فضفاضة.

قالت لي: عندي رؤية يا صديقتي ورسالة وسأجد طريقة لتحقيق حلمي الكبير هذا!

قلت: لكنك ستحتاجين إلى إيجاد ثقافة جديدة ومحو ثقافة ما بعد الانهيار.

قالت بمزيد من الحماس: أنا صومالية وأعشق التّحدّي، وسوف أعمل بعون الله مع أصدقائي على محو ثقافة ما بعد الانهيار، وهي طارئة وليس أصيلة فينا. أنا أؤمن بالصومال وبحقّ الصوماليين في  الحياة والكرامة والعلم. وسوف نزرع معاً الأمل ونجتثّ اليأس.

كبيرة هي أحلامك يا صديقتي، وتبعث الأحلام الغافية في وجداني وبدأت أتخلّى عنها… نعم يا صديقتي الحلوة… على الصومال دين كبير في رقابنا وعلينا السدّاد اليوم قبل الغد!

وهذه التّدوينة لا ينبغي أن تختم إلا بإمضاء صديقتي الأخرى … الطموحة الأخرى، صاحبة المشاريع الكبيرة أيضاً ..!

الإمضاء:

فؤاد مستبشر بغدك !

Advertisements

2 Comments

  1. الثقافة ما بعد الإنهيار ليس كلها سلبية، بل يوجد في داخلها بعض من الإيجابيات ولا ينبغي ان نلغيها كلها ….. ومِنَ أحسن ان نقطع جزء الذي يخالف الشريعه و لا يتماشي مع عاداتنا وتقاليدنا الأزلية ، …. الشعب الصومالي رغم مصائب التي حلت به و البلاوي التي تغلغلت بجميع أجساده قد إستفاد من هذه المعضلة السياسية دروس و عبر لا يستهان وقد أنتجت هذه الدروس ثقافات وعادات ما كنا نعرفها ……………. الشعب الصومالية بنيته العقلية قابلة للثقافات الدخيلة و عندي مشاهد كثيرة تأكد ذلك ………. وأخيرا أشكر أختي الغالية سمية

  2. اغلبنا لدينا احلام وطموح كبيرة نريد ان نحققها بطريقتنا الخاصة لمساعدة وطننا لكن الجزء الاكبر من مسئولية اعادة اعمار الصومال تقع على عاتق الصوماليين المثقفين فى الغربة ………. شئ الايجابى ان الصوماليين يستطيعون التكيف مع ثقافة التغير الى الافضل اذا اقيمت الندوات وانتشرت ثقافة جديدة لان فى نهاية كلنا نريد ان نعيش حياة كريمة فى اوطاننا
    مدونة رائعة اخت سمية واصلى ابداعاتكــ ….وانا من معجبين بافكاركــ …. الله يهديكــ ويحميكــ دائما

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s