هل كان الصومال موحّداً أصلاً؟


إنّ من يسمع عن المشكلة الصوماليّة، لا بدّ أن يدرك أنّ هناك مشكلة ما يعاني منها الشعب  الصوماليّ. فماذا حصل لهذا الشّعب؟ وما سرّ هذا التّدهور الخطير؟ الكثير من الصوماليين يقولون أنّ الصومالي شخص غير وطنيّ، ويقدّم ولاءه لقبيلته قبل وطنه، ويظلون يعزفون على هذا الوتر دون أن يقدّموا علاجاً لهذه المشكلة. ما سبب عدم الوطنيّة وكيف نعالجها؟ ولماذا يعطي الصوماليّ ولاءه لقبيلته؟

قبل الخوض في مسألة وطنيّة الصوماليين علينا أن نتذكر أنّ هذا الشّعب كان شعباً رعويّاً لا يعترف بما يسمّى بالحدود ولا يدري ما الخريطة  ولا ما هو الوطن، وأينما وجد مرعى كان وطنه،كما أنّه لم يحدث أن خضع الصومال كلّه لحكم صومالي في تاريخه القديم، بل كانت هناك ممالك قبليّة، وأشهرها مملكة مجيرتينيا ومملكة أجوران وغيرهما، واقتصر حكم كلّ مملكة على أراضي القبيلة ولم يتجاوزها. ويقال أنّ أوّل من نادى بالقوميّة الصوماليّة هو الفارس الشاعر سيّد محمد عبد الله حسن، وقد واجه الرّجل حرباً ضروساً من زعماء القبائل الذي خشوا من فقدان مكانتهم ولذا حارب على جبهتين، المستعمر من جهة وزعماء القبائل من جهة أخرى، وكان سيّد محمد عبد الله حسن يهجو القبائل التي تعاديه بالاسم، بما في ذلك قبيلته، ربّما لهذا نجد من مثقفي ما بعد الحرب من يتّهمه بالقبليّة. إذا كان الأمر هكذا، متى أصبح الصّومال موحّداً؟ هل تكفي الخريطة لتقنع الشّعب بأن الصّومال كانت ومنذ الأزل واحدة؟ وهل كان الشّعب نفسه شعباً ذا طموح واحد؟ وأمل وألم واحد؟

يعتبر هذا النّوع من الأسئلة يعتبر خطّاً أحمر لا يجوز حتّى طرحه على الملأ، ولكنّ ينبغي أنّ تكون الرّغبة في المعرفة أقوى من الخوف، والوفقة الصريحة مع الواقع أفضل من دفن الرأس في الرّمال. وعلى المثقّف الحقيقيّ ألاّ يرددّ  ما يرددّه الحالمون والطيّبون أنّ ما يجمع الصّومالين أكثر ممّا يفرّقهم، فالعرق الواحد، والدّين الواحد، واللغة الواحدة هي من أشدّ عوامل الوحدة قوّة. لا شكّ أنّ هذه العوامل متوافرة نظرياّ ولكن  الواقع لا يعكس هذه العوامل، فكون الشّعب الصومالي من عرق واحد كلام نظريّ، إذ تعتبر كلّ قبيلة نفسها أفضل وأرقى وأحقّ بالحياة فتبيد الأخرى أو تستبدّ بها لو استطاعت أو تستنزف نفسها ومن حولها بحروب رخيصة لا تنتهي. واللّغة الواحدة أيضاً شيء نظريّ، فلا أحد يعترف حتى بلهجة المدينة التي تليه، بل ويسخر منها، وما زلنا لا ندري إن كانت لدينا لغتان، أم لغة واحدة بلهجتين؟ والدّين الواحد تجزّأ كذلك، وأصبح لدينا ألف حركة وتيّار، ورفع كلّ تيّار شعار: ومن ليس في صفّي فهو حتّماً عدوّ لدود، إمّا سرّاً أو جهراً. إذاً ما الذي يجمع الصوماليين؟ وكيف يمكن البحث عن حلّ لمشكلة اللا وطنيّة التي التصقت بهذا الشّعب؟

***

لماذا لا يعطي الصّوماليّ ولاءه للوطن؟

عندما وقعت الصومال تحت الاحتلال، وجدوا الشّعب نفسه تحت استعمار بريطاني، وفرنسي، وإيطالي، وأدار كلّ محتلّ المنطقة التي احتلّها منفصلة عن الأخرى، ومن هنا نشأ حسّ وطنيّ قوميّ وحلمٌ جميل ألا هو تحرير الصومال كلّه والاتّحاد في إطار دولة واحدة.

وكان أوّل حكم صومالي يضمّ قسمين فقط من أصل خمسة، بعد الاستقلال، وذلك باتّحاد الصومال البريطاني مع الصومال الإيطالي، في عام 1960م، ولم يكن هناك أيّ معاهدات واضحة تضمن بقاء الوحدة وتحقيق المساواة بين الشقيقتين، ولم تكن الحكومة الصوماليّة الأولى تتمتّع بالخبرة والحنكة الكافيتين لضمان استمرار الوحدة والشّعور بالاتّحاد، ولم تكن الحكومة التّالية بأفضل إذ لم تجد الفرصة أصلاً بعد أن اغتيل الرئيس، فأمسك العسكر بزمام الأمور، ورغم أنّ هذه الحكومة الأخير كانت أطول فترة من سابقتيها، غير أنّ الاستبداد، والظلم، والخوف المستشري بين الشّعب من النّظام العسكري، أدّت إلى عدم ثقة الشارع به.

ولم يدم هذا طويلاً، إذ ما لبث أن جاء الانقلاب وأطاح بالنّظام العسكري وأعاد الصومال إلى فترة ما قبل الاستقلال، فانفصلت صوماليلاند، واعتنقت الولاية الوليدة بونتلاند الفيدرالية، وغرق الجنوب في الدّم والفقر والمجاعة.

وخلال الفترة ما بين 1960-1991م، لم يجد الصّومالي حكومة وطنيّة تدعمه ولا مرّ بهم منهج تعليميّ يعزّز روح الوطنيّة فيه. ثم جاءت السنون العجاف، وبدأ كلّ صومالي فقير يعتمد على أغنياء قبيلته ليعيش، وأنقذت هذه الرّوح –التّكافل القبليّ- الكثير من الأرواح،  فكيف نلومه على عدم ارتباطه بالوطن؟

كيف يمكن أن نجد جيلاً يؤمن بالوطنية في ظلّ خلفيّة تاريخيّة كهذه؟

الجواب يطول.. لكن  أرى أن تتحقّق بعض الأمور في سبيل غرس الوطنيّة في قلوب الأجيال، منها:

1-             ربط المواطن بتاريخ الوطن: أي أن نلمّع ما لدينا من تراث قوميّ، ومن أبطال قهروا العدوان، وعلماء حملوا شعلة العلم والمعرفة.

2-             تعريف المواطن بجغرافيّة الوطن: كثير من الشباب لا يدري شيئاً عن الأقاليم الصّومالية، بل يعتقد بعضهم بتفاهة بعضها، وهذا يشكّل شرخاً في الإيمان بالوطن وقيمته.

3-             النّظر إلى الواقع التّاريخي للوطن وعدم التّنكر له، بل قبوله وإعادة قولبته من جديد لتناسب الواقع العصريّ.

إن هذه العوامل من شأنها النّهوض بالرّوح الوطنيّة لدى الأجيال، بدل لعن القبيلة والقبلية، وبدل الحطّ من مدينة صومالية على حساب تمجيد أخرى، وأدعو المواقع الصومالية النّاطقة بالعربية أن تعرّف القارئ الصومالي بمعالم وطنه، فالجهل بالوطن هو السبب في عدم الاكتراث بمصلحته العليا.

سمية

Advertisements

2 Comments

  1. مقال عقلاني و يطرح مشكلة الانسان الصومالي الذي يبجل القبيلة اكثر من الوطن بمفهومه العام .. و اتفق معك عزيزتي سمية بما تفضلتي به و كوني من الجيل الشاب الذي نشأ خارج الوطن فقد لمست ممن هم في عمري و اصغر هذا اللاوعي للوطن و الانسلاخ من الهوية و الذوبان في الوطن الجديد سواء بلاد العرب او غيرها و اذا جئنا لمن يعتز بهويته فنجد اعتزازه لا يتجاوز بقبيلته و المناطق التي يقطنها ابناء قبيلته و هؤلاء هم الغالبية العظمى إلا من رحم ربي و كما قلتي يجب اعادة النظر في طريقة تلقين الابوين و الاسرة و التي هي اول نواة في المجتمع للابناء معاني الوطنية و تفقيههم بالشخصيات التي برزت في كافة الميادين و تلميع صورة الوطن و جعلهم يفتخرون بالوطن بأكمله شرقا و غربا شمالا و جنوبا ،سلمت اياديكي عزيزتي 🙂

تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s